القائمة الرئيسية

كيف يمكن تجنّب أزمات الأمن الغذائي في المدن الكبرى بأفريقيا؟

كيف يمكن تجنّب أزمات الأمن الغذائي في المدن الكبرى بأفريقيا؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة المخاطر المتزايدة التي تواجه الأمن الغذائي في المدن الأفريقية الكبرى مع تسارع التحضّر واعتمادها المتنامي على واردات الغذاء، ما يجعلها عرضة لصدمات عالمية في الإمدادات والأسعار قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية خطيرة. وتستعرض هشاشة النظم الغذائية في ظل التغيرات المناخية والتوترات الجيوسياسية، وتقترح تعزيز الجاهزية عبر اختبارات ضغط للنظام التجاري العالمي، وإنشاء مخزونات طوارئ مدروسة، إلى جانب تقوية القدرات الإنتاجية المحلية لضمان إمدادات مستقرة ومستدامة لسكان المدن سريعة النمو.

  • مع تسارع وتيرة التحضّر في أفريقيا، أدى الاعتماد المتزايد على واردات الغذاء إلى ارتفاع درجة التعرّض للصدمات العالمية في الإمدادات والأسعار.
  • كما أن تزامن صدمات متعددة، مثل الأحوال الجوية المتطرفة وعدم الاستقرار السياسي، قد يهدد الإمدادات الغذائية في المدن، ما ينذر بخطر المجاعة والاضطرابات المدنية.
  • ويمكن أن يسهم اختبار سيناريوهات مختلفة بالتعاون مع مورّدي الغذاء العالميين والحكومات والمنظمات متعددة الأطراف في تعزيز الجاهزية والقدرة على الصمود.

قبل أربعين عامًا فقط، كان عدد سكان المدن في أفريقيا جنوب الصحراء يزيد قليلًا عن 100 مليون نسمة؛ أما اليوم، فتقدّر الأمم المتحدة هذا الرقم بـ560 مليون نسمة. ويضمّ القارّة بعض أسرع المناطق الحضرية نموًا في العالم، حيث يتجاوز عدد سكان كل من القاهرة، ولاغوس الكبرى، وكينشاسا، ودار السلام 10 ملايين نسمة، ولا تزال في توسّع مستمر.

كيف يؤثر التحضّر على النظم الغذائية في أفريقيا؟

رغم أن الفقر الحضري قد يكون حادًا، فإن كثيرين ينتقلون إلى المدن بحثًا عن حياة أفضل. ويؤدي تأثير التجمّع السكاني في المدن إلى دفع عجلة النمو الاقتصادي وتوفير وظائف ذات أجور أفضل. كما تحفّز المدن الاستثمار وريادة الأعمال، وهو ما يتجلّى في ثقافات الشركات الناشئة النشطة في مدن مثل أكرا ولاغوس ونيروبي. وتُسهم الكثافة السكانية كذلك في خفض تكاليف تقديم الخدمات العامة مثل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية.

غير أن نمو المدن الأفريقية يؤثر بعمق في النظم الغذائية. فبينما اعتمدت المدن تاريخيًا على الإمدادات الغذائية المحلية، أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الواردات. ورغم أن الإحصاءات لا تتيح فصلًا دقيقًا بين الواردات المتجهة إلى المناطق الحضرية وتلك المتجهة إلى الريف، فإنها تشير إلى زيادات كبيرة في واردات الغذاء إلى أفريقيا الحضرية خلال السنوات الأخيرة.

ويعكس هذا الاتجاه، جزئيًا، صعوبة نقل الغذاء برًا داخل أفريقيا بسبب ضعف البنية التحتية وارتفاع تكاليف النقل. كما لعب تغيّر الأنماط الغذائية دورًا مهمًا؛ إذ تحوّلت الطبقات الوسطى الحضرية عن استهلاك السلع الأساسية المنتجة محليًا. فالخبز والمعكرونة المصنوعان من الأرز والقمح المستوردين يتطلبان وقتًا أقل للتحضير والطهي، ما يجعلهما خيارًا مناسبًا للأسر الحضرية.

وتعكس هذه التحولات القيود التي تفرضها أنماط الحياة الحضرية. فمقارنة بالمناطق الريفية، يمتلك سكان المدن مرافق طهي محدودة ومصادر وقود أعلى تكلفة. كما ترتفع تكلفة الوقت بالنسبة للنساء في المدن. ومن هذا المنظور، تعكس التحولات الغذائية في أفريقيا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة للحياة الحضرية.

ما مدى هشاشة النظم الغذائية في أفريقيا؟

تنطوي تبعية المدن لواردات الغذاء على مخاطر واضحة. فقد أظهرت دراسات عديدة احتمالية تعرّض الإمدادات الغذائية العالمية لاضطرابات كبيرة، على سبيل المثال إذا تزامنت ظروف جوية سيئة في عدة مناطق مع عدم استقرار سياسي أو توترات جيوسياسية تؤثر في التجارة. وإذا ارتبطت صدمة غذائية بصدمة في أسعار الوقود – كما حدث بعد الغزو الروسي لأوكرانيا – فإن ارتفاع تكاليف النقل قد يحدّ أيضًا من تدفّق الإمدادات المحلية إلى المدن.

وفي مثل هذه الظروف، ستتجه الإمدادات المحدودة إلى الأسواق والفئات القادرة على دفع أسعار أعلى. وفي عالم تسوده تفاوتات واسعة ومترابطة، ستتأثر صدمات الإمدادات والأسعار بشكل غير متكافئ، مع كون السكان الحضريين سريعَي النمو في أفريقيا من بين الأكثر عرضة للمخاطر.

ولحسن الحظ، لم نشهد مؤخرًا أزمة جوع حضري واسعة النطاق، لكن عواقبها قد تكون عميقة. فهناك أدوات محدودة للتعامل مع أزمة غذائية في المدن. كما يفتقر الفقراء في المناطق الحضرية إلى شبكات الدعم الاجتماعي غير الرسمية التي قد تحمي الأسر في المناطق الريفية. وإلى جانب المعاناة الفردية، فإن أي اضطراب حاد في الوصول إلى الغذاء في المدن قد يضع ضغوطًا كبيرة على الأنظمة الاجتماعية والسياسية، خاصة في المدن سريعة النمو. وقد تؤدي هذه الضغوط أيضًا إلى زيادة النزوح داخل البلدان وعبر الحدود، بما يحمله ذلك من آثار أوسع على الدول المجاورة والنظام العالمي.

صحيح أن النظام الغذائي العالمي أظهر قدرًا من الصمود أمام صدمات حديثة مثل الجائحة والحرب في أوكرانيا، لكن ذلك ارتبط بظروف زراعية مواتية نسبيًا. وفي حال حدوث ندرة غذائية عالمية حقيقية، يبقى من غير الواضح كيف ستُوزَّع الإمدادات المحدودة بين المناطق في ظل اعتبارات السوق والمصالح الجيوسياسية. وتجربة التهافت العالمي على تخزين لقاحات الجائحة لا تبعث على الاطمئنان.

هل المجتمع الدولي مستعد؟

نرى أن المخاطر حقيقية. فكيف يمكن الحدّ منها؟ تهيمن على تجارة الحبوب العالمية مجموعة صغيرة نسبيًا من الشركات، وهي مؤسسات متطورة قادرة على التعامل مع سيناريوهات مختلفة. لكن هذا يذكّر بما كانت تقوله البنوك في أوائل العقد الأول من الألفية.

من المفيد إيجاد آلية لاختبار قدرة نظام تجارة السلع العالمية على التكيّف مع صدمات كبرى بما يضمن استمرار تدفّق الحبوب إلى المناطق الأكثر هشاشة. ما هي نقاط الاختناق الرئيسية؟ يبدو أن هناك جهودًا موثّقة محدودة لإجراء محاكاة تفصيلية لأزمة غذاء عالمية لتقييم المخاطر التي قد تهدد السكان الحضريين المتزايدين بسرعة في أفريقيا.

ويتطلب تصميم مثل هذه الاختبارات وتنفيذها تنسيقًا بين تجّار الحبوب والحكومات والمؤسسات متعددة الأطراف، بما في ذلك الجهات التي تمثل المناطق المتأثرة. ورغم ضرورة إشراك شركات تجارة الحبوب والحكومات والمنظمات الدولية، فإن تنفيذ ذلك ليس بالأمر السهل، خاصة في ظل تراجع النزعة التعددية وصعوبة إيجاد جهة تتمتع بالسلطة والقدرة على قيادة مثل هذا الجهد.

إلى جانب ذلك، يمكن التفكير في إنشاء مخزونات طوارئ للتدخل، ولكن بشرط تصميمها بعناية فائقة. فقد تؤدي هذه المخزونات دورًا مشابهًا لدور البنوك المركزية في منع حالات الهلع المصرفي. غير أن بناء الهياكل المؤسسية والمصداقية اللازمة لدعم مثل هذا النظام، وتجنب النتائج غير المقصودة، يمثل تحديًا يتطلب مزيدًا من البحث والدراسة.

لحظة تقتضي أفكارًا جديدة

أخيرًا، فإن تعزيز القدرة المحلية للدول على تغذية مدنها الكبرى يمثّل مكسبًا مزدوجًا، إذ يساهم في تحسين سبل العيش في الريف وتعزيز الأمن الغذائي. وهذا جزء أساسي من أجندة التنمية الاقتصادية.

ولا نقدّم هنا مقترحات جديدة، لكن نشير إلى أن قطاع التنمية العالمي يمرّ بلحظة تحوّل حاسمة. فمن المرجح أن تؤدي التخفيضات الأخيرة في المساعدات التنموية إلى عواقب إنسانية خطيرة، ما يزيد من الضغوط القائمة على النظم الغذائية وشبكات الحماية الاجتماعية في العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وتمثل هذه المرحلة تحديًا وفرصة في آن واحد، وهو ما يدركه بالفعل العديد من القادة وصنّاع السياسات في أفريقيا ويعملون على التعامل معه بفعالية.

المصدر

الترجمات ذات الصلة

ترامب في دافوس 2026: «أمريكا عادت» — الاقتصاد، الطاقة، الهجرة… وغرينلاند دون قوة أتيتُ إلى منتدى الاقتصاد العالمي هذا العام ومعي أخبارٌ مذهلة حقًا من أمريكا. فقد صادف أمس الذكرى السنوية... المعايير الدولية: اللغة المشتركة لاقتصاد عالمي مُجزّأ وما يبرزه ذلك لا يخص الصين وحدها، بل يمثل تحدياً عالمياً. فمع سعي الاقتصادات إلى تنفيذ أجندات تحول متشابهة،... موانئ إيجابية للطبيعة والناس: رؤية جريئة جديدة لمستقبل منظومة الموانئ وتتسبب اضطرابات الموانئ المرتبطة بالمناخ حالياً في خسائر تتراوح بين 7 و10 مليارات دولار سنوياً للاقتصاد...

مقالات ذات صلة