تستنزف الصحة السيئة نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً، في حين أن الاستثمارات الذكية في الوقاية تحقق عوائد اقتصادية مضاعفة. كما تهدر أنظمة الرعاية الصحية ما بين 20% إلى 30% من إنفاقها على تدخلات غير فعّالة. ولا تمثل هذه الأرقام مجرد إحصاءات نظرية؛ بل تترجم إلى تباطؤ في النمو، وتراجع في القدرة التنافسية، وقِصَر في متوسط الأعمار.
في يناير 2020، ومع ظهور أولى حالات كوفيد-19، قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في دافوس: «الصحة استثمار وليست تكلفة».
وبعد ست سنوات، ونحن نقترب من الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026، أصبحت هذه الرسالة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالتعامل مع الصحة كبند قابل للتقليص لم يعد توجهاً مالياً محافظاً، بل هو قِصَر نظر اقتصادي، وعلى الحكومات حول العالم أن تدرك ذلك.
اقتصاد الصحة الجيدة
إن مبررات الاستثمار في الصحة واضحة ولا تقبل الجدل. والسؤال اليوم لم يعد ما إذا كان ينبغي للحكومات زيادة الإنفاق على الصحة، بل كيف يمكنها الإنفاق بذكاء أكبر. فعلى سبيل المثال، كل دولار يُستثمر في تحصين البالغين يحقق عائداً اقتصادياً يعادل 19 ضعفاً.
كما أن الرعاية الوقائية تحقق عوائد تصل إلى ثمانية أضعاف الاستثمار. ومع ذلك، هناك 48 دولة نامية تنفق حكوماتها على خدمة الديون أكثر مما تنفقه على الرعاية الصحية، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
وفي الوقت نفسه، ستكلف موجات الحر وحدها الاقتصاد العالمي 2.4 تريليون دولار بحلول عام 2030، وهو ما يعادل فقدان 80 مليون وظيفة. كما قد تؤدي مقاومة مضادات الميكروبات إلى تكاليف صحية إضافية تبلغ تريليون دولار بحلول عام 2050. يقف العالم اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث باتت المكاسب الصحية التي تحققت بشق الأنفس – من تطعيم الأطفال إلى صحة الأمهات – مهددة بالتراجع.
هناك أزمتان تتقاطعان: ارتفاع الدين العام الذي يضغط على ميزانيات الصحة، والتأثيرات الصحية الناجمة عن تغير المناخ التي تزيد الطلب على الرعاية. وفي الوقت ذاته، لا تزال العديد من الأنظمة الصحية تعمل في جزر منفصلة، وبنهج تفاعلي قائم على حجم الخدمات، بدلاً من التركيز على القيمة والنتائج.
ومع دخول عام 2026، هناك أربع تحولات جوهرية في طريقة تقديم الرعاية يمكن أن تُحدث أثراً ملموساً في تحسين الرفاه عالمياً.
إعادة تأطير الصحة كبنية تحتية اقتصادية
التحول الأول يتمثل في النظر إلى الصحة باعتبارها محركاً للثروة، لا عبئاً مالياً. فاقتصادات قوية تحتاج إلى قوى عاملة تتمتع بصحة جيدة. والسكان الأصحاء يعززون الإنتاجية والابتكار والاستقرار الاجتماعي.
الدول التي تفشل في الاستثمار في أنظمة صحية مرنة ستشهد تراجعاً في الإنتاجية وتآكلاً في قدرتها التنافسية وتفاقماً في عدم المساواة. أما الدول التي تضع الصحة كمنفعة عامة عالمية وتتحول إلى رعاية قائمة على القيمة، فستتفوق اقتصادياً واجتماعياً.
يجب أن تنتقل الرعاية الصحية من كونها بنداً في جداول المصروفات إلى محفظة استثمارية، مع مؤشرات واضحة للعائد على الاستثمار تُظهر كيف يمكن للوقاية أن تمنع خسائر اقتصادية متسلسلة. هذا ليس طرحاً مثالياً، بل اقتصاد سليم. وهناك بُعد اقتصادي آخر بالغ الأهمية.
تشكل النساء نحو 70% من القوى العاملة في قطاع الصحة والرعاية الاجتماعية، وتُقدَّر قيمة مساهمتهن بنحو 3 تريليونات دولار سنوياً. إضافة إلى ذلك، فإن سد الفجوة الصحية بين الجنسين يمكن أن يعزز الاقتصاد العالمي بما لا يقل عن تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2040. إن الاستثمار في الصحة قرار اقتصادي ذكي وخطوة قوية نحو تحقيق العدالة بين الجنسين.
القضاء على الهدر من خلال الرعاية القائمة على النتائج
التحول الثاني يركز على حقيقة أن قطاع الرعاية الصحية يهدر ما بين 20% إلى 30% من إجمالي إنفاقه. واعتماد نهج قائم على النتائج، يضع رفاه الأفراد في المقام الأول، يمكن أن يعكس هذا الاتجاه عبر تحفيز ما يهم فعلاً: صحة المريض، لا عدد الإجراءات.
تعتمد الإدارة الفعّالة على قياس دقيق ومتين. ويتطلب تحقيق ذلك في مجال الرعاية الصحية تحولاً رقمياً، من خلال بناء بنية تحتية للبيانات الفورية لتتبع النتائج، وتحديد أوجه القصور، ودفع التحسين المستمر.
إن التحول نحو القيمة والنتائج – بدعم من بيانات الصحة الرقمية – يمكن أن يعيد توجيه مليارات الدولارات من الرعاية غير الفعّالة إلى ما يحسّن حياة الناس فعلياً. كما أن النظام الذي يعطي الأولوية للقيمة يكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الصحية والتعافي منها، سواء كانت موجات حر أو أوبئة مقاومة للمضادات الحيوية.
إطلاق الموارد عبر التمويل المبتكر
التحول الثالث يتمثل في تعبئة رؤوس الأموال لتعزيز صمود الأنظمة الصحية، من خلال تخفيف أعباء الديون، والتمويل التنموي، والتكيف المناخي، والشراكات بين القطاعين العام والخاص. وتُظهر الأدلة أن الاستثمارات في الصمود تتفوق على التوقعات التقليدية.
فكل دولار يُستثمر في تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ يحقق أكثر من 10 دولارات من الفوائد الاقتصادية، مع عوائد سنوية متوسطة تتجاوز 20% (وتصل إلى 79% في الخدمات الصحية). ويتطلب تحقيق ذلك التزاماً واستثماراً مستدامين.
تعزيز التعاون العالمي
أخيراً، في عالم تتراجع فيه المساعدات الثنائية وتتعرض فيه الأطر متعددة الأطراف لضغوط، يجب الاعتراف بالصحة كمنفعة عامة عالمية تتطلب تعاوناً متجدداً.
ويتيح المشهد المتغير للصحة العالمية فرصة لاستكشاف نماذج تقديم جديدة ومستدامة، بحيث تحدد الدول أولوياتها وتمولها وتنفذها بنفسها، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل على سياسات عالمية.
يسارع المنتدى إلى توسيع نموذج «مُفعِّل الدول» الخاص به لدفع تحقيق نتائج صحية ملموسة وتوفير في التكاليف. ومن خلال قدرته على الجمع بين الأطراف المختلفة، يمكن للمنتدى تعزيز التعاون وتجاوز الانقسامات التاريخية عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص.
الطريق إلى الأمام
لم تكن المخاطر يوماً أعلى مما هي عليه الآن. فمن دون تحرك حاسم، قد تتعرض عقود من التقدم للانتكاس. ليكن عام 2026 العام الذي ندرك فيه أن صحة المجتمعات هي أثمن أصول العالم — وأن أذكى استثمار يمكننا القيام به هو الاستثمار في الإنسان.
