- يُعدّ حجم الاقتصاد غير الرسمي في أفريقيا سبباً رئيسياً في أن يبقى جزء كبير من النشاط الإنتاجي خارج نطاق أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على أنماط موثّقة من البيانات.
- غير أن التقدّم الأكثر أهمية بدأ يظهر حينما تعاملت المؤسسات المالية مع البيانات البديلة بوصفها مصدراً أساسياً للذكاء والتحليل.
- كما أن دمج الفاعلين غير الرسميين في المنظومات المالية الرسمية يفتح مسارات جديدة تجعل النشاط الاقتصادي أكثر وضوحاً واتصالاً بالدعم المؤسسي.
يدور أحد أبرز النقاشات اليوم حول ما إذا كانت التطورات في الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة ستُوسّع فرص الوصول إلى الموارد أم ستُكرّس أنماط الإقصاء المتجذّرة في كثير من الاقتصادات. وتكمن أهمية هذا النقاش في أن هذه الابتكارات باتت تتغلغل في معظم مجالات النشاط الإنتاجي، وبسرعة تُضفي عليها طابع الحتمية. غير أن المستفيدين من هذه الأدوات لا يتحددون بمدى تطورها التقني بقدر ما يتحددون بنوعية البيانات التي تتعلم منها، والافتراضات التي تُبنى عليها.
يتجلّى هذا التوتر بوضوح في قطاع الخدمات المالية، الذي قاد خلال العقد الماضي تبنّي التقنيات الناشئة، سواء في واجهاته الأمامية أو عملياته الخلفية. فقد أعادت المؤسسات بناء أنظمتها الأساسية لاستيعاب حجم أكبر من التفاعلات الرقمية، وأتمتت مسارات اتخاذ القرار التي كانت تعتمد سابقاً على المراجعة اليدوية، واستخدمت البيانات السلوكية لتحسين تصميم المنتجات وتقديمها. ونتيجة لذلك، انتقل جزء متزايد من العمليات إلى بيئات تتوسط فيها الخوارزميات تقييم المخاطر، ورصد الأنماط السلوكية، ودعم اكتشاف الاحتيال، وتوجيه التفاعل اللحظي مع العملاء، بما يعزز نموذج وساطة مالية يعتمد بشكل متزايد على التفسير الآلي.
لكن هنا تبدأ القيود في الظهور.
فالكثير من النماذج المدمجة حالياً في الأنظمة المالية دُرّبت أساساً على بيانات الاقتصاد الرسمي، حيث تتوافر السجلات الواضحة، والمعاملات المنظمة، وتدفقات الدخل المنتظمة، والسجلات الائتمانية المهيكلة. وحتى مع تحديث البنية التقنية، تظل آليات تقييم المخاطر قائمة على مؤشرات يُنتجها غالباً أصحاب الأعمال الرسمية والموظفون بأجور ثابتة. والنتيجة هي بنية رقمية تتطور سريعاً من حيث القدرات، لكنها تستمد ذكاءها من قراءة ضيقة للنشاط الاقتصادي.
وعند النظر إلى حجم الاقتصاد غير الرسمي عالمياً، تتضح تداعيات ذلك على الشمول المالي. فهناك نحو ملياري شخص – أي أكثر من 60% من البالغين العاملين في العالم – يكسبون أرزاقهم في بيئات لا يُوثَّق فيها النشاط الاقتصادي بشكل منتظم أو لا يُوثَّق إطلاقاً. وفي البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، يمثل هذا النشاط ما يقرب من ثلث الناتج الإجمالي. وفي الوقت ذاته، كان نحو 1.3 مليار بالغ ما يزالون دون حساب مصرفي رسمي حتى عام 2024.
في أفريقيا جنوب الصحراء، يتسم أكثر من 80% من التوظيف بطابع غير رسمي، ويجري نحو 90% من الإنفاق الاستهلاكي نقداً. ففي كينيا مثلاً، يكسب أكثر من 15 مليون شخص رزقهم من الاقتصاد الريادي غير الرسمي. ويقع ما يقرب من نصف هؤلاء في الفئة العمرية بين 15 و34 عاماً، وتملك النساء نحو 60% من هذه المشاريع غير الرسمية. وتمثل هذه القوة العاملة – التي تشكل 83% من سوق العمل – نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي، وتوظف عدداً من الأشخاص يزيد بخمسة أضعاف عن القطاع الرسمي، كما تخلق فرص عمل بمعدل يفوقه بعشرة أضعاف.
في مثل هذه الظروف، يصبح جزء كبير من الحياة الإنتاجية غير مرئي للأنظمة التي تعتمد على أنماط موثّقة لتحديد المشاركة الاقتصادية. لكن غياب التوثيق لا يعني غياب المعلومات.
فبائعة السوق تعرف زبائنها المنتظمين الذين يسددون ديونهم الصغيرة في نهاية اليوم، لأنها راقبت سلوكهم لسنوات. وسائق الدراجة النارية في كمبالا يقرأ الطلب من حركة المرور قبل شروق الشمس، فيعدل مساره قبل أن تلتقط أي منصة رقمية النمط. وفي مجموعات الادخار المجتمعية، تُقاس الموثوقية من خلال الالتزام الشهري بالمساهمات والتصرف في أوقات الطوارئ. وحتى وكلاء الأموال عبر الهاتف المحمول، الذين يتعاملون مع مئات المعاملات الصغيرة يومياً، يكوّنون فهماً دقيقاً لمن يدير نشاطاً مستقراً ومن يمر بضائقة.
والدرس المستفاد من الاقتصاد غير الرسمي في أفريقيا هو أن الابتكار يجب أن يكون متمحوراً حول الإنسان حتى ينجح. وقد بدأت المؤسسات المالية تدرك ذلك بوضوح أكبر.
أبرز مظاهر التقدم تظهر حين تتعامل المؤسسات مع البيانات البديلة بوصفها مصدراً رئيسياً للتحليل. فالتفاعلات عبر الهاتف المحمول، والمعاملات الصغيرة، وأنماط التداول الكثيفة، ومساهمات مجموعات الادخار، وأنماط الحركة، كلها تُحلل بدرجة متزايدة من التطور. وتعمل هذه الإشارات على إعادة تشكيل نماذج تقييم المخاطر، إذ تقدم فهماً أدق للجدارة الائتمانية وأنماط السيولة، وتتيح اتخاذ قرارات قائمة على أدلة مستمدة من الممارسة الاقتصادية اليومية. وبهذا، يصبح بإمكان البنوك توسيع نطاق خدماتها بشكل أكثر عدالة لتشمل فئات ظلت طويلاً خارج الأسواق الرسمية.
وقد ساهم الانتشار السريع للمنصات الرقمية في التقاط سجلات المعاملات، وأنماط التعبئة، ودورات التوريد، وسلوكيات السداد الدقيقة، في تكوين هويات مالية لها وزن فعلي داخل العمليات المؤسسية. ومع تشكل هذه الهويات، بدأت المؤسسات تطبق أطر إقراض تكيفية وآليات تقييم مجتمعية لتقديم منتجات مثل القروض الصغيرة، التي تساعد رواد الأعمال على تنمية المخزون واستقرار التدفقات النقدية. ويظهر أثر ذلك بوضوح في منظومات البيع بالتجزئة الصغيرة التي تدعم فرص العمل وتثبت دخل الأسر في الأسواق الحضرية وشبه الحضرية.
ويعتمد نجاح هذه النماذج على إدراك متزايد داخل القطاع المالي بأن أياً من المؤسسات لا يستطيع توسيع نطاق الوصول بمفرده، ولذلك أصبحت الشراكات ضمن المنظومات البيئية أمراً محورياً.
وتتزايد هذه الشراكات في أنحاء القارة، حيث تسهم الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، وشبكات الوكلاء، والتعاون مع شركات التكنولوجيا المالية في إدماج الخدمات المصرفية داخل المجتمعات النائية والمحرومة. ففي كينيا، على سبيل المثال، طُوّرت منصة “Wezesha Stock” من خلال تعاون بين بنك محلي وشركة تكنولوجيا مالية، لدعم موزعي السلع الاستهلاكية سريعة التداول وتجار التجزئة الصغار عبر أتمتة تمويل المخزون وتنظيم رأس المال العامل. وكثير من هذه الأعمال يفتقر إلى وثائق رسمية، ومع ذلك يتيح تصميم المنصة لهم الوصول إلى تمويل غير مضمون يحافظ على استقرار المخزون والتدفقات النقدية.
إن دمج الفاعلين غير الرسميين في الأنظمة المالية الرسمية يخلق تدريجياً مسارات تجعل النشاط الاقتصادي أكثر وضوحاً واتصالاً بالدعم المؤسسي. ومع انتقال المزيد من الحياة الاقتصادية في القارة إلى البيئات الرقمية، ستلعب الأنظمة المحيطة بها دوراً حاسماً في رسم ملامح المستقبل الرقمي لأفريقيا.
