- تؤثر الأمراض النادرة على مئات الملايين حول العالم، إضافة إلى تأثيرها العميق على أسرهم ومقدّمي الرعاية لهم.
- ويجب ترجمة أول قرار لمنظمة الصحة العالمية بشأن الأمراض النادرة إلى إجراءات صحية ملموسة.
- ويشكّل التشخيص، والعلاجات المبتكرة، وإتاحة الوصول العادل إليها، المحاور الأساسية لرعاية صحية شاملة لمرضى الأمراض النادرة.
- إن مصطلح ""المرض النادر"" قد يكون مضلِّلاً، إذ يحجب وراءه واقع حالات طبية مدمّرة تفرض عبئًا جسديًا ونفسيًا هائلًا على المرضى. لكنه أيضًا مجال يمكن فيه لتكامل قوة العلم والسياسات العامة أن يُحدث تغييرًا دائمًا في حياة المرضى.
عالميًا، يعيش نحو 400 مليون شخص مع أمراض نادرة، من بينهم حوالي 250 مليونًا في آسيا. وقد تم تحديد نحو 10,000 مرض نادر، إلا أن العلاج متوفر لأقل من 10% منها.
ونظرًا لأن معظم الأمراض النادرة ذات أصل وراثي، فإن المرضى غالبًا ما يكونون أطفالًا. وعندما يُصاب طفل بمرض نادر، يمتد الأثر إلى الأسرة بأكملها، ما يشكّل تحديًا هائلًا للوالدين في إدارة تفاصيل الحياة اليومية. وأظهرت إحدى الدراسات أن ما يقارب نصف أولياء الأمور الذين يرعون طفلًا مصابًا بمرض نادر يواجهون صعوبات مالية؛ حيث اضطر 38% منهم إلى تقليص ساعات عملهم، بينما ترك 34% وظائفهم بالكامل. وتسهم هذه العوامل، إلى جانب طول رحلة التشخيص ومحدودية الدعم المتخصص، في معاناة مزمنة وعزلة اجتماعية وتراجع في جودة الحياة.
ورغم ذلك، هناك بصيص أمل؛ فقد أُحرز تقدم ملحوظ بفضل التطورات في البحث والعلاج، وكذلك اعتماد أول قرار بشأن الأمراض النادرة في جمعية الصحة العالمية في مايو من العام الماضي.
لكن لا يزال هناك الكثير الذي ينبغي القيام به لتحويل هذا القرار إلى واقع فعلي — لسد الفجوات الحرجة في معرفة مقدّمي الرعاية الصحية بما يمكّن من تسريع التشخيص، وتوفير دعم شامل، وتعزيز الابتكار في أدوات التشخيص، وآليات التمويل، وضمان الوصول إلى العلاج، بما قد يُحدث تحولًا جذريًا في مشهد الأمراض النادرة ويخفف معاناة المرضى. ويشمل ذلك التنفيذ الحاسم للقرار في آسيا، من خلال الاستفادة من أطر التعاون الإقليمي مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) لتعزيز الالتزام والعمل المشترك.
معضلة التشخيص
رحلة التشخيص التي يمر بها مرضى الأمراض النادرة طويلة وشاقة؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن الأمر قد يستغرق ما يصل إلى خمس سنوات قبل أن يلتقي المريض بطبيب قادر على التعرف إلى المرض وتقديم التشخيص الصحيح. ويعود ذلك جزئيًا إلى أن العديد من الأمراض النادرة تظهر بأعراض غير محددة تشبه أمراضًا أخرى. وتشمل العوامل الأخرى محدودية المعرفة المتخصصة لدى الأطباء، والحاجة إلى فحوصات مكثفة وتحويلات إلى اختصاصيين في مجالات متعددة، وضعف الوصول إلى الفحوصات الجينية، إضافة إلى مشكلات أوسع في أنظمة الرعاية الصحية مثل تشتت البيانات وضعف التواصل المتكامل بين الاختصاصيين.
ولتسريع تشخيص الأمراض النادرة وتبسيط رحلة المريض، يلزم اتباع نهج تعاوني. يجب تدريب العاملين في المجال الصحي تدريبًا شاملًا لاكتشاف الأمراض النادرة مبكرًا وتقليل زمن التشخيص. كما يمكن أن يساعد إنشاء برامج وطنية للأمراض، تتضمن قواعد بيانات سريرية مشتركة وفرقًا متعددة التخصصات، في تعزيز تبادل البيانات والمعرفة الضرورية لفهم واقع الأمراض النادرة والتصدي للتحديات التي يواجهها المرضى.
في كوريا الجنوبية، تم العمل مع الشركاء لإنشاء 28 مركز تميز لمرضى الورم الليفي العصبي من النوع الأول (NF1)، إضافة إلى توفير خدمات التصوير بالرنين المغناطيسي للمرضى الذين كانوا ينتظرون من ستة إلى ثمانية أشهر. ويُعد ذلك خطوة حاسمة في مسار التشخيص والعلاج لتقييم مدى انتشار الأورام الليفية العصبية الضفيرية ومتابعة تطور المرض. ويُعد هذا المرض حالة وراثية نادرة ومتقدمة، تُشخَّص عادة في الطفولة المبكرة، وقد تؤثر في جميع أجهزة الجسم. ويُحتمل أن يُصاب ما يصل إلى 50% من المرضى بنوع من الأورام غير الخبيثة يُعرف بالورم الليفي العصبي الضفيري، والذي قد يؤثر في الدماغ والحبل الشوكي والأعصاب، وقد يتحول إلى ورم خبيث.
ويتطلب تحسين وصول المرضى إلى الرعاية تعاونًا وثيقًا بين الحكومات، والمؤسسات الصحية، والاختصاصيين، وجماعات مناصرة المرضى، لرفع الوعي، وتعزيز التعليم، وتخفيف العبء الذي يتحمله مرضى الأمراض النادرة حاليًا.
آفاق الابتكار
نحو 95% من الأمراض النادرة المحددة حاليًا لا يتوفر لها علاج معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، ما يجعل الابتكار أمرًا ملحًا للغاية. وفي آسيا على وجه الخصوص، نظرًا لكبر عدد المرضى، وصعوبات التشخيص، وتعقيد وتنوع أنظمة الرعاية الصحية — التي لا يزال كثير منها في طور النضج — يصبح الابتكار أكثر إلحاحًا. ورغم تزايد التركيز على العلاج الجيني والخلايا والأبحاث الجينومية، فإن التقدم لا يزال يواجه عوائق بسبب نقص المعرفة بالمرض وفجوات البيانات الناتجة عن قلة أعداد المرضى.
ولمعالجة ذلك، نحن بحاجة إلى منظومة شراكات بين القطاعين العام والخاص، تشمل المرضى منذ البداية لفهم احتياجاتهم غير الملباة والمساعدة في تصميم تجارب سريرية فعالة.
كما يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا؛ إذ يمكنه المساعدة في تحديد أنماط الأمراض ودعم إنشاء مجموعات افتراضية من المرضى في الحالات التي يكون فيها عدد المرضى قليلًا وموزعًا جغرافيًا. وفي آسيا تحديدًا، يُعد تشجيع المشاركة المبكرة في التجارب السريرية العالمية، وجلب العلاجات المبتكرة إلى المنطقة، والاستثمار في منصات العلوم، عناصر حاسمة لتسريع قدرات المنطقة في مجال الأمراض النادرة.
علاجات باهظة… والحاجة إلى وصول عادل
إلى جانب رحلة التشخيص الطويلة ومحدودية المرافق المتخصصة، يواجه مرضى الأمراض النادرة غالبًا تكاليف علاجية باهظة مدى الحياة. في المتوسط، يبلغ سعر الأدوية اليتيمة — المصممة لعلاج الأمراض النادرة — نحو خمسة أضعاف سعر الأدوية غير اليتيمة، نتيجة ارتفاع تكاليف البحث والتطوير، ومحدودية عدد المرضى، والتحديات المرتبطة بتطوير علاجات لهذه الأمراض.
وأظهرت دراسة في تايوان أن الإنفاق على أدوية الأمراض النادرة ارتفع من 13.24 مليون دولار عام 2003 إلى 121.98 مليون دولار عام 2014. ورغم أن هذا الإنفاق يمثل نسبة صغيرة من إجمالي ميزانية الأدوية الوطنية، فإنه يشكل عبئًا غير متناسب ضمن تكاليف الرعاية الصحية التي يتحملها المريض الفرد.
ولضمان وصول مستدام للعلاج، يجب اعتماد نهج تدعمه الحكومات، بما يمكّن المرضى من الاستمرار في تلقي العلاج الذي يحتاجونه طالما كان ذلك ضروريًا.
ولهذا السبب، من الضروري تطوير سياسات وطنية شاملة للأمراض النادرة، وإدخال نماذج تمويل مبتكرة. ويُعد إشراك جماعات مناصرة المرضى أمرًا حيويًا، إذ تقدم خبرات واقعية وتضمن أخذ منظور المريض في الاعتبار. كما أن للصناعة دورًا مهمًا، من خلال توسيع برامج التشخيص المبكر وبرامج دعم المرضى، ودعم صانعي السياسات في صياغة أجندة خاصة بالأمراض النادرة.
إن الأمراض النادرة تمثل تحديًا صحيًا عالميًا لا يمكن إنكاره؛ فهي قادرة على حرمان الأطفال من مستقبلهم، وتفرض أعباء لا تُقاس على الأسر، وتضع ضغطًا هائلًا على أنظمة الرعاية الصحية والمجتمعات. وكل تأخير في التشخيص، وكل عائق أمام الوصول إلى العلاج، وكل فرصة ضائعة للابتكار، يترك أثرًا عميقًا في حياة الملايين.
ومع ذلك، فإن التقدم في علم الجينوم والعلاجات الحديثة، إلى جانب الاستثمار في المنصات العلمية، وتوسيع برامج دعم المرضى، وتعزيز التعاون عبر منظومة الرعاية الصحية، يمنحنا الأدوات اللازمة لتحويل قرار منظمة الصحة العالمية إلى واقع ملموس، وإعادة كتابة هذه القصة نحو مستقبل أكثر عدالة وأملًا.
