أصبح الامتناع عن الطعام حديث الساعة عندما يتعلق الأمر بالصحة والعافية. فمن السياسيين إلى نجوم السينما، يكثر الحديث عن الصيام باعتباره وسيلة لتعزيز الصحة الجسدية والنفسية. فمثلًا، يرى رئيس وزراء المملكة المتحدة ريشي سوناك أن الصيام لمدة 36 ساعة أسبوعيًا يمثل «انضباطًا مهمًا»، بينما خاض الممثل كريس هيمسوورث تجربة صيام قاسية لمدة أربعة أيام ضمن سلسلته الوثائقية Limitless في محاولة لاستكشاف تأثيراته على الشيخوخة. كما انتشرت أنماط مثل «صيام دانيال» الذي روّج له الممثل كريس برات، والذي يجمع بين البعد الروحي والفوائد الصحية.
ورغم الزخم الإعلامي حول الصيام المتقطع، فإن الصيام الديني لم يحظَ بالاهتمام نفسه، مع أنه قد يحمل فوائد صحية مماثلة — وربما أكبر — مقارنة بالصيام لأسباب صحية بحتة.
ماذا نعرف عن صيام رمضان والصوم الكبير؟
في عامي 2024 و2025، يتزامن شهر رمضان مع فترة الصوم الكبير لدى المسيحيين. ويُعد رمضان شهر الصيام لدى المسلمين، بينما يمثل الصوم الكبير فترة امتناع لدى كثير من المسيحيين، خاصة في الكنائس الأرثوذكسية.
لكن طبيعة الصيام تختلف بينهما؛ ففي رمضان يمتنع الصائمون عن الطعام والشراب من الفجر حتى الغروب، وهو شكل من الأكل المقيّد بزمن محدد. أما في الصوم الكبير الأرثوذكسي، فيتركز الامتناع غالبًا على تجنب المنتجات الحيوانية والدهون، أكثر من كونه امتناعًا كاملًا عن الطعام.
تشير مراجعات علمية لبيانات من مجتمعات مسلمة وأرثوذكسية إلى أن كلا النوعين من الصيام يرتبطان بانخفاض مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، لكن عبر آليات مختلفة.
ففي رمضان، لوحظ انخفاض واضح في ضغط الدم ووزن الجسم، بينما ارتبط الصوم الكبير بانخفاض مستويات الكوليسترول. ويُحتمل أن يعود انخفاض ضغط الدم في رمضان إلى الامتناع عن الأكل والشرب نهارًا، مما يقلل مستويات الإنسولين ويؤثر في الجهاز العصبي الودي ويخفض حجم الدم.
أما النظام النباتي خلال الصوم الكبير، فيقلل الدهون ويزيد الألياف، وهو ما قد يفسر تحسن مستويات الكوليسترول.
وكما هو متوقع، يرتبط كلا النوعين من الصيام بفقدان الوزن نتيجة انخفاض السعرات الحرارية. لكن هذه الفوائد قد تتراجع إذا صاحَب الإفطار الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالدهون والسكر والملح، لذلك تبقى جودة الغذاء عاملًا حاسمًا.
كيف يمكن توظيف الصيام لتعزيز الصحة؟
تشير الأدلة إلى أن بإمكان المختصين في الرعاية الصحية الاستفادة من البعد الديني لدعم أنماط حياة صحية. فالتعاون مع القادة الدينيين — مثل الأئمة — قبل رمضان مثلًا يمكن أن يساعد في نشر الوعي حول وجبات إفطار صحية ومتوازنة.
كما يمكن استثمار الممارسات الدينية لتعزيز العناية الذاتية، بحيث تتحقق الفوائد الصحية بالتوازي مع النمو الروحي وتعزيز الهوية والانتماء. وقد يشمل ذلك تشجيع الوجبات المجتمعية الصحية خارج فترات الصيام لتعزيز الترابط الاجتماعي.
وتشير أبحاث عديدة إلى أن المتدينين غالبًا ما يحققون نتائج صحية أفضل في تدخلات مثل إدارة الوزن، ربما لأن البرامج المرتبطة بالإيمان تكون أكثر توافقًا ثقافيًا مع معتقداتهم وقيمهم. كما يرتبط التدين غالبًا بارتفاع مستوى ضبط النفس، وهو عامل مهم في تنظيم السلوك الغذائي.
لذلك، فإن مواءمة البرامج الصحية مع الهوية الدينية للناس قد تعزز الالتزام والمشاركة. وقد أظهرت دراسات في الولايات المتحدة مثلًا أن الانتظام في حضور الشعائر الدينية يرتبط بفقدان وزن أكبر.
في النهاية، يمثل رمضان والصوم الكبير فرصة مهمة للتعاون بين القطاع الصحي والمجتمعات الدينية لتطوير مبادرات تراعي الخصوصية الثقافية، مما يسهم في تغيير السلوكيات الصحية بطريقة أكثر استدامة — لأن الناس يكونون أكثر استعدادًا لتبني العادات الإيجابية عندما تنسجم مع قيمهم وإيمانهم.
