- يعيد الجنوب العالمي تشكيل ملامح الذكاء الاصطناعي من خلال إعطاء الأولوية للسياقات الثقافية المحلية بدلاً من هيمنة شركات التكنولوجيا الغربية.
- وتسهم مبادرات جديدة في «تحرير» المشهد الرقمي عبر نماذج ترتكز على اللغة أولاً ودمج أنظمة المعرفة الأصلية.
- كما تعمل الاستثمارات الوطنية في البنية التحتية الحاسوبية العامة والأطر الرقمية على إتاحة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي الناشئة بصورة أكثر ديمقراطية.
ومع استعداد الهند لاستضافة قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي»، إحدى أكبر الفعاليات المعنية بالذكاء الاصطناعي في الجنوب العالمي حتى الآن، فإن الأمر يتجاوز مجرد محطة دبلوماسية؛ إذ يعكس إعادة تفكير أعمق في شكل الذكاء الاصطناعي عندما يُصاغ خارج المنظومة التقليدية التي تهيمن عليها الشركات الغربية الكبرى.
ورغم الفجوة الرقمية التي تضع أجزاء واسعة من العالم في موقع متأخر، ترسم دول الجنوب العالمي مساراتها الخاصة لتطوير الذكاء الاصطناعي، مستندة إلى السياق الثقافي والبنية التحتية الرقمية العامة والابتكار الشامل. وفيما يلي أربعة اتجاهات تجسد هذا التحول:
1. تفكيك إرث الهيمنة في الذكاء الاصطناعي
يبدأ هذا المسار بسؤال جوهري: من يحق له أن يتحدث، ومن يُفترض أن تفهمه الآلات؟ ففي منظومة الذكاء الاصطناعي التي تقودها شركات التكنولوجيا الكبرى، يظل التمثيل اللغوي غير متوازن، حيث تُدرَّب غالبية النماذج اللغوية الكبيرة على اللغة الإنجليزية، مما يعزز هياكل القوة القائمة في الجيل القادم من التكنولوجيا. غير أن موجة من المبادرات المعتمدة على اللغة في دول الجنوب العالمي تقدم بديلاً مختلفاً.
ففي أفريقيا، على سبيل المثال، طوّرت شركة Lelapa AI نموذج InkubaLM، وهو نموذج لغوي صغير يدعم خمس لغات أفريقية هي السواحيلية واليوروبا والإيسيخوسا والهوسا والإيسيزولو، ويتحدث بها أكثر من 350 مليون شخص. وفي بيرو، توفر Huqariq أرشيفات رقمية للغتين الكيتشوا والأيمارا اللتين يتحدث بهما ملايين الأشخاص. كما أنشأت Karya مستودعاً مشابهاً لبيانات الصوت باللغات الهندية.
2. ذكاء اصطناعي مستند إلى الثقافة
إلى جانب اللغة، بدأت أنظمة المعرفة الأصلية تؤثر في طريقة تفكير الذكاء الاصطناعي وحوكمته، مما يتحدى الافتراض القديم بأن المعارف الغربية هي النموذج الوحيد للأنظمة الذكية. ويستفيد مبتكرون في الجنوب العالمي من تقاليدهم الفلسفية ونماذج الحوكمة المجتمعية لتطوير الذكاء الاصطناعي.
في أفريقيا، على سبيل المثال، تدمج مبادرة Masakhane السياق الثقافي والتاريخي للقارة، بما في ذلك القيم المجتمعية مثل «أوبونتو»، في تطوير الذكاء الاصطناعي، لضمان أن تعكس النماذج طرق المعرفة المحلية. وفي الهند، تختبر شركات ناشئة مثل Mokx نماذج مستوحاة من الفيدا، تُضمّن مبادئ من أنظمة المعرفة الهندية في الأطر المنطقية والتفكير الأخلاقي.
3. الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية العامة
لعبت دول في الجنوب العالمي مثل الهند والبرازيل دوراً ريادياً في بناء ركائز البنية التحتية الرقمية العامة، ولا سيما أنظمة الهوية (مثل «آدهار» في الهند) وشبكات المدفوعات الفورية (مثل UPI في الهند وPIX في البرازيل). ومع تطور هذه الأنظمة، يُنظر إلى دمج الذكاء الاصطناعي معها ليس كإضافة اختيارية، بل كركيزة أساسية لبناء القدرات الوطنية وتحقيق السيادة الرقمية في مجال الذكاء الاصطناعي. إذ توفر هذه البنية بيانات عامة، وآليات حوكمة شفافة، ومعايير تقنية مشتركة تجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للتشغيل البيني وموثوقية وارتباطاً بالسياق المحلي.
وقد أتاح هذا الأساس إمكانات جديدة، مثل وكلاء ذكاء اصطناعي عموميين يتفاعلون مع المواطنين لتبسيط إجراءات العمل الحكومي، كالمساعدة في تسريع الموافقات على إعانات المزارعين. وفي الهند، يجري بالفعل دمج الذكاء الاصطناعي مع البنية الرقمية لتعزيز مطابقة الهوية الرقمية. كما طورت شبكة الرعاية الصحية المفتوحة، المعترف بها كمنفعة رقمية عامة من قبل الأمم المتحدة، أدوات ذكاء اصطناعي لتحويل الصوت إلى نص والترجمة اللغوية، مما يساعد الأطباء والممرضين على إنشاء سجلات طبية إلكترونية دون عوائق لغوية. وبالمثل، يتيح «Hello! UPI» مدفوعات صوتية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ما يجعل المعاملات الرقمية أكثر شمولاً للمستخدمين.
4. الذكاء الاصطناعي كمنفعة عامة
لا يزال التوزيع الجغرافي للذكاء الاصطناعي غير متوازن، ويرتبط ذلك إلى حد كبير بتركيز قدرات الحوسبة والرقائق، حيث تتركز الغالبية العظمى منها في الولايات المتحدة (75%) والصين (15%). ويعمل الجنوب العالمي على إعادة التوازن عبر الاستثمار في بنية تحتية حاسوبية خاضعة لحوكمة عامة تقلل من التركّز وتوسّع نطاق الوصول العادل.
في المكسيك، يشمل الاستثمار العام الكبير في الذكاء الاصطناعي تطوير «كواتليكو»، وهو حاسوب فائق وطني بقدرة 314 بيتافلوب ويضم بنية تضم 14,480 وحدة معالجة رسومية. وفي الهند، أطلقت مهمة IndiaAI بالفعل مجمعاً وطنياً مشتركاً للحوسبة يضم أكثر من 34 ألف وحدة معالجة رسومية ممولة حكومياً. وتسهم هذه البنية المشتركة في إضفاء الطابع الديمقراطي على الوصول، من خلال دعم الشركات الناشئة والباحثين والمبتكرين في القطاع العام عبر خفض تكلفة تدريب النماذج المتقدمة وتطوير ذكاء اصطناعي يتلاءم مع السياق الهندي.
ومعاً، تُحفّز منظومات الذكاء الاصطناعي الناشئة في الجنوب العالمي – المرتكزة على التنوع اللغوي، وأنظمة المعرفة الأصلية، والبنية التحتية الرقمية العامة، والحوسبة المشتركة – موجة من ريادة الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمشكّلة وفق القيم والاحتياجات والواقع المعيش المحلي. ففي الهند، تستخدم Bharat Intelligence الذكاء الاصطناعي القائم على الصوت لتنظيم أسواق العمل الريفية باللغات الإقليمية. وفي البرازيل، تستفيد NuBank من نظام المدفوعات الرقمية العامة PIX لتعزيز معالجة المخاطر والكشف عن الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن هذه الاتجاهات تشير إلى إعادة توازن هيكلية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، فإن استمرار الاستثمار في أسس ذكاء اصطناعي شامل يظل ضرورياً لتمكين جميع المناطق – وليس فقط مراكز التكنولوجيا التقليدية – من المساهمة في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي.
