إذا كنت تشعر بالإرهاق أو فقدت بعض الوزن بشكل مفاجئ، قد يرسل لك طبيبك لإجراء اختبار دم.
تعد اختبارات الدم وسيلة شائعة يستخدمها المتخصصون في الرعاية الصحية للكشف عن مجموعة من الحالات الطبية وتشخيصها ومراقبتها.
لكن هل يمكن أن تساعدنا هذه الاختبارات في اكتشاف الحالات الأكثر خطورة مثل السرطان؟ لنستعرض البحث العلمي حول ذلك.
كيف تعمل اختبارات الدم؟
اختبارات الدم هي تقنية مستخدمة في مجال علم الأمراض، وهو دراسة طبيعة المرض وأسبابه.
تقوم اختبارات الدم بتقييم الخلايا والبروتينات والجزيئات الموجودة في الدم. يستخدمها المتخصصون لمراقبة صحة الأعضاء، ومستويات التغذية، ووظيفة الجهاز المناعي، ووجود بعض الالتهابات.
على سبيل المثال، لاختبار فقر الدم، يتم أخذ عينة دم وعدّ عدد خلايا الدم الحمراء فيها. ومثال آخر هو اختبار سكر الدم، الذي يُستخدم لقياس مستويات الجلوكوز لدى مرضى السكري.
ماذا يمكن أن تخبرنا اختبارات الدم عن السرطان؟
حاليًا، لا يمكننا تشخيص معظم أنواع السرطان بشكل موثوق باستخدام اختبار دم واحد. أحد الأسباب الرئيسية هو صعوبة التمييز بين الخلايا السرطانية والخلايا السليمة، خاصة في الأورام المبكرة.
لكن نتائج اختبار الدم يمكن أن تعطينا مؤشرات حول وجود بعض أنواع السرطان في الجسم. كيف يحدث ذلك؟
1. من خلال كشف الشذوذات في الدم
غالبًا ما تتسبب سرطانات الدم في تغييرات واضحة في عدد وأنواع الخلايا في مجرى الدم. يمكننا قياس هذه التغييرات باستخدام عد دم كامل، المعروف أيضًا باسم ""الفحص الشامل للدم"".
يقوم هذا الاختبار بعدّ جميع أنواع الخلايا المختلفة في الدم: خلايا الدم الحمراء، وخلايا الدم البيضاء، والصفائح الدموية، وغيرها. ينشأ سرطان الدم عندما ينتج الجسم كمية غير طبيعية من أي نوع من خلايا الدم، وغالبًا ما تكون خلايا الدم البيضاء، المسؤولة عن مكافحة العدوى، هي المثال الأكثر شيوعًا. لذا، فإن ارتفاع عدد أحد هذه الأنواع من الخلايا أو أكثر قد يشير إلى وجود سرطان دم.
لكن العد الكامل للدم وحده لا يكفي لتشخيص سرطان الدم بشكل قاطع. يجب إجراء اختبارات أخرى لتأكيد ما إذا كانت المشكلة سرطانًا أم مرضًا آخر، مثل أخذ خزعة أو استخدام تقنيات تصويرية كالرنين المغناطيسي، الأشعة المقطعية، أو الأشعة السينية.
2. من خلال تحديد ""علامات الأورام""
يمكننا أيضًا استخدام اختبارات الدم لاكتشاف بروتينات محددة غالبًا ما تنتجها الخلايا السرطانية بكميات أكبر، وتعرف هذه البروتينات باسم ""علامات الأورام"".
مثال على ذلك هو المستضد البروستاتي النوعي، وهو بروتين تنتجه غدة البروستاتا فقط. في الحالة الطبيعية، يوجد في دم الرجل السليم كمية صغيرة منه، بينما في الرجال المصابين بسرطان البروستاتا، غالبًا ما تكون مستويات هذا المستضد مرتفعة بشكل غير طبيعي، ليصبح بذلك بمثابة ""علامة"" لسرطان البروستاتا.
هناك علامات أورام مختلفة تستخدم للكشف عن أنواع أخرى من السرطان، لكن قياسها ليس دليلاً نهائيًا، إذ يمكن أن تتأثر بعوامل أخرى، مثل الإصابات أو الالتهابات في غدة البروستاتا. لذلك قد يجري الطبيب اختبارات إضافية للتأكد من وجود السرطان.
3. من خلال الكشف عن الخلايا الشاذة
بالنسبة لأنواع أخرى من السرطان، يمكن لاختبارات الدم البحث عن الخلايا الورمية المتداولة، وهي خلايا تنفصل عن الورم الأصلي وتدخل مجرى الدم. عادةً ما يحدث هذا في مراحل متقدمة من السرطان بعد أن ينتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم.
لكن هذا النوع من الاختبارات يكون غالبًا تنبؤيًا وليس تشخيصيًا، أي يُستخدم لمراقبة تطور السرطان بعد تشخيصه، وليس لتحديده لأول مرة. لذلك إذا كشف اختبار الدم عن هذه الخلايا، من الأفضل إجراء اختبارات إضافية قبل بدء العلاج.
هل اقتربنا من إنشاء اختبار دم يكشف السرطان؟
للأسف، لم نجد بعد طريقة لاكتشاف السرطان من خلال اختبار دم واحد. إنها مهمة صعبة جدًا، لكن الباحثين يحرزون تقدمًا.
إحدى المجالات الحالية هي دراسة الحمض النووي الورمي المتداول، وهي جزيئات DNA تحمل طفرات تميزها عن الخلايا السليمة ويمكن أن تعطي معلومات عن السرطان الذي جاءت منه.
في تجربة أسترالية عام 2025، قاس الباحثون كمية الحمض النووي الورمي المتداول لدى 441 شخصًا مصابًا بسرطان القولون لتحديد المرضى الذين سيستجيبون للعلاج الكيميائي. وفي دراسة أخرى، راقبوا 940 مريضًا بسرطان الرئة لمعرفة استجابتهم لعلاجات مختلفة باستخدام نفس التقنية.
هناك اختبار يعرف باسم اختبار Galleri حاول الكشف عن أكثر من 50 نوعًا من السرطان في مراحله المبكرة باستخدام الحمض النووي الورمي المتداول، لكنه أثار مخاوف بعض الخبراء حول فعاليته.
كما يجري الباحثون تجربة طرق أخرى، مثل استخدام الدم بدلًا من عينات الأنسجة لتحديد علامات معروفة لسرطان المبايض، أو البحث عن جزيئات أخرى غير البروتينات قد تشير إلى استجابة مرضى سرطان البروستاتا المتقدم للعلاج.
إذن، يبدو أننا ما زلنا بعيدين عن ابتكار اختبار دم موثوق لكشف السرطان، لكن مع الوقت والجهد والبحث العلمي المتقدم، قد يصبح ذلك ممكنًا.
