في عصر يتزايد فيه التشكيك في العولمة، يتعين على الشركات متعددة الجنسيات أن تعزز الثقة مع المجتمعات التي تعمل فيها ومع المستهلكين الذين تخدمهم، خاصة عند توسعها في بلدان وأسواق جديدة. ويساعد اتباع نهج من ثلاث مراحل على ترسيخ هذا المسار نحو عولمة مسؤولة. ويؤدي اعتماد نموذج تشغيلي قائم على الثقة إلى تحقيق أثر ملموس ومزايا تنافسية، حيث تنجح الشركات في كسب ولاء المستهلكين عبر مختلف الأسواق.
على مدى العقود الثلاثة الماضية، أسهمت العولمة المفرطة في تحقيق نمو غير مسبوق، وتقدم تكنولوجي كبير، وتعزيز الترابط بين المستهلكين حول العالم. غير أنها في الوقت نفسه غذّت حالة من عدم الثقة لدى بعض المجتمعات التي أنشأت فيها الشركات متعددة الجنسيات عملياتها.
ولتحقيق حضور عالمي ناجح، يجب على هذه الشركات أن تضمن كسب ثقة المجتمعات والمستهلكين. فالثقة تُبنى من خلال الأفعال الملموسة والالتزام بالسلوك الأخلاقي؛ فالمهم ليس ما تقوله الشركات، بل ما تفعله.
في شركة TCL، مرت رحلتنا نحو بناء الثقة بثلاث مراحل متميزة: تكييف المنتجات، والتوسع الاستراتيجي، ومواءمة القيم. ونعتقد أن هذا الإطار يمكن أن يشكل نموذجًا مفيدًا للشركات الأخرى الساعية إلى ترسيخ الثقة التي تقوم عليها عولمة مسؤولة وناجحة.
1. تكييف المنتجات
تتمثل الخطوة الأولى أمام الشركات الراغبة في التوسع خارج حدودها في فهم عميق لاحتياجات الأسواق المحلية وثقافاتها، ثم تكييف منتجاتها وفقًا لذلك.
الشركات التي تدرك أهمية هذه الخطوة تكون أكثر قدرة على النجاح في الأسواق الجديدة. فقد اشتهرت ماكدونالدز بقدرتها على تكييف قائمتها الغذائية، حيث تقدم طبق “بوتين” في كندا، ولفائف “بانير” في الهند، و”ماك باغيت” في فرنسا. كما تُظهر إيكيا مهارة في التكيف مع الأسواق المحلية؛ فعلى سبيل المثال، صممت أثاثًا أصغر حجمًا لسكان الشقق في آسيا.
ومنذ بدء توسعها الخارجي عام 1999، حرصت TCL على تكييف منتجاتها للأسواق المحلية، حيث طرحت في فيتنام تلفازًا مقاومًا للصواعق صُمم خصيصًا لتحمل العواصف المتكررة في البلاد.
غير أن معرفة سوق المستهلك ليست سوى جزء من المعادلة. فالشركات التي تسعى لكسب الثقة أثناء توسعها العالمي تحتاج أيضًا إلى التكيف مع الثقافة المحلية عند إنشاء مراكز الإنتاج، بما يضمن قدرتها على العمل بفعالية مع الفرق المحلية، وبناء سمعة طيبة، وتجنب الأخطاء المكلفة.
2. التوسع الاستراتيجي
مع استمرار الشركات في التوسع، من المهم أن تبدأ في تقديم قيمة حقيقية للدول المضيفة، بحيث يتجاوز تأثيرها مجرد بيع المنتجات.
فعندما تنشئ الشركات متعددة الجنسيات بنية تحتية إنتاجية في الدول التي تعمل فيها، فإنها تسهم في خلق فرص عمل ودعم الاقتصاد المحلي. كما يمكن للشراكات مع الشركات المحلية أن تولّد قيمة كبيرة، إذ تنتقل الشركة من كونها “زائرًا” إلى “شريكًا”.
تقدم ستاربكس مثالًا ملهمًا على نجاح هذه المرحلة. فعند دخولها أسواقًا جديدة وغير مألوفة في آسيا، اعتمدت على مشروعات مشتركة مكّنتها من التعلم من شركائها المحليين، والاستفادة من شبكاتهم، والتعامل بسهولة أكبر مع الإجراءات البيروقراطية.
في الصين، تعاونت ستاربكس مع ثلاث شركات محلية في مناطق مختلفة من البلاد. وأسهمت هذه الشراكات في تكييف القوائم الغذائية، وتعديل الديكور بما يعكس الأذواق المحلية، وتوطين خدمات دعم العملاء. ومنذ عام 1999، افتتحت الشركة أكثر من 6,500 متجر في أكثر من 250 مدينة صينية، ونجحت في إدخال ثقافة القهوة إلى مجتمع اعتاد على شرب الشاي.
وخلال المرحلة الثانية من توسعها، أنشأت TCL قاعدة تصنيع ذكية ومركزًا للبحث والتطوير في بولندا يوفران أكثر من ألف فرصة عمل. كما افتتحت في فيتنام مجمعًا صناعيًا متكاملًا في مقاطعة بينه دونغ يُعد من أكبر مرافق التصنيع الرقمية لعلامة تجارية صينية في جنوب شرق آسيا. وقد ساهم ذلك في خلق وظائف بمستويات مهارية متعددة، معززًا التزام الشركة طويل الأمد بالسوق.
ومن خلال مثل هذه الشراكات، واتخاذ خطوات ملموسة لدعم تنمية الدول المضيفة، تستطيع الشركات متعددة الجنسيات تعزيز مكانتها وكسب ميزة تنافسية مستدامة.
3. مواءمة القيم
لكسب الثقة، تحتاج الشركات متعددة الجنسيات إلى بناء علاقات أصيلة تتجاوز المعاملات التجارية، وترتبط بالثقافة الأوسع للمجتمعات التي تعمل فيها. ويتطلب ذلك العمل بنزاهة، وضمان توافق الأفعال مع القيم، والاستماع إلى الملاحظات والاستجابة لها، وإعطاء الأولوية للعدالة تجاه الشركاء والموظفين والعملاء.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك علامة TOMS للأحذية. فقد اعتمدت الشركة في البداية نموذج “اشترِ واحدًا وامنح واحدًا”، حيث كانت تتبرع بحذاء مجاني مقابل كل حذاء يُشترى. لكن في عام 2020، غيّرت نهجها استجابة لملاحظات أشارت إلى أن هذه المبادرة، رغم حسن نيتها، كانت تخلق حالة من الاعتماد وتؤثر سلبًا على الشركات المحلية. وتبرعت الشركة منذ ذلك الحين بثلث أرباحها لمنظمات قاعدية تعمل على مستوى المجتمعات المحلية.
كما بنت تويوتا ولاء عملائها من خلال دعمها لجهود الإغاثة في حالات الكوارث، سواء عبر التبرع بالمركبات، أو تقديم مساهمات مالية لمنظمات الإغاثة، أو توفير تسهيلات دفع للعملاء المتضررين.
ويمكن للعلامات التجارية أيضًا تعزيز الثقة من خلال رعاية القضايا والفعاليات التي تعكس قيمها الأساسية، بما يبرهن على تأثير حقيقي في المجتمع ويعزز الروابط الإنسانية والعاطفية. ومن بين مبادراتها، التزمت TCL برعاية رياضية طويلة الأمد، وكان انضمامها كشريك أولمبي عالمي في فبراير من هذا العام امتدادًا لرغبتها في ممارسة عولمة مسؤولة وتعزيز حضورها الثقافي من خلال الاستثمار في المجتمعات ودعم التميز الرياضي.
مرافعة من أجل عولمة قائمة على القيم
لم تعد العولمة تسير في مسار تصاعدي مستقيم. ففي السنوات الأخيرة، شهدت نسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي تقلبات بعد أربعة عقود من النمو، كما تراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا. وفي الوقت نفسه، ارتفعت الإجراءات التقييدية للتجارة بشكل حاد في عام 2024، ما يعكس تزايد الشكوك تجاه العولمة من قبل صناع السياسات والجمهور.
وفي ظل هذا التشكيك المتزايد، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن تحدد الشركات متعددة الجنسيات قيمها بوضوح وتلتزم بها عند وضع استراتيجيات التوسع. فالأفعال التي تكسب الثقة يمكن أن تؤدي إلى أثر ملموس ومزايا تنافسية، من خلال تعزيز المصداقية، وبناء شراكات مثمرة، وتوفير منصات محلية للوصول إلى المستهلكين.
وفي عالم يتسم بالتجزؤ والانقسام، ستكون العلامات التجارية التي تعطي الأولوية للتبادل الثقافي والروابط الإنسانية الأصيلة هي الأقدر على الازدهار عالميًا. وعندما تستثمر في المجتمعات التي تعمل فيها، فإنها تضيف قيمة حقيقية وتؤسس لعولمة أكثر مسؤولية واستدامة.
