القائمة الرئيسية

الكابلات تحت الأرض تقيس نبض الكوكب

الكابلات تحت الأرض تقيس نبض الكوكب
ملخص المقال

يستعرض المقال كيف تحوّلت كابلات الألياف الضوئية — التي تُستخدم أساسًا للاتصالات — إلى أدوات علمية متقدمة لقياس “نبض الأرض”، من خلال تجربة فريق عالم فيزياء الأرض أندرياس فيشتنر من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ الذي زرع كابلًا تحت جليد بركان Grímsvötn لمراقبة نشاطه الزلزالي؛ ويشرح المقال تقنية الاستشعار الصوتي الموزع (DAS) التي تستخدم نبضات الليزر لرصد الاهتزازات على امتداد الكابل بدقة عالية، ما يسمح بمراقبة الزلازل والبراكين والتيارات البحرية وحتى أصوات الحيتان بتكلفة أقل من الأجهزة التقليدية، مع إمكانية استغلال كابلات الاتصالات القائمة في المدن وأعماق البحار، كما يعرض نهجًا أحدث يقوده الفيزيائي جوزيبي مارا قادرًا على العمل لمسافات أطول بكثير، ما يفتح آفاقًا لمراقبة قاع المحيطات والتنبؤ بالتسونامي وفهم المناخ، رغم بعض القيود التقنية، ليخلص إلى أن الألياف الضوئية قد تكشف أخيرًا العمليات الجيولوجية والبيئية الخفية في أكثر مناطق الكوكب صعوبة في الوصول.

بقلم كارولين ويلك

يجرد أندرياس فيشتنر الكابل من الغلاف الواقي، ليكشف عن ليف زجاجي هش أرق من الشعرة يبلغ طوله أربعة كيلومترات على وشك الاندماج مع ألياف أخرى. إنها مهمة تافهة يمكن القيام بها في المختبر، لكن فيشتنر وزميلته سارة كلاسن يقومان بها فوق طبقة جليدية شديدة البرودة في جو عاصف.

وبعد يوم عمل، ربطا ثلاثة أجزاء معًا، مما أدى إلى إنشاء كابل بطول 12.5 كيلومترٍ سيبقى مدفونًا تحت الثلج ليراقب نشاط Grímsvötn، وهو بركان آيسلندي خطير مغطى بالأنهار الجليدية.

وفي أثناء جلوس أعضاء فريق فيشتنر في كوخ على الجليد في وقت لاحق، شاهدوا وميض الهمهمة الزلزالية من البركان الموجود تحتهم عبر شاشة الكمبيوتر: الزلازل صغيرة جدًّا إذ لا يمكن الشعور بها، ولكن تُلتَقَط بسهولة بواسطة الألياف الضوئية. يقول فيشتنر: “كان بإمكاننا رؤيتها تحت أقدامنا مباشرة، وجلسنا لنستشعر نبض قلب البركان”. 

إن فيشتنر، عالم فيزياء الأرض في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، هو أحد كوادر الباحثين الذين يستخدمون الألياف الضوئية لقياس نبض كوكبنا. وعادةً ما تُنَفَّذ هذه العمليات في أماكن نائية، من قمم البراكين إلى أعماق البحار، إذ تكون المراقبة التقليدية مكلفة أو صعبة للغاية. بدأت الألياف الضوئية هناك في السنوات الخمس الماضية في تسليط الضوء على الهزات الزلزالية، وتيارات المحيطات، وحتى سلوكيات الحيوانات.

على سبيل المثال، تقع الطبقة الجليدية لبركان Grímsvötn على بحيرة من المياه المذابة بفعل حرارة البركان. تكشف البيانات الواردة من الكابل الجديد عن أن حقل الجليد العائم يعمل كمكبر صوت طبيعي، إذ يضخم الهزات الصادرة من الأسفل. يقترح هذا العمل طريقة جديدة لمراقبة نشاط البراكين المغطاة بالجليد– وبالتالي التقاط الهزات التي قد تنذر بثورانها.

وتُعرَف التقنية التي يستخدمها فريق فيشتنر باسم الاستشعار الصوتي الموزع، أو DAS. يقول الفيزيائي جوزيبي مارا من المختبر الفيزيائي الوطني في المملكة المتحدة في تدينغتون بإنكلترا: “إنها تقريبًا كرادار موجود في الألياف”. بينما يستخدم الرادار موجات الراديو المنعكسة لتحديد موقع الأشياء، يستخدم الاستشعار الصوتي الموزع الضوء المنعكس للكشف عن أحداث متنوعة، مثل النشاط الزلزالي، وضوضاء الطريق، وتحديد مكان حدوثها.

ويعمل الأمر على النحو التالي: يطلق مصدر ليزر في أحد طرفي الألياف نبضات قصيرة من الضوء. عندما تتحرك النبضة على طول الألياف، يستمر معظم ضوئها للأمام، لكن جزءًا صغيرًا من فوتونات الضوء يصطدم بأوجه خلل جوهرية في الألياف– بقع ذات كثافة غير طبيعية. تتناثر هذه الفوتونات، وينتقل بعضها رجوعًا إلى المصدر، إذ يحلل الكاشف هذا الضوء المنعكس للحصول على تلميحات حول ما حدث عبر الألياف.

وتمتد الألياف الضوئية لنظام الاستشعار الصوتي الموزع عادةً من عدة إلى عشرات الكيلومترات، وتتحرك أو تنثني استجابةً للاضطرابات في البيئة. يقول نيت ليندسي، عالم الأرض والمؤلف المشارك لمقالة عام 2021م حول استخدام الألياف الضوئية لعلم الزلازل في المراجعة السنوية لعلوم الأرض والكواكب: “إنها تهتز مع مرور السيارات ومع حدوث الزلازل ومع تحرك صفائح القشرة الأرضية”. تغير هذه الاهتزازات إشارة الضوء المنعكسة، وتسمح للباحثين باستخلاص معلومات، مثل كيفية ثني الزلزال للكابل عند نقطة معينة.

وعلى سبيل المثال، يلتقط الكابل الضوئي اهتزازات الزلازل على طوله بالكامل. وفي المقابل، ينقل جهاز قياس الزلازل النموذجي المعروف باسم السيزمومتر المعلومات من نقطة واحدة فقط. يقول ليندسي، الذي يعمل في شركة FiberSense، وهي شركة تستخدم شبكات الألياف الضوئية للتطبيقات في المدن: إن نشر أجهزة قياس الزلازل على نطاق واسع قد يكون مكلفًا، كما أنه من الصعب صيانتها.

ويقول ليندسي: إنه بإمكان الاستشعار الصوتي الموزع توفير دقة تبلغ حوالي متر واحد، مما يعني أن أليافًا يبلغ طولها 10 كيلومترات تمثل ما يقرب من 10000 جهاز استشعار. يمكن للباحثين في بعض الأحيان استخدام كابلات الاتصالات الموجودة أو التي أُوقِفَ تشغيلها. عام 2018م على سبيل المثال، حولت مجموعة تضم ليندسي، التي كانت آنذاك في جامعة كاليفورنيا في بيركلي ومختبر لورنس بيركلي الوطني، كابلًا بطول 20 كيلومترًا يديره معهد أبحاث خليج مونتيري للأحياء المائية (MBARI) –والذي يستخدم عادةً لتصوير المرجان والديدان والحيتان– إلى جهاز استشعار صوتي موزع عندما يكون النظام غير متصل بالإنترنت بغرض الصيانة.

ويضيف ليندسي: “من المذهل توفر القدرة على النزول تحت قاع البحر لعشرات الكيلومترات. من الناحية التاريخية، يمكن أن يكلف وضع جهاز استشعار واحد في قاع البحر 10 ملايين دولار”.

وخلال عملية القياس التي استمرت أربعة أيام، رصد الفريق زلزالًا بقوة 3.4 درجة يهز الأرض على بعد حوالي 30 كيلومترًا في مدينة غيلروي بولاية كاليفورنيا. بالنسبة لفريق ليندسي، كانت هذه ضربة حظ. يمكن لعلماء الأرض استخدام الإشارات الزلزالية الصادرة عن الزلازل للتعرف على بنية الأرض التي مر عبرها الزلزال، وسمحت الإشارات الصادرة عن كابل الألياف الضوئية للفريق بتحديد العديد من الفوالق البحرية. يقول ليندسي: “نحن نستخدم هذه الطاقة لإلقاء الضوء بشكل أساسي على بنية فالق سان أندرياس”.

استُخدِمَت تقنية الاستشعار الموزع في البداية في مجال النفط والغاز لمراقبة الآبار والكشف عن الغاز فيها، لكن الباحثين وجدوا مجموعة متنوعة من الاستخدامات الأخرى لهذه التقنية. فبالإضافة إلى الزلازل، سُخِّرَت لمراقبة ضوضاء الطريق والبناء في المدن. يقول فيشتنر: إنه في المدن ذات الكثافة السكانية العالية والتي تعاني من مخاطر زلزالية كبيرة، مثل إسطنبول، يمكن أن يساعد نظام الاستشعار الصوتي الموزع في رسم خريطة للرواسب والصخور الموجودة تحت السطح للكشف عن أكثر المناطق المعرضة للخطر في أثناء حدوث زلزال كبير. كما أفادت دراسة حديثة بالتنصت على أصوات الحيتان باستخدام كابل ضوئي في قاع البحر بالقرب من النرويج.

إلا أن الاستشعار الصوتي الموزع يأتي مع بعض القيود. يُعد الحصول على بيانات جيدة من ألياف يزيد طولها عن 100 كيلومتر أمرًا صعبًا. أوجه الخلل نفسها الموجودة في الكابلات التي تتسبب بتبعثر الضوء –مما ينتج عنه الضوء المنعكس الذي يُقاس– يمكن أن تستنزف الإشارة من المصدر. على مسافة كافية، سيُفقَد النبض الأصلي تمامًا.

ولكن قد توفر طريقة أحدث ذات صلة الإجابة– وربما تسمح للباحثين بالتجسس على قاع البحر غير الخاضع للمراقبة في الغالب، باستخدام الكابلات الموجودة التي تنقل بيانات مليارات رسائل البريد الإلكتروني والاضطرابات المتدفقة.

وعام 2016م، سعى فريق مارا إلى إيجاد طريقة لمقارنة ضبط الوقت في الساعات الذرية فائقة الدقة في أماكن متباعدة في أنحاء أوروبا جميعها. إن الاتصالات عبر الأقمار الصناعية بطيئة للغاية لهذه المهمة، لذلك انتقل الباحثون إلى استخدام الكابلات الضوئية المدفونة بدلًا من ذلك. في البداية، لم ينجح الأمر؛ فقد تسببت الاضطرابات البيئية بحدوث الكثير من الضجيج في الرسائل التي أرسلها الفريق عبر الكابلات. لكن العلماء شعروا بوجود فرصة للنجاح. يقول مارا: “إن هذا الضجيج الذي نريد التخلص منه يحتوي في الواقع على معلومات مثيرة للاهتمام للغاية”.

وباستخدام أحدث الأساليب لقياس تردد موجات الضوء المرتدة على طول كابل الألياف الضوئية، فحص مارا وزملاؤه الضجيج ووجدوا أن تقنيتهم –على غرار الاستشعار الصوتي الموزع– تكشف عن أحداثٍ مثل الزلازل من خلال التغيرات في ترددات الضوء.

وبدلًا من النبضات، فهم يستخدمون شعاعًا مستمرًّا من ضوء الليزر. وعلى خلاف الاستشعار الصوتي الموزع، ينتقل ضوء الليزر للخارج ويعود في حلقة، ثم يقارن الباحثون الضوء بين ما يعود وما أرسلوه. عندما لا توجد اضطرابات في الكابل، تكون هاتان الإشارتان متماثلتين، ولكن إذا تسببت الحرارة أو الاهتزازات في البيئة باضطراب في الكابل، فإن تردد الضوء يتغير.

وبفضل مصدر الضوء المخصص للبحث وقياس كمية كبيرة من الضوء المنبعث في البداية –وليس ما ينعكس فقط– يعمل هذا النهج على مسافات أطول من الاستشعار الصوتي الموزع. عام 2018م، أظهر فريق مارا قدرتهم على اكتشاف الزلازل باستخدام كابلات ألياف ضوئية تحت سطح البحر وتحت الأرض يصل طولها إلى 535 كيلومترًا، وهو ما يتجاوز بكثير الحد الأقصى للاستشعار الصوتي الموزع والذي يبلغ حوالي 100 كيلومتر.

وهذا يوفر طريقة لمراقبة أعماق المحيطات وأنظمة الأرض التي عادةً ما يصعب الوصول إليها ونادرًا ما تُتَتَبَّع باستخدام أجهزة الاستشعار التقليدية. يقول مارا: إنه يمكن لكابل يمتد بالقرب من مركز الزلزال البحري أن يحسن القياسات الزلزالية الأرضية، مما قد يوفر دقائق إضافية للناس للاستعداد لموجة تسونامي واتخاذ القرارات. كما أن القدرة على استشعار التغيرات في ضغط قاع المياه قد تفتح الباب أمام اكتشاف موجات التسونامي بشكل مباشر أيضًا.

وفي أواخر عام 2021م، تمكن أعضاء فريق مارا من استشعار الزلازل عبر المحيط الأطلسي باستخدام كابل ضوئي بطول 5860 كيلومترًا يمتد في قاع المياه بين هاليفاكس في كندا وساوثبورت في إنكلترا. وقد فعلوا ذلك بدقة أكبر بكثير من ذي قبل؛ لأنه في حين اعتمدت القياسات السابقة على الإشارات المتراكمة عبر طول الكابل البحري بأكمله، حلل هذا العمل التغيرات في الضوء من مسافات تمتد لعشرات الكيلومترات بين مكررات تضخيم الإشارة.

ويبدو أن التقلبات في شدة الإشارة الملتقطة على الكابل عبر الأطلسي هي تيارات مد وجزر. يقول مارا: “يُعزَفُ على هذه الكابلات كأوتار غيتار مع ارتفاع التيارات وانخفاضها”. ويضيف أنه في حين تسهُل مراقبة التيارات على السطح، فإن عمليات المراقبة في قاع المياه يمكن أن تحسن فهم جريان المحيطات ودوره في المناخ العالمي.

وحتى الآن، فإن فريق مارا هو الوحيد الذي يستخدم هذه الطريقة. إنه يعمل على تسهيل النشر وتوفير مصادر إضاءة يسهل الوصول إليها.

كما يواصل الباحثون دفع تقنيات الاستشعار القائمة على الألياف الضوئية إلى آفاق جديدة. في وقت سابق من هذا العام، سافر فيشتنر وزميل له إلى غرينلاند، إذ حفر مشروع العينة اللبية الجليدية في شرق غرينلاند بئرًا عميقة في الطبقة الجليدية لإزالة عينة لبية جليدية. بعد ذلك، أنزل فريق فيشتنر كابلًا من الألياف الضوئية يدويًّا لمسافة 1500 متر ورصد سلسلة من الزلازل الجليدية، وهي عبارة عن قعقعة ناتجة عن احتكاك القاعدة الصخرية بالطبقة الجليدية.

ويمكن للزلازل الجليدية أن تشوه الصفائح الجليدية وأن تسهم في تدفقها نحو البحر. لكن الباحثين لم تكن لديهم طريقة قبل الآن للتحقيق في كيفية حدوث ذلك، فالزلازل الجليدية غير مرئية على السطح. ربما ستكشف الألياف الضوئية أخيرًا عملياتها المخفية.

المصدر

 

الترجمات ذات الصلة

الكابلات تحت الأرض تقيس نبض الكوكب يستخدم الجيولوجيون الألياف الضوئية لمراقبة نشاط الزلازل والبراكين وضوضاء الطريق. محطة التل: قصة قصيرة كانوا يقودون السيارة لساعات، وما زالت المدينة في جلبة. كانت هناك أكواخ ومتاجر متلاصقة على جانبي الطريق... النجاح في عالم الكتابة على الجدران: قصة قصيرة تتراقص حبيبات الغبار في الضوء المتسلل عبر نافذة غرفة المعيشة، فيلوّن الأرضية الخشبية القديمة بالأشعة...

مقالات ذات صلة