ملخص: يتناول المقال إشكالية دور العلماء في المجتمعات المسلمة المعاصرة، في ظل تصورات ترى إمكانية الاستغناء عنهم بالاعتماد المباشر على النصوص الدينية أو التشكيك في تأهيلهم، لكنه يؤكد أن هذه النظرة تخالف حقيقة أن العلماء كانوا ولا يزالون عنصرًا محوريًا في حفظ الدين وفهمه، مستندًا إلى قوله ﷺ: «إن العلماء ورثة الأنبياء» ، وإلى التوجيه القرآني: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. ويبين أن تفسير القرآن والسنة يتطلب تخصصًا عميقًا في اللغة العربية وعلوم الشريعة، تمامًا كما نلجأ إلى الخبراء في سائر مجالات الحياة المعقدة، وأن إنكار هذا التخصص يعكس تحيزًا حديثًا لا يستقيم مع طبيعة المعرفة. كما يناقش المقال ضرورة التمييز بين العلماء الراسخين ومدّعي العلم، ومسؤولية المجتمعات في إعداد علماء مؤهلين من الرجال والنساء يمثلون نخبة الطاقات، لأن وجودهم يعد شرطًا أساسيًا لأي نهضة إسلامية تسعى إلى تجديد حضورها الحضاري على هدي الإيمان.
يجد المسلمون المعاصرون أنفسهم كثيرًا أمام مفارقة تبدو لافتة في عصرنا. فهم يتساءلون: ما الدور الذي يمكن أن يضطلع به العلماء في المجتمعات الحديثة، إن كان لهم دور أصلًا؟ وقد ينبثق هذا التساؤل في سياقات متعددة. فثمة من يرى أن المجتمعات المسلمة تعمل على نحو جيد دون حضور ملحوظ للعلماء، مما قد يرسّخ—عن خطأ—انطباعًا بعدم أهميتهم. وآخرون قد يظنون أن المسلم المتعلّم الباحث عن الهداية الإلهية يستطيع ببساطة أن يقتني ترجمة جيدة للقرآن الكريم، أو يرجع إلى كتاب حديث معتمد مثل صحيح البخاري أو صحيح مسلم، فينال الهداية مباشرة دون وساطة عالم. بل قد ينظر بعضهم بازدراء إلى ما يسمّونه «العلماء المزعومين»، معتقدين—وأحيانًا لا يخلو اعتقادهم من بعض الوجاهة—أنهم محدودو التأهيل، ولا يقدّمون ما يُعتدّ به لخريجي الجامعات الحديثة الذين حققوا نجاحًا دنيويًا معتبرًا.
غير أن الدراسة المشار إليها تبيّن أن هذه التصورات تخالف الواقع؛ إذ توجد أسباب وجيهة—بل ظاهرة—تجعل العلماء، تاريخيًا وحاضرًا، عنصرًا لا غنى عنه في حياة المسلمين. ويستند الجواب إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال السلف من العلماء، لبيان هذه الحقيقة من جوانب عدة، قبل التطرق إلى التحديات التي يواجهها المسلمون اليوم في العثور على العلماء الذين يحتاجون إليهم. كما يتناول التأمل في نشأة هذه التحديات، ومسؤولية المسلمين أنفسهم في التعامل معها، والخطوات التي ينبغي اتخاذها—على مستوى المجتمعات المحلية وعلى مستوى الأمة—لمعالجتها.
«ورثة الأنبياء»
من أبعاد الحاجة إلى العلماء ما أبرزه النبي ﷺ بقوله: «إن العلماء ورثة الأنبياء». فقد بيّن ﷺ أن مهمة الأنبياء هي تبليغ العلم، وأن العلماء يتولّون هذه المهمة بعد انتقال النبي. ولذلك يستشهد علماء الأمة—حملة لواء الإسلام—بهذا الحديث لإبراز دورهم في نقل التعاليم الصحيحة للدين. وتكتسب هذه الوظيفة أهميتها من أن لكل علمٍ أهله وخبراءه الذين يُرجع إليهم عند الالتباس.
وكما تفصّل الدراسة المطوّلة، فإن تفسير القرآن أو السنة يقتضي في أحيان كثيرة اختصاصًا راسخًا: إلمامًا بدقائق اللغة العربية، وإحاطةً شاملة بمقاصد الإسلام من خلال مصادره الأصلية. فالفهم الرصين للنصوص ليس عملًا عفويًا، بل ثمرة تأهيل علمي عميق.
واللافت أن التشكيك في الحاجة إلى العلماء يأتي في زمن بلغت فيه حاجتنا إلى الخبرة المتخصصة ذروتها، نظرًا لتعقيدات الحياة الحديثة. فنحن نعتمد اعتمادًا كليًا على الخبراء في تشغيل أجهزتنا، وفي فهم الأنظمة القانونية التي تنظّم حياتنا. ومع ذلك، يسود في بعض البيئات المعاصرة—المتأثرة بنزعة علمانية—تصوّرٌ مفاده أن المعرفة الدينية ليست ضربًا من ضروب الاختصاص. وهذا ليس إلا تحيزًا علمانيًا، يعترف به بعض المفكرين العلمانيين أنفسهم في لحظات الصراحة.
وإذا كان القرآن قد نزل قبل أكثر من ألف عام «بلسان عربي مبين»، فمن البديهي أن يحتاج المسلمون إلى خبراء في العربية الكلاسيكية لفهم رسالته. وإذا أضفنا إلى ذلك التراث العلمي العريق الذي نشأ حول القرآن والسنة عبر قرون طويلة، أدركنا ضرورة وجود متخصصين مكرّسين لهذا التراث، ينقلون إلينا خلاصته ويبيّنون لنا كيف نعيش إسلامنا بصدق في واقعنا المعاصر.
كيف نميّز العلماء الموثوقين؟
يدعو القرآن إلى الرجوع إلى أهل العلم عند الشك والالتباس، قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾، وقد فهم العلماء عبر العصور أن هذه الآية تحثّ على اللجوء إلى أهل الاختصاص عند الجهل أو الحيرة.
غير أن هذا يقتضي منا أيضًا القدرة على التعرّف إلى العلماء الموثوقين، والتمييز بينهم وبين من يدّعي العلم دون أن يشهد له به أهل الاختصاص. فثمة معايير يمكن من خلالها التعرف إلى العالم الراسخ، ويُعدّ هذا التمييز ضرورة لصيانة مجتمعاتنا.
ويثير هذا الأمر كذلك مسؤوليتنا الجماعية في إعداد العلماء، عبر تشجيع الدراسة المنهجية للعلوم الشرعية، وترسيخ مكانة البحث العلمي الشرعي بوصفه ركيزة أساسية لسلامة المجتمع. وينبغي أن يكون هؤلاء العلماء من الرجال والنساء على حد سواء، وأن يمثّلوا أرقى الطاقات في مجتمعاتنا. عندئذ فقط يمكن أن يتكوّن لدينا ذلك الطراز من العلماء الذين نحتاج إليهم حاجة ماسّة: شخصيات فاعلة، قادرة على استنهاض أفضل ما في الأمة، والإسهام في خير المجتمع بأسره.
إن العلماء عنصر لا غنى عنه في أي مشروع للنهضة الإسلامية. ومن خلال إدراكنا العميق لدورهم الحيوي في نموّ مجتمعنا وتطوّره على هديٍ من الإيمان، يستطيع كل واحد منا أن يسهم—ولو بقدر يسير—في إحياء أمة إسلامية نابضة بالحياة، طال احتباس عطائها الحضاري للإنسانية.
