- تؤدي الأحوال الجوية المتطرفة بالفعل إلى تعطيل عمليات المطارات حول العالم، ما يسبب إغلاقات وتأخيرات وآثارًا اقتصادية لاحقة.
- وأصبحت المرونة التشغيلية اليوم ضرورة استراتيجية لضمان السلامة واستمرارية الربط الجوي والجدوى المالية. ويمكن للمحاكاة والتخطيط القائم على الأنظمة أن يساعدا المطارات على استباق المخاطر والاستثمار بذكاء في إجراءات التكيّف.
- يوفر قطاع الطيران العالمي بوابة حيوية للترابط العالمي، لكنه يواجه تحديات تشغيلية كبيرة نتيجة تأثيرات التغير المناخي. فعلى سبيل المثال، أُغلق مطار سالغادو فيلهو الدولي في بورتو أليغري بالبرازيل لمدة خمسة أشهر خلال عام 2024 بسبب فيضانات غير مسبوقة ناجمة عن أمطار غزيرة للغاية.
وعلى الصعيد العالمي، فإن الأثر المالي لمثل هذه الحوادث ضخم، إذ من المتوقع أن تصل تكاليف إلغاء الرحلات وتحويل مساراتها وإعادة جدولتها، وإغلاق المطارات، وتضرر البنية التحتية، وتعطل الشحن الجوي إلى ما يصل إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2050.
وقد سلطت هذه الاضطرابات المتزايدة الضوء على الحاجة الملحّة لإعداد المطارات وقطاع الطيران بشكل أفضل لمواجهة الطقس المتطرف، من خلال تكييف البنية التحتية الأساسية وتعزيز المرونة التشغيلية.
ومن خلال اتخاذ إجراءات قوية اليوم، يمكن حماية السلامة والربط الجوي والاستدامة الاقتصادية عبر إدارة آثار الظواهر الجوية المتطرفة، مما يؤدي إلى قطاع طيران قادر على التكيف مع المناخ، مدعوم ببنية تحتية معززة وتجربة أفضل للمسافرين.
فهم المخاطر المناخية التي تؤثر على عمليات المطارات
يواجه قطاع الطيران مخاطر مناخية كبيرة في الجو وعلى الأرض، تشمل تأثيرات الحرارة الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، والفيضانات، وارتفاع مستوى سطح البحر، ومشكلات الرؤية، وهي جميعها تمثل تحديات تشغيلية حرجة.
وقد حدد مجتمع “مطارات المستقبل” التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي ستة مجالات رئيسية لمخاطر المناخ على عمليات الطيران. وتشمل ثلاثة في الجو: الاضطرابات الهوائية الصافية، وموجات الحر، وتغير أنماط الرياح؛ وثلاثة على الأرض: ارتفاع مستوى سطح البحر، وفيضانات الأنهار، والهطول المطري الشديد.
وتؤدي هذه المخاطر إلى مجموعة واسعة من التأثيرات، بدءًا من صحة القوى العاملة وسلامة العمليات، وصولًا إلى الجدوى المالية وتضرر صورة القطاع لدى أصحاب المصلحة.
ومع تحرك القطاع لمواجهة هذه التحديات، برزت عقبات رئيسية، منها الحاجة إلى حوكمة واضحة وتنسيق فعّال لإدارة الاضطرابات المناخية عبر الأنظمة المترابطة التي تتجاوز حدود المطار نفسه.
كما تم تسليط الضوء على فجوات في البيانات والأبحاث، حيث يُنظر إلى نقص البيانات الدقيقة الخاصة بقطاع الطيران على أنه عائق أمام تقييم المخاطر المناخية بدقة وإجراء تحليلات مالية مفصلة للمخاطر المستقبلية.
ورغم ذلك، تتيح التطورات التكنولوجية فرصة فريدة لتقديم حلول لهذه التحديات من خلال النمذجة والمحاكاة، عبر إنشاء نماذج لاضطرابات المناخ وأدوات موحدة لتحليل المخاطر.
وتدعم هذه المحاكاة نهج التفكير المنظومي، بما يسمح باستجابة منسقة بين أصحاب المصلحة لمخاطر المناخ وإجراءات التكيّف، مع حوكمة فعّالة لإدارة عمليات المحاكاة وتقييم المخاطر.
كما تُمكّن هذه المحاكاة من اختبار تدابير التكيّف المقترحة والموجهة، بحيث يمكن تخصيصها ودمجها ضمن منظومة أصحاب المصلحة في قطاع الطيران وسلاسل الإمداد الخاصة بهم، بما في ذلك شركات التأمين.
المحاكاة لاستباق اضطرابات المناخ واختبار القدرة على التحمل وإدارتها
تتضمن تقييمات المخاطر المناخية تحليل بيانات الطقس التاريخية وتوقعات تغير المناخ المستقبلية لتحديد المخاطر الرئيسية التي تهدد المطار وكيف يمكن أن تتطور مستقبلاً.
وعادة ما يقيم تحليل المخاطر التغيرات المحتملة تحت سيناريوهات مختلفة لتغير المناخ، تشمل مستويات متفاوتة من تقلبات درجات الحرارة وفترات زمنية مستقبلية متعددة تتماشى مع العمر الافتراضي للأصول المعنية.
ويتم تقييم المخاطر بناءً على طبيعة الخطر، ومدى التعرض، وهشاشة كل أصل ضمن “نظام الأنظمة” الذي يشكل المطار، كما يؤخذ في الاعتبار مدى قدرة المطار الحالية على إدارة هذه المخاطر والاستجابة لها، أي قدرته التكيفية.
فعلى سبيل المثال، قد يشمل ذلك تقييم تأثير ارتفاع درجات الحرارة القصوى على سطح المدرج أو سلامة الركاب، أو تطوير سيناريوهات لأسوأ حالات الفيضانات المحتملة استنادًا إلى بيانات تغير أنماط الأمطار الغزيرة ومخاطر الفيضانات.
ويسمح ربط البيانات المناخية بفهم تفصيلي لعمليات المطار ومواصفات تصميم البنية التحتية الأساسية بتحديد نقاط الضعف المحتملة، ما يساهم في توجيه خطط الاستثمار، وجداول الصيانة، وخطط استمرارية الأعمال.
وقد تم تطوير أداة مبتكرة تقوم بمحاكاة وتقييم التأثير الحالي والمستقبلي لتغير المناخ على المطارات، بهدف تحديد نقاط الضعف في أنشطتها اليومية وعملياتها أمام الكوارث المستقبلية. وبعد تحديد هذه الثغرات، تساعد الأداة في اختيار خيارات التكيّف ذات أعلى عائد على الاستثمار لتعزيز المرونة.
ويستخدم فريق عالمي من العلماء والمخططين والمهندسين هذه الأداة لإنشاء “توأم رقمي” لمطار واحد أو عدة مطارات، بما يشمل المناطق المحيطة والممرات الجوية التي تخدمها.
ثم يتم نمذجة الأنشطة اليومية حتى نهاية القرن الحادي والعشرين، مع الأخذ في الاعتبار نمو حركة الطيران والتغيرات المحتملة في المخاطر مثل الفيضانات، والرياح العاتية، ودرجات الحرارة القصوى، والاضطرابات الجوية، والبرق، واصطدام الطيور وغيرها من التحديات.
وتعتمد الأداة على نمذجة قائمة على الوكلاء، حيث تتم محاكاة مسار المسافرين من منازلهم أو فنادقهم إلى المطار، مرورًا بمواقف السيارات، والتفتيش الأمني، واستخدام المرافق التجارية، وانتظار الرحلات، والصعود إلى الطائرة، والتحرك على المدرج، والإقلاع والهبوط، مع محاكاة مماثلة لتجربة الوصول.
كما تشمل المحاكاة معالجة الأمتعة، واستهلاك الأغذية والمشروبات، وأعمال الصيانة، والعمليات الأرضية. والنتيجة هي تصوير دقيق للغاية لأنشطة المطار يدمج أنظمة متعددة تتجاوز حدود المطار، ويسمح بقياس الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على العمليات وعلى الأداء المالي للمشغلين.
ويمكن لإدارات المطارات، وشركات الطيران، والسلطات المحلية، والجهات الحكومية المعنية بالطيران على المستويات المختلفة، الاستفادة من التقييمات التفصيلية التي توفرها هذه الأداة.
إذ تتيح لهم محاكاة تأثير الأحداث المناخية المختلفة على الأنشطة التشغيلية، وإجراء دراسات للمرونة، واختبار خطط التوسع المستقبلية، وتجربة أساليب جديدة لتوليد الإيرادات.
كما تساعد الأداة على فهم المخاطر المتسلسلة الناتجة عن تغير المناخ، وتحليل الترابطات المعقدة ونقاط ضعفها، بما يمكّن من إجراء اختبارات ضغط فعالة تحت سيناريوهات مناخية محتملة تتضمن أحداثًا مركبة ومتتابعة قد تهدد العمليات واستمرارية الأعمال.
التعاون عبر الأنظمة مفتاح طيران مقاوم للمناخ
تعتمد الوظيفة التشغيلية لقطاع الطيران على مجموعة من الأنظمة المترابطة، وجميعها معرضة لمخاطر المناخ، بدءًا من وسائل النقل الأرضية مثل السكك الحديدية والطرق والمترو التي تُمكّن المسافرين من الوصول إلى المطارات، وصولًا إلى البنية التحتية الحيوية للمرافق والاتصالات التي تدعم التشغيل الآمن.
ويُعد العمل المشترك عبر هذه الأنظمة من خلال تخطيط مستهدف أمرًا أساسيًا لترسيخ المرونة التشغيلية في مواجهة تغير المناخ. فمن خلال تعزيز التعاون القوي داخل القطاع، يمكن تقييم المخاطر والترابطات على مستوى النظام ككل، وتوجيه الاستثمارات نحو إجراءات التكيّف.
كما يمكن للأدوات الناشئة لتقييم المخاطر المناخية والتخطيط التشغيلي أن توفر قاعدة الأدلة اللازمة لبناء مبررات استثمارية قوية لتعزيز المرونة المناخية.
ويُعد التعاون بين أصحاب المصلحة في قطاع الطيران، بما في ذلك الحكومات، والسلطات المدنية، والجهات التنظيمية، وشركات التأمين، أمرًا حاسمًا لتعزيز المرونة بشكل منهجي وتقليل الآثار المادية لتغير المناخ. ولن يقتصر ذلك على خفض التكاليف المباشرة، بل قد يساهم أيضًا في تطوير نماذج تأمين أكثر كفاءة وأقل تكلفة للقطاع.
كما أن إظهار الالتزام بتقييم المخاطر وفهمها والاستثمار في الحد منها يعزز السلامة، ويدعم استمرارية العمليات، ويساعد في الحفاظ على قابلية التأمين لقطاع الطيران في ظل تنامي المخاطر المناخية.
