أطلقت مجموعة صغيرة من الباحثين والمهندسين في الشهر الماضي سلسلةً من الأجسام العائمة الصغيرة في الماء في مكان ما قبالة ساحل ولاية ماين. وأطلق الفريق عليها اسم “عوّامات”، ولكنها بدت أكثر شبهًا بحزمة من شعيرية الرامين غير المطبوخة والملصقة على شريط أخضر مخصّص للحفلات، بدلًا من أيّ شيء يتعلّق بالملاحة أو مراقبة الطقس. وكان لقناديل البحر الغريبة هذه دور واحد في الحياة، وهو الابتعاد وألَّا تظهر أبدًا مرّة أخرى. ومع قليل من الحظّ سيُطلَق قريبًا ما يخلفها في المحيط المفتوح، إذ ستطفو بعيدًا، وستمتصّ كمية صغيرة من الكربون من الغلاف الجوي، ومن ثم ستغرق في قاع البحر، حيث ستستقرّ بقاياها لآلاف السنين.
إن هذا ليس هو الهدف الوحيد، بل هو أيضًا نموذج العمل. يدّعي فريق العمل لصالح شركة “Running Tide”، وهي شركة ناشئة مقرّها بورتلاند في ولاية ماين، بأنه يمكن إزالة ثاني أكسيد الكربون من المحيطات والغلاف الجوي عن طريق سحر طحالب الكِلب البحرية؛ إذ تعدّ شركة “Running Tide” واحدة من سلسلة من شركات إزالة الكربون التي ظهرت في السوق خلال السنوات القليلة الماضية على أمل إزالة التلوّث الحراريّ من الغلاف الجويّ، وحبسه لعدّة قرون. وتطبّق الشركات الأكثر شهرةً، مثل “Climeworks” في سويسرا أو “Carbon Engineering” في كندا، تقنية الالتقاط الهوائي المباشر، عن طريق استخدام عمليات صناعية شائعة لتنقية الهواء من الكربون. ولكن هذه ليست الطريقة الوحيدة؛ فهناك بعض الشركات التي حاولت تخزين الكربون في الصخر أو الإسمنت، في حين حاولت بعض الشركات الأخرى تسريع عملية تعرية الصخور التي تستغرق عادةً آلاف السنين.
ومن ثم هناك طحالب الكِلب البحرية؛ إذ تنمو هذه الطحالب بسرعة تصل إلى قدمين في اليوم؛ وهو يعني أنها تمتص كمية هائلة من الكربون، من خلال عملية التمثيل الضوئيّ وبعد ذلك يمكن حصاد الطحالب أو التخلّص منها أو السماح لها بالانجراف طبيعيًا إلى قاع المحيط. وقد بدت طحالب الكِلب البحرية وكأنها أداة طبيعية مثالية لامتصاص الكربون من المحيطات والغلاف الجويّ ولكن بدأت بعض الشكوك تساورني، ففكرة أن البشرية ستزيل ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجويّ عن طريق زراعة طحالب الكِلب البحرية تحمل السذاجة نفسها الموجودة في فكرة أنه يمكننا حلّ مشكلة التغيّر المناخي عن طريق زراعة الأشجار، أو العيش في وئام مع الطبيعة.
لذا فقد فوجئت وانتابني السرور عندما التقيت بقادة شركة “Running Tide” في وقت سابق من هذا الشهر. وبغضّ النظر عن حماسهم غير المعتاد تجاه طحالب الكِلب البحرية، فقد تحدّثوا كمهندسين، وهم مدركون لحجم العمل الهائل المتمثّل في إزالة الكربون الذي ينتظرهم. وفي حين أن كثيرًا من العلوم المتعلّقة بشركة “Running Tide” لم تُراجَع بعدُ، إلا أن من الواضح أن الباحثين يفكّرون في حلّ جميع المشكلات الصحيحة بطرق صحيحة -فهم يتعاملون مع إزالة الكربون كمشكلة تتعلّق بالمنظمة، بدلًا من أنها عملية لمرّة واحدة.
قال لي مارتي أودلين، الرئيس التنفيذي لشركة “Running Tide”، إن أساس إزالة الكربون يكمن في “مشكلة نقل الكتلة”. وقد أجاب أودلين عن سؤالي له: “كيف تتمّ هذه الحركة”؟ بأن المشكلة الرئيسة تتمثّل في كيفية نقل مئات الجيجا طن من الكربون التي يطلقها الوقود الأحفوري من “الدورة السريعة”، إذ ينتقل الكربون من الوقود الأحفوري إلى الهواء ثمَّ إلى المواد النباتية، وإلى “الدورة البطيئة”، حيث يبقى محجوزًا في مخزن جيولوجيّ لآلاف السنين. ولدى سؤاله: “ما أكثر الطرق فعاليةً لإنجاز نقل الكتلة هذه”؟ قال: إن لذلك أهميةً كبيرةً جدًا. إذ أعلنت الأمم المتحدة مؤخّرًا أن إزالة الكربون “ضرورية” لمعالجة تغيّر المناخ، ولكن ليست لدينا التقنية اللازمة حتى الآن للقيام بذلك بتكلفة زهيدة وعلى نطاق واسع.
وأسس أودلين الذي ينحدر من عائلة صيادين في ولاية ماين، ودرس علم الروبوتات في الجامعة، شركة “Running Tide” في عام 2017م، بناءً على النظرية التي تفترض أن الماء الذي يغطّي ثلثي سطح الكوكب سيكون ضروريًا لإزالة الكربون. تعتبر العوّامات، في الوقت الحالي على الأقل، الجانب الرئيس لنظام “Running Tide”. وتتكوّن كلّ عوّامة من خشب معاد تدويره، وحجر جيريّ، وشتلات من طحالب الكِلب البحرية، وهي مواد من المفترض أن تعالج مشكلة المناخ بطريقة ما؛ يمثّل الخشب كربون الغابات الذي سيُتخلَّص منه أو يُحرَق بدلًا من ذلك، ويساعد الحجر الجيريّ في عكس حموضة المحيط، والأهم من ذلك أن تنمو هذه الطحالب بسرعة فائقة يجعلها تمتصّ الكربون من اليابسة والبحر. وفي النهاية يفترض أن تتحلّل العوّامة، حيث يذوب الحجر الجيريّ، ويرسب الخشب والطحالب في قعر البحر.
وحسبما قال أودلين فقد ظهرت تفاصيل عوامات “Running Tide” بعد العديد من الجلسات التفكيرية مع الصيادين وعلماء المحيطات وعلماء الأحياء البحرية. وقال: “لقد انتهى بنا المطاف بفكرة العوّامة غير القابلة للاسترداد”. ولكن ماذا يمكن أن يُصنَعَ منها؟ علم أودلين أنه يريد استخدام مواد وفيرة بما يكفي، فيمكن للشركة أن تصنع العديد من العوّامات لامتصاص “جميع الكربون”، إذا لزم الأمر. ووفقًا لقوله، وفي أثناء عملية تبادل الأفكار، فقد أصبح مقتنعًا أيضًا بأنه لا يمكن إطلاق العوّامات في مكان واحد على سطح الكوكب؛ إذ ستكون هذه المخاطرة كبيرةٍ جدًا، فيمكن أن تلحق أضرارًا بالكيمياء الهشّة لإحدى “المناطق الصالحة للحياة”، المهمّة في المحيط، حيث يتركّز التنوّع البيولوجي. ولأن وسائل النقل تستهلك الكربون بكثرة فإن ذلك يعني تقريبًا أن إنتاج العوّامات لا يمكن أن يحدث في مصنع واحد؛ فيجب أن تصنع من موادّ رخيصة ومتداولة، وتحتوي على نسبة معدومة من الكربون، وتتوافر على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم.
“فماذا تبقى؟ يبدو الأمر كما لو أنه لا توجد العديد من الطرق للقيام به بسرعة كبيرة”! وقد أصبحت نفايات الخشب والحجر الجيري وطحالب الكِلب البحرية مواد البناء المفضّلة لشركة “Running Tide”. ويرى أودلين وقادة الشركة أن العوّامات ليست سوى واحدة من منتجاتهم المستقبلية، فهم يفضلون صبّ إنتاجهم كمجموعة من الأنظمة المترابطة التي تزيل الكربون جماعيًا. وقال: “إن هذا أمر صعب للتواصل الخارجيّ، ولكن داخليًا، نحن نحتفظ بجميع الاحتمالات في جميع الأوقات. وما نقوم به الآن هو محاولة الحفاظ على المحيط في منطقة صالحة للحياة”.
يتيح المحيط للشركة، من الناحية النظرية على الأقل، تجاوز بعض أصعب جوانب إزالة الكربون. فتحتاج محطة الالتقاط الهوائيّ المباشر (DAC) إلى تشغيل مراوح ضخمة تشبه أبراج التبريد لسحب الهواء إلى داخل أجهزتها الصناعية. وفي الوقت نفسه تتلاطم الأمواج وتتدفّق في سطح العوّامة لترسّب موادَّ جديدة دائمًا. وبالمثل تنهي محطة الالتقاط الهوائيّ المباشر عملية التنقية عن طريق ضخّ الكربون المستخلص إلى أعماق المحيط. ولا تحتاج شركة “Running Tide” إلى إنفاق الطاقة في هذه العملية؛ فالجاذبية والتيار يحملان ببساطة نفايات الخشب والطحالب إلى قاع المحيط.
اختبرت شركة “Running Tide” الآلاف من عوّاماتها حتى الآن، على الرغم من أنها تقدّر أنها أزالت أقلَّ من 1000 طن من الكربون من الغلاف الجويّ، وستصدِر أكبر منتَجٍ لها حتى الآن في وقتٍ لاحق من هذا العام [يحدّد العام]، قبالة سواحل آيسلندا.
على الرغم من أن خطة شركة “Running Tide” واعدة، إلا أنها ليست مؤكّدة تمامًا. فمن الناحية العلمية تواجه الشركة ما لا يقل عن عقبتين رئيستين، حسبما قاله لي ديفيد هو، وهو أستاذ علم المحيطات في جامعة هاواي. فأولًا، ليس واضحًا ما إذا كان جميع الكربون الذي تمتصّه طحالب الكِلب البحرية يبقى في النبات في أثناء رسوبه في أرضية البحر. وثانيًا، تشير الطريقة المضطربة والمعقّدة التي يتفاعل بها المحيط والبحر أن ليس كلّ الكربون الذي تمتصّه الطحالب يخرج فعليًا من الهواء. وقد توصّلت دراسة أولية حديثة إلى أنه ربما يُزال 40 طنًا فقط من كل 100 طن من الكربون الذي تخزّنه طحالب الكِلب البحرية من الغلاف الجويّ على المدى الطويل. “إنهم يعتقدون أن لديهم طريقةً لمعالجة” تلك المشكلات، ولكنه قال إنه يشك في ذلك.
الأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو كيفية تعامل “Running Tide” مع مشكلة إزالة الكربون؛ لأنها شركة. ففي الوقت الحاليّ تبلغ تكلفة إزالة طنٍّ من الكربون باستخدام تقنيتها 250 دولارًا، وهذه تعتبر الحد الأدنى من أساليب إزالة الكربون الحالية. ولغايات مجتمعية فإن هذا المبلغ ما يزال مرتفعًا جدًا تأملُ وزارة الطاقة في تقليل تكلفة إزالة الكربون إلى أقل من 100 دولار للطن بحلول عام 2030م.
ولكن هذا الرقم البالغ 250 دولار للطنّ يجذب جميع من في شركة “Running Tide”، لكي تتأكّد الشركة من عدم إضافة مزيد من الكربون في الغلاف الجويّ عرضيًا بدلًا من إزالته، ولذلك يجب أن تحافظ الشركة على إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجويّ أو عزله. وهذا يعني أنها تحافظ على سعر الكربون الداخلي للشركة، والذي يساوي تكلفة إزالة الكربون للطن الواحد.
تنتشر الحاجة إلى الحفاظ على تكاليف الكربون منخفضة في جميع أنحاء الشركة، وهذا هو السبب في أن العديد من موظفي شركة “Running Tide” الـ 70 يعملون في آيسلندا، حيث تشير الكهرباء الحرارية الأرضية في البلاد إلى أن تكاليف الكربون المحلية لديهم تكاد تكون صفرًا. ومع ذلك فليس كلّ جزء من سلسلة العمل في الشركة منخفض الكربون بالقدر نفسه؛ فما يزال الأمر يكلّف الشركة 750 دولارًا تُصرف على الكربون لوضع العوّامات على قارب، وإطلاقها قبالة سواحل آيسلندا. ولهذا السبب تتطلّع شركة “Running Tide” إلى شراء وقود حيوي متجدّد من “GoodFuels”، وهي شركة دنماركية ناشئة تبيع وقودًا منخفض الكربون للسفن. ويقول جوردان براينر، وهو رئيس قسم السياسات في شركة “Running Tide”: “إن الحاجة إلى إزالة الكربون من الغلاف الجويّ، أو عزل أكبر كمية منبعثة منه هي “وظيفة إزالة الكربون، كصناعة. وإن كلّ ما نقوم به هو سلسلة إمدادات، والقيمة التي نبيعها هي إزالة أطنان من الكربون. ونحن نتعاون مع الطبيعة لتحقيق ذلك…؛ فإننا نفرّغ الكربون في البحر بدلًا من تفريغ السفن في الميناء”.
وبطريقةٍ ما تكتشف شركة “Running Tide” وغيرها من شركات إزالة الكربون ما يعنيه أخذ الكربون على محمل الجدّ. فما يزال من الممكن جدًا ألَّا تكون طحالب الكِلب البحرية في نهاية المطاف طريقة مجدية لإزالة الكربون من الغلاف الجويّ. ومع ذلك فإن الشركة بمثانة؟؟؟ معاينة للمستقبل الذي يكون فيه “صافي الانبعاثات الصفري” أكثر من مجرد وعود بعيدة المنال للشركات. وأن الأفكار التي تلتزم بها شركة “Running Tide” ستكون ذات أهمية لفترة أطول بكثير مما تفعله العوّمات التي تشبه الرامين.
