- على الرغم من أن مروج الأعشاب البحرية تغطي أقل من 1% من مساحة المحيطات، فإنها تسهم بنحو 10% من إجمالي الكربون الذي يتم عزله سنويًا في البحار.
- تتعامل اليابان مع الحفاظ على السواحل من خلال مفهوم “ساتومي”، الذي يقوم على تحقيق التوازن بين سبل عيش الإنسان وصحة النظم البيئية البحرية.
- وتستخدم الحكومة اليابانية نظام “جيه بلو كريديت” لتحويل امتصاص الكربون الأزرق إلى أرصدة قابلة للتداول، ما يشجّع مشاركة القطاع الخاص.
تنتشر مروج الأعشاب البحرية، التي تُوصف غالبًا بأنها “غابات البحر”، على امتداد السواحل حول العالم، حيث توفّر موائل ومناطق تكاثر للكائنات البحرية. كما تؤدي دورًا بيئيًا حيويًا من خلال تحليل المواد العضوية، وامتصاص المغذيات وثاني أكسيد الكربون، وإطلاق الأكسجين الذي يساعد في الحفاظ على جودة المياه.
ورغم أنها تغطي أقل من 1% من سطح المحيطات، فإن التقديرات تشير إلى أن مروج الأعشاب البحرية مسؤولة عن نحو 10% من إجمالي الكربون الذي تمتصه المحيطات سنويًا.
في اليابان، تحظى هذه النظم البيئية باهتمام متجدد من منظور مناخي. ففي أبريل 2024، أصبحت اليابان أول دولة تُدرج 350 ألف طن من امتصاص ثاني أكسيد الكربون بواسطة مروج الأعشاب البحرية ضمن جردها الرسمي لانبعاثات الغازات الدفيئة المقدم إلى الأمم المتحدة.
ومع ذلك، ورغم أهميتها البيئية والاقتصادية، فإن مروج الأعشاب البحرية في اليابان تشهد تراجعًا. فقد أظهر مسح وطني أُجري عامي 1977 و1978 وجود 2,076 كيلومترًا مربعًا من التغطية بالأعشاب البحرية، إلا أن هذه المساحة انخفضت بنسبة 22.1% بعد عام 2000.
كما كشفت تقييمات قائمة على صور الأقمار الصناعية بين عامي 2018 و2020 أن المساحة تراجعت إلى 1,643 كيلومترًا مربعًا. وتُعد ارتفاع درجات حرارة البحار، والتنمية الساحلية، وأضرار الرعي من بين العوامل الرئيسية لهذا التراجع.
ولذلك، تعيد اليابان تموضع استعادة الأعشاب البحرية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في استراتيجيتها المناخية وتعزيز مرونة السواحل.
إحياء السواحل عبر مفهوم “ساتومي”
في فبراير 2025، أعلنت الحكومة اليابانية خطة جديدة للعمل المناخي تهدف إلى رفع امتصاص ثاني أكسيد الكربون من النظم البيئية للكربون الأزرق إلى مليون طن بحلول السنة المالية 2035، وإلى مليوني طن بحلول السنة المالية 2040.
ويشكّل استعادة وإنشاء مروج الأعشاب البحرية محورًا أساسيًا لتحقيق هذا الهدف، إلى جانب توسيع نطاق نظام “جيه بلو كريديت” لتعويض الانبعاثات.
وترتكز هذه الجهود على مفهوم “ساتومي”، وهو نموذج لإدارة السواحل يقوم على التعايش المتوازن بين النظم البيئية البحرية الصحية وسبل عيش المجتمعات المحلية.
وفي هذا الإطار، تشجّع وزارة البيئة اليابانية على حفظ مروج الأعشاب البحرية والسهول الطينية واستعادتها وإنشائها، مع إشراك الصناعات المحلية والمجتمعات في معالجة التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية في آن واحد.
وفي أبريل 2025، أصدرت الحكومة دليلًا عمليًا للتنفيذ يتضمن أساليب موحّدة للمسح والتقييم، إضافة إلى آليات لربط نتائج التقييم البيئي بآليات التمويل وتعزيز الأطر المؤسسية.
ويتضمن الدليل مبادرات نموذجية، منها استخدام شتلات أعشاب بحرية مزروعة برّيًا لتشجيع تثبيتها الطبيعي في قاع البحر، ومشاريع استعادة متكاملة تجمع بين إزالة قنافذ البحر وإشراك المجتمعات المحلية لعكس تدهور السواحل.
تمكين القطاع الخاص عبر أسواق الكربون الأزرق
تلعب آليات السوق دورًا متزايد الأهمية في هذا المسار. إذ يقوم نظام “جيه بلو كريديت” باعتماد كميات ثاني أكسيد الكربون الممتصة من النظم البيئية للكربون الأزرق وتحويلها إلى أرصدة كربونية قابلة للتداول.
ومنذ عام 2020، تدير جمعية الاقتصاد الأزرق في اليابان هذا النظام، الذي يتيح لمطوري المشاريع تحقيق إيرادات، كما يمكّن الشركات من تعويض جزء من انبعاثاتها. وقد بلغ إجمالي الأرصدة المعتمدة نحو 10 آلاف طن، ما يعكس تزايد اهتمام الشركات.
كما يوسّع القطاع الخاص نطاق مشاركته. فقد أمضت شركة سوميتومو أوساكا للأسمنت أكثر من عقدين في تطوير “شعاب معززة للطحالب” لتعزيز نمو عشب البحر. وقامت الشركة بتركيب نحو 4,000 وحدة قبالة سواحل محافظة ناغاساكي، ما أسفر عن إنشاء حوالي 40 هكتارًا من الموائل الجديدة للأعشاب البحرية. ومع إدخال نظام “جيه بلو كريديت”، عززت الشركة استراتيجيتها للكربون الأزرق، وتستهدف توسيع أعمالها محليًا ودوليًا، مع طموح لتحقيق إيرادات بقيمة 10 مليارات ين من أنشطة الكربون الأزرق.
وتتبنى شركة الطاقة المتجددة “إنفلوكس” نهجًا مكمّلًا في مجال الكربون الأزرق، عبر إضافة مركب “فولفات الحديد” — وهو عنصر غذائي كانت الأنهار تزود به المياه الساحلية تاريخيًا، لكن كمياته تراجعت بسبب البنية التحتية للسيطرة على الفيضانات — بهدف استعادة الإنتاجية البحرية ومكافحة ظاهرة “إيسوياكي”، أي الأراضي الساحلية القاحلة.
وانطلاقًا من مشاريع تجريبية في جزيرة إيزو أوشيما، تتعاون الشركة مع مطوري طاقة الرياح البحرية وتعاونيات الصيد لربط استعادة النظم البيئية بإنعاش الاقتصاد الإقليمي من خلال أرصدة الكربون الأزرق.
من الابتكار الرقمي والاستراتيجية الوطنية إلى نموذج عالمي
يسهم الابتكار التكنولوجي في تسريع التقدم. ففي السابق، كانت مراقبة الأعشاب البحرية تتطلب غواصين وخبراء، وقد تستغرق عمليات المسح ما يصل إلى يومين لكل هكتار.
وفي إطار مبادرة “المحيط الرقمي التوأم”، طوّرت شركة فوجيتسو تقنية ملاحة مستقلة لطائرات مسيّرة تحت الماء قادرة على جمع بيانات عالية الدقة، إلى جانب أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي لتحديد أنواع الأعشاب البحرية ونسبة تغطيتها بدقة تتجاوز 85%.
وقد خفّض هذا النظام زمن القياس بنحو 100 مرة، وساهم في تبسيط إجراءات اعتماد أرصدة الكربون الأزرق.
ولا تقتصر فوائد استعادة مروج الأعشاب البحرية على عزل الكربون فحسب، بل تمتد لتعزيز الثروة السمكية، ودعم التنوع البيولوجي، وتحسين قدرة السواحل على الصمود أمام العواصف والتعرية. وهكذا، تُظهر هذه الحلول القائمة على الطبيعة كيف يمكن مواءمة التخفيف من آثار المناخ مع الإنعاش الاقتصادي وتعزيز مرونة المجتمعات.
ويُصادف الأول من مارس من كل عام اليوم العالمي للأعشاب البحرية الذي أقرّته الأمم المتحدة، لتسليط الضوء على أهمية تعزيز النظم البيئية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وتبرهن التجربة اليابانية على أن دمج استعادة النظم البيئية ضمن الاستراتيجية الوطنية للمناخ، بدعم من آليات السوق والابتكار الرقمي، يمكن أن يشكّل نموذجًا قابلًا للتوسع للمناطق الساحلية حول العالم.
إن إحياء مفهوم “ساتومي” يثبت أن استعادة النظم البيئية البحرية ليست مجرد ضرورة بيئية، بل مسار نحو تعزيز القدرة على التكيف المناخي، وتجديد الاقتصاد، وتحقيق نمو إيجابي للطبيعة.
