- لا تستطيع الأسواق الناشئة الاختيار بين النمو والاستدامة.
- فمقاييس الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية التقليدية (ESG) كثيراً ما تسيء تقييم هذه الأسواق لأنها تتجاهل مساراتها التنموية.
- ويقدم إطار D-ESG الجديد مقاربة مختلفة، إذ يدمج النمو مع معايير ESG، ويقارن الدول بنظيراتها بصورة عادلة، ويمنح قيمة للتقدم المحقق خلال العقد الماضي.
يشهد الخطاب العالمي حول الاستدامة تحولاً ملحوظاً، غير أن هذا النقاش بالنسبة للأسواق الناشئة يكتنفه توتر فريد من نوعه.
فبينما تتجلى أزمة المناخ في موجات الحر في نيودلهي وأزمات المياه في جاكرتا، تخوض هذه الدول في الوقت ذاته معركة ضد الفقر والركود. ولم يعد نهج “النمو بأي ثمن” خياراً قابلاً للاستمرار، كما أن التركيز الأحادي على حماية البيئة مع تجاهل الواقع الاقتصادي أمر غير ممكن بالقدر نفسه.
في هذا المقال نستعرض سبل ردم هذه الفجوة، استناداً إلى إطار D-ESG الذي طورته آن ميروو، وشايلجا بانغ شاه، وكاتب المقال في معهد الأسواق الناشئة بجامعة كورنيل.
التوتر: البقاء أم الاستدامة
غالباً ما تتجاهل أطر النمو المستدام والمناخ، المصممة أساساً للاقتصادات المتقدمة، الاحتياجات التنموية للأسواق الناشئة. ففي الدول الغنية، يُعدّ إعطاء الأولوية للقضايا البيئية على حساب نمو الناتج المحلي الإجمالي مقايضة مقبولة نسبياً، لأن شرائح واسعة من المجتمع بلغت مستويات معيشية جيدة.
أما في العديد من الأسواق الناشئة، فهذه النظرة يصعب تقبلها، إذ قد تتنافس القضايا البيئية مع الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والماء والملبس والمأوى. فعلى سبيل المثال، هل ينبغي لمدينة مومباي أن تركز على إصلاح نظام نقل مثقل يخدم 10 ملايين راكب؟ أم تعطي الأولوية لمعالجة تلوث الهواء الذي يسبب مشكلات صحية واسعة النطاق؟
الواقع أنها مضطرة للقيام بالأمرين معاً. فالنمو يظل أولوية للأسواق الناشئة، لكنه يجب أن يقترن بمبادئ الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية لضمان تنمية شاملة طويلة الأمد. ومن دون زخم اقتصادي، لن تتوافر الموارد اللازمة لدعم تحسينات ESG.
الفجوة: لماذا تفشل المقاييس التقليدية؟
قد تعاقب نماذج النمو المستدام الحالية الأسواق الناشئة لعدم تلبيتها معايير لا تراعي ظروفها الأولية. فالأطر التقليدية لـ ESG ترتكز غالباً على معايير وُضعت بالاستناد إلى الدول المتقدمة. وتطبيق هذه المعايير على الأسواق الناشئة ينتج عنه تقييمات منحازة لا تأخذ في الحسبان التحديات والفرص الخاصة التي تشكل مساراتها.
كما أن التقييمات الساكنة تحجب رحلة التطور. فالأسواق الناشئة غالباً ما تمر بمسارات نمو غير خطية، تتأثر بالتحولات المؤسسية والصدمات الخارجية. والحكم عليها فقط بناءً على وضعها الحالي يتجاهل التحولات الهيكلية التي حققتها عبر الزمن.
ما المطلوب؟ نهج EMI D-ESG
لمعالجة هذا التفاوت، قدم معهد الأسواق الناشئة إطار D-ESG، مضيفاً حرف “D” الذي يرمز إلى التنمية/النمو الاقتصادي إلى الاختصار التقليدي. ويوفر هذا الإطار خارطة طريق للأسواق الناشئة للتعامل مع مشهد الاستدامة، عبر ثلاثة تحولات أساسية في المنظور:
1. المقارنة بين النظراء
يقارن الإطار الأسواق الناشئة (وتحديداً مجموعة E20+1) بنظيراتها بدلاً من الاقتصادات المتقدمة، ما يضمن أن تكون المتغيرات المستخدمة ملائمة لواقع هذه الدول ويخلق تقييماً أكثر عدلاً للأداء.
2. دمج النمو (D) مع ESG
بدلاً من النظر إلى النمو والاستدامة على أنهما خياران متعارضان، يدمجهما الإطار في منظومة واحدة.
يشمل ركيزة “D” الناتج المحلي الإجمالي، والتجارة، والابتكار، والتوازن المالي. وبما أن الأوضاع الاقتصادية تحدد القدرة على التركيز على ESG، فقد مُنحت ركيزة النمو الاقتصادي وزناً نسبته 30%، بينما تحمل الركائز البيئية والاجتماعية والحوكمة مجتمعة 70%.
3. تقدير التقدم عبر الزمن
يقيس الإطار الأداء الحالي إضافة إلى النمو خلال السنوات العشر الماضية. ومن خلال احتساب متوسط الدرجة الحالية للدولة مع درجة نموها خلال عقد، يكافئ النموذج الدول التي تحقق تحسناً سريعاً، حتى وإن لم تصل أرقامها المطلقة بعد إلى مستويات الدول المتقدمة.
دلالات واقعية
عند تطبيق هذا المنظور على أداء عام 2024، تبرز عدة نقاط مهمة:
تكلفة النمو:
تتصدر الصين الأداء الإجمالي، ويعود ذلك أساساً إلى قوة ركيزة “D” المدعومة بنمو اقتصادي كبير خلال العقود الماضية. غير أن أداءها في الركيزة البيئية أضعف بكثير، ما يبرز الكلفة البيئية الباهظة لتوسعها السريع.
“الخضرة” مع ركود اقتصادي:
في المقابل، تحقق دول في أمريكا اللاتينية مثل المكسيك وكولومبيا والبرازيل أداء جيداً في الركيزة البيئية، لكنها تسجل أداء أضعف في ركيزة النمو الاقتصادي، ما يعكس ضعف الزخم الاقتصادي خلال العقد الماضي.
إيجاد التوازن:
تظهر دول مثل الفلبين وفيتنام أداءً قوياً إجمالاً، لأنها نجحت في الجمع بين أداء اقتصادي متين ونتائج قوية في الركائز البيئية والاجتماعية والحوكمة.
الخلاصة الكبرى
يجب إعادة صياغة التحول الأخضر ليكون جزءاً من أجندتي النمو والاستدامة في آن واحد بالنسبة للأسواق الناشئة. ويُظهر إطار EMI D-ESG أن النمو الاقتصادي ومعايير ESG ليسا مسارين متوازيين، بل بعدين متداخلين بعمق في عملية التنمية.
ومن خلال إدماج التنمية والنمو في أطر الاستدامة، يمكننا تجاوز الأهداف غير الواقعية التي تثبط الاستثمار، والعمل بدلاً من ذلك على بناء منظومة يُعترف فيها بالتقدم، ويُستقطب فيها رأس المال، ويصبح الانتقال إلى مستقبل مستدام ليس أكثر خضرة فحسب، بل أكثر عدالة وسرعة أيضاً.
ومع التطلع إلى المستقبل، ينبغي أن يتطور النقاش كذلك لقياس الحوكمة بصورة أفضل، باعتبارها ركناً أساسياً للنمو المستدام يصعب قياسه، لكنه يظل عاملاً حاسماً للنجاح.
