كنوت هانيس، وبالو بالاجوبال، ومينج تيك كونج، وإنجريد فيلكن، وديفيد آرثر، ومايكل إس. هوبكنز، ونينا كروشفيتز
رغم أنّ العوامل الاقتصادية والسياسية العالمية ربما كانت تُنبئ بغير ذلك، فإن التزامات الشركات بالإدارة المدفوعة بالاستدامة تزداد قوة.
ومع أنّ المؤسسات عمومًا تعزز التزامها، فإن جماعة من المنظمات توسّع التزامها بوتيرة أشد من غيرها، وبرزت فجوة بين قادة استراتيجيات الاستدامة “المتبّنين” وبين المتأخرين “المتردّدين”.
تلك من أبرز النتائج التي أظهرتها الدراسة السنوية الثانية للاستدامة والابتكار بين قادة الشركات العالمية، وهي دراسة مشتركة بين مجموعة بوسطن الاستشارية وسلون مانجمنت ريفيو. كيف تستجيب المنظمات لتحديات وفرص الاستدامة؟ وكيف تتغير شروط المنافسة أو تثبت أمام قضايا الاستدامة؟ وكيف يُعاد تشكيل الممارسات الإدارية الحديثة نتيجة لذلك؟ هذه أسئلة تتناولها الدراسة، من خلال المسح العالمي وسلسلة من المقابلات البحثية المتعمقة مع قادة الفكر والمديرين التنفيذيين، ويحتوي هذا المقال على نتائج الدراسة.
إن اكتشاف نمو واسع في الاستثمارات المتعلقة بالاستدامة يُفسَّر جزئيًّا بنتائج أخرى تشير إلى أنّ الشركات تزداد قناعة بأن الاستدامة ستغدو مصدرًا للأفضلية، ويجب إدراجها استراتيجيًّا في مناحي العمليات التجارية جميعها، وأنها ستستلزم في نهاية المطاف تحوّلًا جذريًّا في سلوك المنافسة. تقول كاتي هاربر؛ مديرة سلسلة الإمداد المستدامة في سيرز كندا، معبّرة عن رأي شائع: “ينبغي لنا أن ندمج الاستدامة، لا كطبقة خارجية، بل في نسيج العمل ذاته”.
ويقول سانتياغو جولاند؛ نائب رئيس العلامة التجارية والمسؤولية المؤسسية العالمية في يونيليفر: “السبيل الوحيد للاستمرار في النمو وتحقيق النجاح هو أن نتعامل مع الاستدامة كرافعة أساسية للأعمال، تمامًا كما نتعامل مع التسويق أو المالية أو الثقافة أو الموارد البشرية أو سلسلة الإمداد. فهي حقًّا جوهر قدرة الشركة على النمو”.
وبينما كشف المسح أنّ معظم الشركات ترى الاستدامة في نهاية المطاف “جوهرية”، فإن اللافت أكثر هو أنّ معسكرًا من الشركات –”المتبنّين”– يتصرفون على أساس أنها بالفعل جوهرية. فبينما يرى “المتردّدون” في الاستدامة وسيلة لإدارة المخاطر وكسب الكفاءة، يرى “المتبنّون” ثمرة الإدارة المدفوعة بالاستدامة في المكاسب غير الملموسة، وتحسين العمليات، والقدرة على الابتكار، والأهم في فرصة النمو. وقد تبيّن أنّ “المتبنّين” هم الأعلى أداءً في الدراسة.
فمن هم “المتبنّون”؟ وما الذي يفعلونه على نحو مختلف؟ بتتبع ما يميّز أفعالهم عن “المتردّدين”، وكيف تثمر تلك الاستراتيجيات، ترسم الدراسة مشهدًا لما قد تكون عليه الإدارة في عالم تدفعه أجندة الاستدامة.
الاستجابة المفاجئة للركود
تساءل كثيرون عمّا إذا كان الركود الاقتصادي سيدفع الاستدامة إلى هامش أجندة الشركات، غير أن نتائج مسحنا تدل على عكس ذلك تمامًا، بل إن عددًا متزايدًا من الشركات اليوم يزيد استثماراته في الاستدامة. ففي حين أشار ٢٥٪ فقط من المشاركين في مسحنا الأول عام ٢٠٠٩م إلى زيادة التزامهم بالاستدامة، ارتفعت النسبة في مسح ٢٠١٠م إلى نحو ٥٩٪. يقول نيك روبينز؛ رئيس مركز التميز لتغير المناخ في بنك HSBC: “على خلاف الركود والأزمات السابقة، لم يضع الناس الاستدامة جانبًا”.
وتزداد الأرقام وضوحًا حين تنظر الشركات إلى المستقبل، إذ يتوقع نحو ٧٠٪ أن تزيد مؤسساتهم استثمارها وإدارتها للاستدامة خلال العام المقبل. ويظهر مسحنا كذلك أنّ الحماس للاستدامة يزداد في جميع القطاعات، لا سيما في السلع الأساسية، والكيماويات، والمنتجات الاستهلاكية، والسلع الصناعية، وشركات التجزئة للآلات، فضلًا عن التكتلات.
ويبدو أن هذا الحماس قد تجاوز الركود، بل وتخطى غياب التقدم نحو اتفاق دولي لمكافحة تغير المناخ. فبالرغم من “فضيحة المناخ” وإخفاق كوبنهاغن، توقع كثيرون تراجع اهتمام الشركات بالاستدامة، إلا أن الشركات ما تزال تطلق برامج استدامة جديدة كل يوم.
يرى هال هاملتون، الذي يشارك في إدارة مختبر الغذاء المستدام العالمي بدعم من كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أنّ هذا الركود الاقتصادي يدفع نحو تحوّل أوسع نطاقًا، فيقول: “إنّ أساليب ممارسة الأعمال التي اعتدنا قبولها أصبحت اليوم محلّ مراجعة”، ويضيف: “سوف نفكّر جميعًا، حتمًا، بصورة أعمق في مسألة المرونة أمام شتى أنواع الصدمات. وأجد في لفظة “المرونة” جمالًا خاصًّا؛ فهي أحيانًا أجدى من لفظة “الاستدامة””.
الخطوات الأولى الشاملة: تقليل الهدر وتعظيم كفاءة الموارد
إنّ الاستدامة، من بعض الوجوه، ليست إلا إعادة صياغة لمناهج تقليدية في التصنيع الرشيق وإدارة المؤسسات بكفاءة. وتقول روبرتا بومان؛ النائب الأول للرئيس والرئيس التنفيذي للاستدامة في شركة “ديوك إنرجي”: “في هذا المناخ الاقتصادي، نجد أعظم الفرص في تحديد مجالات تحقيق الكفاءة في الموارد والتكاليف”. وتجد وجهة نظر بومان صدًى في نتائج استطلاعنا، حيث برز تقليل الهدر وكفاءة الطاقة كأهم الأولويات، إذ ذكر المشاركون أنّ مؤسساتهم تركز حاليًّا على تحسين الكفاءة وتقليل الهدر أكثر من غيرها من الأنشطة.
وفي الواقع، كثيرًا ما يُستعان بهذه “الثمار الدانية” لإثبات جدوى تبنّي استراتيجيات الاستدامة في بادئ الأمر. فقد كانت هذه نقطة انطلاق لشركة “كلوروكس” نحو الاستدامة، إذ تقول بيث سبرينجر؛ النائب التنفيذي للرئيس للعناية الشخصية والدولية في كلوروكس: “لقد قمنا بقياس الأثر ووضع الأسس للمشروعات بحيث يتسنى للناس الإيمان بأهداف تقليص الغازات الدفيئة وتقليل النفايات الصلبة واستهلاك المياه. لقد أصبح الطريق واضحًا أمامهم”.
أما في شركة “جونسون آند جونسون”، فإنّ إدارة الموارد تُعدّ كذلك تدبيرًا لتحسين الكفاءة وتعزيز الربحية. ووفقًا لتقرير الاستدامة لعام 2009م، أنجزت الشركة بين عامي 2005م و2009م أكثر من ستين مشروعًا لتقليل استهلاك الطاقة، استلزمت استثمارات رأسمالية بلغت 187 مليون دولار، وتأمل أن تسهم جميعها في تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 129 ألف طن متري سنويًّا، وتحقق معدّلًا داخليًّا للعائد يقارب 19%. وقد أدّت هذه المشروعات حتى الآن إلى توفير نحو 247 ألف ميغاواط ساعة من الطاقة سنويًّا.
وفي الفترة ذاتها، خفضت “جونسون آند جونسون” النفايات الخطرة وغير الخطرة بنسبة 32%. ويقول آل يانوزي؛ المدير الأول للصحة والسلامة العالمية في الشركة: “لقد كان ذلك أفضل للنتائج المالية، لا سيما فيما يخص تكاليف الطاقة؛ فالنفايات تمثل تكلفة على الشركة… وكلما قلّ ما تخرجه من نفايات، قلّت تكلفة إنتاج المنتج”.
وتدرك الشركات أيضًا منافع تعزيز كفاءة الموارد خارج حدودها لتشمل مورديها. ففي السنوات الخمس المقبلة، تتوقع “وولمارت كندا” أن توفر نحو 140 مليون دولار فقط من خلال تحسين كفاءة الموارد في سلسلة التوريد، بحسب أحد التنفيذيين هناك. ويقول: “إنّ تقليص الهدر من سلسلة التوريد أمر مفيد للأعمال التجارية… ونقدّر أننا سنوفر في العمليات الكندية وحدها ما يقارب 140 مليون دولار بمجرد تقليل الهدر والطاقة والتغليف”.
“المتبنون” و”المتحفظون”: رؤيتان لمبررات الأعمال
ومع أنّ كفاءة الموارد سبيل حسن للبدء في استراتيجية الاستدامة، إلا أنّ تقريرنا يكشف عن اختلاف بيّن بين مجموعتين من الشركات في طريقة دمج الاستدامة في العمليات التجارية؛ فهناك من تقتصر أنشطتها على استثمارات قصيرة الأجل وقابلة للقياس مثل كفاءة الموارد، وهناك من أقامت مبرّرًا تجاريًّا للاستدامة وجعلتها جزءًا دائمًا من جدول أعمالها، وترى أنّها ضرورية للبقاء في ميدان المنافسة. وتختلف فلسفات والتزامات واستراتيجيات وأفعال هاتين المجموعتين -” المؤيّدين ” للاستدامة و”المتحفظون”- في أمور عدّة. المؤيّدين، مثلًا، أدركوا إمكان أن تجلب استراتيجيات الاستدامة زبائن جددًا لسلعهم وخدماتهم، فضلًا عن زيادة الحصة السوقية وهوامش الربح في الأسواق القائمة.
وحينما يتعلق الأمر بالنظرة إلى العلاقة بين الاستدامة والقدرة التنافسية، يزداد تباين المتبنين عن المتحفظين، إذ يرى معظم المتبنين في استراتيجيات الاستدامة وسيلة لاكتساب ميزة تنافسية، بخلاف المتحفظين.
ولا يعني تبنّي الاستدامة بالضرورة أن الشركة تتبنى كل جوانبها؛ فبحسب القطاع وطبيعة النشاط، قد تتبنى الشركة موضوعات محددة ضمن أجندة الاستدامة.
وقد اختلفت آراء القادة الكبار حين سألناهم عن التحديات في تبرير الاستدامة تجاريًّا، إذ يقول بيتر وايت؛ مدير الاستدامة العالمية في “بروكتر آند جامبل”: “لم يطلب مني أحد الحديث عن مبرر الأعمال منذ سنوات؛ فمن وجهة نظرنا، الأمر محسوم ولقد ثبتت جدواه، فلنمضِ قدمًا”.
وعلى النقيض، تشير كيم جوردان؛ مؤسسة “نيو بلجيوم بروينغ”، إلى أنّ أمورًا مثل “الفضول الفكري والحماسة المجتمعية الجمعية” يصعب تقديرها ماليًّا، وتقول: “الأصعب من ذلك هو جانب المستهلك؛ إذ يقول المستهلكون: “هذا مهم جدًّا بالنسبة لي”، لكن حين يحين وقت القرار، وهم واقفون أمام رفوف المنتجات ، تتدخل عوامل كثيرة”.
ومع ذلك، فإن تعليق جوردان، مع تأكيده على صعوبة تحقيق الأرباح من الاستدامة وقياسها بمصطلحات مالية، يكشف عن سمة أخرى مهمة تميز المتبنين المتحمسين عن المتبنين الحذرين. فبينما تكافح الشركات جميعها في تقدير العائد من استثماراتها في الاستدامة، لا يثبط ذلك حماسة المتبنين المتحمسين. وبينما يعمل هؤلاء على تطوير ممارسات القياس التي تعينهم على ربط أنشطتهم في الاستدامة بالنتائج المالية، يظهرون أيضًا خصلة لا توجد لدى المتبنين الحذرين، وهي الاستعداد للإقدام على قفزة إيمانية.
وبالإضافة إلى تميزهم في منهجهم تجاه الاستدامة، يمتاز المتبنون المتحمسون عن المتبنين الحذرين بسمات هيكلية كالحجم والقطاع. فإن المتبنين المتحمسين يوجدون غالبًا بين الشركات الكبرى العالمية أو الإقليمية. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة المتبنين المتحمسين بين الشركات الصغيرة (التي يقل عدد موظفيها عن ألف) من مجيبينا 9%، بينما بلغت نسبتهم بين الشركات التي يزيد عدد موظفيها عن عشرة آلاف 34%.
وكذلك، فإن المتبنين المتحمسين يوجدون غالبًا في الصناعات كثيفة الموارد. فقد أظهر استقصاؤنا أن 23% من المتبنين المتحمسين يعملون في قطاع الخدمات، بينما بلغت نسبتهم في قطاع المنتجات 30%، حيث يشيع أن تجد شركات ترى الاستدامة ضرورة للمنافسة وقد وضعت مبرّرًا تجاريًّا لملاحقة الاستدامة. ويركز المتبنون المتحمسون في قطاع المنتجات تركيزًا أشد على الكفاءة والأنظمة، ويولون البيئة عناية أكبر، وتزيد احتمالية اعتبارهم للعوامل غير الملموسة في استثماراتهم المتعلقة بالاستدامة بنسبة تقارب 25%.
ولعل ذلك غير مستغرب؛ إذ إن الصناعات الثقيلة تخلف أثرًا بيئيًّا أعظم من قطاعات كالإعلام والتقنية والخدمات المالية والرعاية الصحية. كما أن الصناعات الثقيلة تواجه خطرًا تجاريًّا لا تعانيه شركات قطاع الخدمات، وهو فقدان رخصة العمل (أو عدم القدرة على الفوز بعقد من الأصل). أما الشركات في قطاعات كالتعدين وصناعة السيارات والنفط والغاز، فاستثماراتها ضخمة ولا يسعها الانتقال إلى مكان آخر، مما يلزمها بالتفكير طويل الأمد والالتزام بتعريف أوسع للاستدامة من بعض الشركات الأخرى، مع مراعاة حقوق الإنسان والعمال وصحة المجتمع وأمنه. يقول توم ألبانيز؛ المدير التنفيذي لشركة ريو تينتو: “هذا جزء أساسي من الدافع التجاري وراء التنمية المستدامة، إنه رخصة لقاعدتنا من الأصول لكي تعمل”. ويوافقه كلاوس كلاينفيلد؛ المدير التنفيذي لشركة ألكوا، إذ يرى أن دمج الاستدامة في فلسفة الشركة وعملياتها هو، كما ورد في تقرير الاستدامة لعام 2009م، “كسب رخصتنا للعمل في كل يوم”.
والتفكير بعيد المدى أيضًا مما يتبناه أصحاب الشركات الخاصة. خذ على سبيل المثال شركة نيو بلجيوم بروينج التي استثمرت في محطة لمعالجة المياه، وفيها مهضم لا هوائي ومحطة مشتركة لإنتاج الحرارة والطاقة تستعيد الطاقة والميثان وتحولهما إلى طاقة كهربائية. يقول جوردان: “ليس مردودها خلال سنتين أو ثلاث سنوات، بل هو مردود يمتد من ثماني سنوات إلى اثنتي عشرة سنة، بحسب ما يطرأ من رسوم استثمار لمحطة معالجة المياه وقائمة طويلة من التكاليف”.
من هم المتبنون المتحمسون؟
إذا كان المتبنون المتحمسون للاستدامة يميلون إلى أن يكونوا أكبر حجمًا، وفي صناعات أثقل، وفي أسواق نامية، فليست هذه وحدها السمات التي يشتركون فيها، بل الأهم أن المتبنين المتحمسين لا يكتفون بالقول إن استراتيجيات الاستدامة ضرورية للمنافسة، بل يؤمنون كذلك أن هذه الاستراتيجيات تعينهم على اكتساب ميزة تنافسية، بل إن الغالبية العظمى من هذه الشركات ترى نفسها متفوقة على منافسيها؛ إذ صرح 70% من المجيبين بذلك، مقارنة بنحو 53% فقط من المتبنين الحذرين.
والمتبنون المتحمسون يربطون بثقة بين الاستدامة والربحية، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى قدرتهم على زيادة المبيعات عبر تقديم منتجات جديدة يقدرها المستهلكون المهتمون بسلاسل الإمداد الأخلاقية وكفاءة الطاقة. ويرى بيتر وايت؛ مدير الاستدامة العالمي في شركة P&G، أن من هذه المنتجات “ما يمكّن المستهلكين من توفير الطاقة والمال، وما له من فوائد اجتماعية واضحة كالحفاظ على الوقت وتمكين النساء وغير ذلك”، ويجادل بأن تطوير هذه المنتجات وسيلة “لبناء العمل التجاري فعلًا”.
وفي بعض الحالات، أتاح الركود الاقتصادي للشركات فرصة للتركيز على مجالات يمكن للاستدامة أن تمنح فيها ميزة تنافسية. يقول بومان من شركة ديوك إنرجي: “في ظل البيئة الاقتصادية الصعبة التي نعيشها، لا مجال للأنشطة غير الجوهرية للأعمال؛ لذا اضطررنا إلى فرز خدماتنا وبرامجنا المؤسسية، وفصل ما هو جيد فعله عما هو ضروري، وقد منحنا ذلك فرصة لإبراز القيمة التجارية للاستدامة… على مستويات عدة، من السمعة إلى المنتجات والخدمات الجديدة”.
ولم تكن شركة ديوك إنرجي وحدها في هذا الأمر، بل إن المتبنين المتحمسين أكثر احتمالًا بثلاثة أضعاف في الاعتقاد بأن قراراتهم المتعلقة بالاستدامة كانت مربحة. وبينما تتقارب نسبة المتبنين المتحمسين والحذرين الذين يعتقدون أنهم يخسرون المال في استثمارات الاستدامة، فإن نحو 66% من المتبنين المتحمسين يقولون إن أنشطة أو قرارات منظمتهم المتعلقة بالاستدامة زادت أرباحهم، مقارنة بـ23% فقط من المتبنين الحذرين الذين يعتقدون ذلك.
يتصوّر المعتنقون لمبادئ الاستدامة ميزة الاستدامة على نطاق واسع
غير أنّ الربحيّة ليست الدليل الوحيد على الميزة التي تراها الشركات التي تتبنّى الاستدامة جزءًا من أعمالها؛ ففي حين لم يتجاوز المتحفظون في التبنّي حدود النظر في تقليص التكاليف وإدارة المخاطر، فقد أدرك المعتنقون للاستدامة طائفة من المحرّكات التي تدعم استثماراتهم المتعلّقة بالاستدامة. ومن ذلك: زيادة الهوامش أو الحصّة السوقية، وارتفاع إمكانات الابتكار في نماذج أعمالهم وعملياتهم، والوصول إلى أسواق جديدة. وعند الحديث عن الميزة التنافسية، اختار عدد أكبر بكثير من المعتنقين (٣٨٪) هذه الميزة كواحدة من أهم ثلاث منافع جلبتها الاستدامة للمؤسسة (في حين اختارها فقط ٢١٪ من المتحفظين).
وقد أخبرنا قادة الشركات الذين قابلناهم الأمر ذاته، إذ يشير روبينز من بنك HSBC إلى الأسواق المتنامية في مجالات الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، وتقنيات البطاريات؛ وهي قطاعات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأسواق البنك الرئيسة، ممّا يمنح الشركة القدرة على تطوير منتجات تمويلية جديدة. يقول: “عملاؤنا قد بدؤوا بالفعل في الدخول بقوة إلى هذه المجالات، وبعضهم من المجموعات الصناعية الكبرى. لدينا حصة معقولة، ومع تنسيق الاستثمارات يمكننا أن نطالب بحصة أكبر”.
غير أنّ روبينز، بينما يطمح إلى حصة أكبر في سوق المنتجات المستدامة، فإن المعتنقين أمثال HSBC وغيرهم قد شرعوا بالفعل في عدد كبير من الأنشطة المرتبطة بالاستدامة. وبعض هذه الأنشطة لدى HSBC تمثّل تغييرًا جذريًّا لا مجرد تحسين تدريجي. فعلى سبيل المثال، استثمر البنك استثمارًا كبيرًا في شركة “بيتر بليس” التي تزوّد خدمات للسيارات الكهربائية. يقول روبينز: “ذلك استثمار خاص قمنا به، في قطاع يُعدّ محدثًا لتحولات جذرية في النقل، بل وفي أنظمة الطاقة الأوسع”.
وفي حين يركّز المتحفظون على الكفاءة، وتخفيف المخاطر، والامتثال التنظيمي، يصرّح المعتنقون بأنهم منخرطون في طيف من الأنشطة، منها تحليل الاستدامة. ويقول المعتنقون إنهم يحلّلون المخاطر المرتبطة بعدم معالجة قضايا الاستدامة معالجة كاملة، ويقيّمون كذلك توقعات المستثمرين وأصحاب المصلحة الآخرين بشأن قضايا الاستدامة، بإدراج هذه القضايا ضمن تخطيط السيناريوهات والتحليل الاستراتيجي.
ويجعل المعتنقون النظر في القضايا البيئية في صميم منهجهم نحو الاستدامة (وهم أكثر ميلًا إلى ذلك من المتحفظين). ومع ذلك، أفادنا القادة بأن طريقة إدراجهم القضايا البيئية ضمن استراتيجيات الأعمال قد تغيّرت.
ففي البدء، هم يبتعدون عن الاعتماد على المتخصصين لإدارتها. وقد اتخذت وولمارت كندا هذا النهج حين أسست اثنتي عشرة شبكة قيمة مستدامة عبر أعمالها شملت كل شيء من تقليص النفايات والطاقة إلى المنتجات المستدامة وسلاسل التوريد. وكان يقود كل واحدة منها رجل أعمال وليس خبيرًا بيئيًّا، فصار الأمر جزءًا من العمل نفسه.
وتحوُّل طلب المستهلكين إلى سببٌ آخر لهذا التغيير في التعامل مع القضايا البيئية. يقول مايك بيدرسن؛ رئيس إدارة الثروات في بنك TD: “نحن منظمة محورها العميل… وبدأنا نلاحظ في أبحاث العملاء أن قضية مثل البيئة أصبحت أكثر أهمية بكثير، وذلك أحد الأمور التي دفعتنا إلى هذا المسار”.
إدارة التغيير على منحنى التبنّي
غالبًا ما يكون موضع الصعوبة لدى الشركات في جعل الاستدامة جزءًا لا يتجزأ من الأعمال ليس الجانب الفني، بل البعد الإنساني في إدارتها؛ فعندما أدخل بنك TD سياسة الاستدامة، يقول بيدرسن، كانت كثير من القضايا جديدة على لجنة المخاطر ومجلس الإدارة، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى قلة الألفة مع القضايا البيئية، وهو ما تغيّر في السنوات الأخيرة، يقول: “أدركت أنني أشارك في رفع مستوى الوعي البيئي الجماعي لمجلس الإدارة، وصرت أرى… إشارات الفهم تظهر والناس يدركون ماهية القضايا”.
ومنذ ذلك الحين، بذلت الشركة جهودًا لجلب مزيد من الموظفين للمشاركة في تعميم الفهم لكل شيء من أسواق الطاقة إلى تفضيلات العملاء. يقول بيدرسن: “أشركنا جميع المعنيين الداخليين، من الموظفين والإدارة والإدارة العليا والتنفيذيين. إذ لفهم معنى الحياد الكربوني، لا بد من فهم أسواق الكربون، وديناميكيات الطاقة، وما الذي يعنيه ذلك للعملاء، وغير ذلك”.
وتشير إجابات استطلاعنا إلى أن استراتيجيات مماثلة يُعمل بها بين المعتنقين. فلدفع الاستدامة داخليًّا؛ يعيّن المعتنقون مديرين في أدوار مخصصة للاستدامة، ويعتمدون على قادة الخطوط الأمامية والموظفين غير القياديين أكثر من غيرهم من الشركات. وبينما تحدد فرق الإدارة العليا استراتيجية المؤسسة ككل، فإن التنفيذيين المعنيين بالاستدامة يتراوحون بين رؤساء الاستدامة أو المديرين في وحدات مخصصة، وبين مديري وظائف معينة مثل إدارة سلسلة التوريد أو وحدات تركز على عروض أو عملاء بعينهم.
في الحقيقة، إنّ القيادة العليا تُعدّ، عند كلٍّ من المبادرين والمتحفّظين على حدّ سواء، أكثر العوامل تأثيرًا في توجيه اهتمام المؤسسة نحو الاستدامة، إلا أنّ العملاء يأتون في المرتبة التالية من حيث الأهمية في هذا السياق. وأمّا شركة “يونيليفر”، فإنّ تغيّر طلبات المستهلكين يدفع عجلة الابتكار فيها. يقول “غولاند” من يونيليفر: “إنّ المستهلكين يزداد توافقهم مع بعض الرسائل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تحملها العلامات التجارية، ويرغبون في اقتناء علامات تجارية تعود بالنفع عليهم وعلى غيرهم أيضًا”.
ومن الجدير بالذكر أنّ المبادرين، وإن بدوا أكثر تقدّمًا في تناولهم لقضايا الاستدامة –إذ يقدّمون مبرّرات تجارية أقوى لها، ويدمجون استراتيجيات الاستدامة في كلّ شيء، من المشتريات وإدارة سلسلة الإمداد إلى التسويق وبناء العلامة التجارية– إلا أنّهم يقرّون بأنهم يواجهون من الصعوبات في مجابهة تحديات الاستدامة مثلما يواجه المتحفّظون. ومن تلك الصعوبات: صعوبة توقّع قيمة استجابة العملاء للاستراتيجيات المتعلقة بالاستدامة، والتحدّي في قياس مؤشرات شاملة لتأثيرات عمليات مؤسساتهم المرتبطة بالاستدامة، وصعوبة تقدير واحتساب آثار استراتيجيات الاستدامة على سمعة العلامة التجارية أو الشركة أو العروض المقدّمة للمستهلكين.
وهنالك أمورٌ أشدّ عسرًا في القياس من غيرها. يقول “بيتر غراف” رئيس الاستدامة في شركة SAP: “إنّ أقوى المبرّرات التجارية التي شهدناها كانت في مجال تقليل استهلاك الطاقة، إذ يمكن قياس المدّخرات بسهولة، وإبلاغها بمصداقية”. ويضيف: “وذلك أيسر بكثير من محاولة تقدير الأثر الإيجابي لمنتج أكثر استدامة على أرقام المبيعات، أو قيمة العلامة التجارية التي تصنعها مبادرة اجتماعية في دولة نامية”. ويوافقه “بوومان” من شركة “ديوك إنرجي” الرأي، إذ يقول: “إنّ ما أواجهه أنا وفريق الإدارة يوميًّا هو محاولة إضفاء قيمة حقيقية لبعض التكاليف غير الملموسة في الأعمال، والتي قد لا تحظى بتقدير المجتمع المالي”.
العالم يميل نحو المتبنّين
إنّ الضغوط الخارجية التي تدفع نحو تبنّي الإدارة القائمة على الاستدامة –وهي الضغوط التي بدأ المبادرون بالفعل بملاحظتها واتخاذ إجراءات بشأنها– آخذة في الازدياد. فأوّلًا، للسياسات العامة أثرها، إذ تواصل الحكومات سعيها نحو تقليص الانبعاثات الكربونية وتحقيق أهداف أخرى. ورغم أنّ كثيرًا من التشريعات تظلّ على المستوى الوطني أو المحلي، فإنّ الطابع العالمي للأعمال يعني أنّ القوانين المحلية قد يكون لها أثر واسع النطاق؛ ففي أوروبا مثلًا، التشريعات التي تلزم منتجي الأجهزة الإلكترونية بإعادة تدوير منتجاتهم في نهاية عمرها لا تؤثر فقط على الشركات الأوروبية، بل على كلّ شركة ترغب في دخول هذا السوق، إذ ينبغي أن تكون ملتزمة بتلك القوانين.
ثانيًا، بدأ المستثمرون المؤسسيون وصناديق التقاعد ينظرون إلى استثماراتهم من منظور الاستدامة. فمشروع الإفصاح الكربوني، الذي يدفع الشركات إلى الكشف عن مخاطر تغيّر المناخ ذات الصلة، يمثّل الآن مستثمرين يديرون نحو 64 تريليون دولار. وقد يصبح الوصول إلى التمويل اعتبارًا مهمًّا في المستقبل، إذ بدأت بعض المصارف في تقديم قروض مرتبطة بالاستدامة، بل حتى شركات الاستثمار الخاص بدأت تأخذ في الحسبان مخاطر وفرص الاستدامة في صفقات الاستحواذ المحتملة. وفي الوقت ذاته، ومع ازدياد التدقيق في طلبات رأس المال، باتت الاستدامة عاملًا في قرارات الإقراض.
ثالثًا، الموظفون يدفعون بالأجندة إلى الأمام. فالمتقدمون للوظائف يضعون أصحاب العمل المحتملين تحت مزيد من التدقيق فيما يتعلّق بسجلاتهم في مجال الاستدامة، ورغم أن ذلك لا يعلو على الأجر والمزايا، إلا أنّ مؤهلات الاستدامة باتت تؤثر بشكل متزايد في قرارات طالبي العمل.
وكما أظهر استقصاؤنا، فإنّ العملاء أيضًا قوة مؤثرة في رسم ملامح المشهد التجاري الجديد. وقد لاحظ “بيتر وايت” مدير الاستدامة العالمية في “بروكتر آند غامبل” هذا الأمر لأول مرة في عام 2006م، إذ قال: “لقد كان ذلك نقطة تحوّل؛ فقد طلب منا العملاء للمرة الأولى منتجات أكثر استدامة… وعندها وضعنا استراتيجية جديدة للاستدامة”. وقد شهدت “وولمارت كندا” تصاعد اهتمام المستهلكين بذلك بين مجتمع الأعمال والجمهور العام وقاعدة عملائها.
وهناك اتجاهات كبرى أخرى تعزز هذا التوجه، مثل الميل نحو المنتجات الخضراء والمساءلة، وهي تدعم إدماج الاستدامة في العمليات التجارية. فازدياد الطلب على المنتجات الخضراء، كالأجهزة الموفرة للطاقة، والقروض العقارية الخضراء، والمركبات الهجينة، يسهم في توجيه تطوير الشركات لمنتجات وخدمات جديدة، وكذلك الطلب على المنتجات العضوية والصحية. أما عصر المساءلة الجديد، فيعني أنّ قياس أثر الشركات البيئي والاجتماعي والإبلاغ عنه سيحظى بمكانة أوفر.
الحذرون من المتبنين يسعون للحاق بالركب
وإن كان المتبنّون الأوائل قد أدركوا كثيرًا من هذه الحقائق، فإن الأمر نفسه ينطبق اليوم على عدد متزايد من المتبنّين الحذرين. وتشير نتائج الاستقصاء إلى أن هؤلاء بدأوا يوقنون بأن موقع المتبنّين الأوائل هو الاتجاه الذي يسير نحوه العالم، وأن سلوكياتهم توفّر نموذجًا أوليًّا لكيفية تطوّر الممارسات الإدارية والاستراتيجية في المؤسسات.
ومن الشواهد على ذلك ما ظهر في إجابات سؤال: هل اتباع استراتيجيات متعلقة بالاستدامة أمر لازم للتنافسية؟ فقد أجابت بعض الصناعات بـ”نعم”، فيما أجابت أخرى كثيرة بـ”لا”. وتفاوتت النسب تفاوتًا واسعًا، من 80% “نعم” في صناعة السيارات إلى 29% فقط في الإعلام والترفيه. غير أنه إذا أضفنا أولئك المديرين الذين أجابوا بـ”لا، ولكن سيكون كذلك في المستقبل”، تضيق الفجوات في القطاعات جميعها، لا سيما في الصناعات المتأخرة حاليًّا، حيث صرّح 88% من المستجيبين بأن الاستراتيجيات المدفوعة بالاستدامة ستغدو ضرورية للتنافسية -إن لم يكن الآن- فعمّا قريب.
أما النتيجة الثانية فتعيدنا إلى مسألة الزيادة المخططة في الاهتمام الإداري المتعلق بالاستدامة والاستثمار فيها. فالرواد من المتبنين يتقدمون هنا تقدّمًا ملحوظًا، إذ صرّح 87% منهم بزيادة إنفاقهم في سنة 2010م، وتوقع 88% منهم زيادة الإنفاق في سنة 2011م.
ومع ذلك، فإن الأمر اللافت أن المتبنين الحذرين قد أدركوا كيف أن أجندة الاستدامة تتغير، فهم الآن يسعون للحاق بمن سبقهم.
فمن سنة 2010م إلى سنة 2011م، ارتفعت نسبة الحذرين الذين يخططون لزيادة إنفاقهم على الاستدامة بمقدار 24%، في حين بقيت أرقام المتبنين الرواد مرتفعة ولكن دون زيادة؛ ففي عام 2010م، قال 51% من المتبنين الحذرين إنهم زادوا استثماراتهم في الاستدامة، مقارنة بـ63% قالوا إنهم سيزيدونها في عام 2011م. وإن التزام الحذرين يزداد بمعدل يفوق بكثير التزام المتبنين الرواد.
وتدل هذه الاتجاهات على أن معظم الشركات -سواء أكانت من المتبنين الرواد أم لم تكن- تتطلع إلى عالم تصبح فيه الاستدامة جزءًا أصيلًا، إن لم يكن لازمًا، من الاستراتيجية التجارية. وأولئك الذين لم يجعلوا الاستدامة بعد في صميم أعمالهم، يخططون لذلك في المستقبل القريب. وتوافق كايتي هاربر؛ مديرة سلاسل الإمداد المستدامة في سيرز كندا، على هذا التحليل، فتقول: “يبدو أن حتى أولئك الذين لا يفعلون شيئًا يُذكر الآن، بدؤوا يدركون أن هذا أمر لا بد أن يفكروا فيه”، وتضيف: “هذا جزء من مجرى الأمور الآن”.
اتباع القادة (كيف تفعل ما يفعله المتبنون الرواد؟)
ليس من العجب أن معظم الشركات (إلا 3.5% من المشاركين الذين عُدّوا من المشككين الحقيقيين بالاستدامة) يعتقدون أن الاستدامة ستكون ضرورية للتنافسية في المستقبل، ويرون ضرورة الإسراع في تبني الإدارة المدفوعة بالاستدامة، ولكن ما معنى ذلك تحديدًا؟ وكيف يمكن تحقيقه؟ وما هي التكتيكات والاستراتيجيات ذات الأثر الكبير التي من شأنها تحويل طريقة تنافس المؤسسة في مجال الاستدامة؟
تشير دراستنا إلى أن سلوكيات المتبنين الرواد وتجاربهم قد تقدم نقطة انطلاق؛ فإذا كان المتبنون الرواد في طليعة الركب ويقدمون صورة لما ستؤول إليه الإدارة مع توجه الأعمال إلى الاستدامة لتحقيق ميزة تنافسية، فإنهم يجسدون الخطوات الأولية التي يمكن لأي شركة أن تسلكها في هذا الطريق أيضًا. فما الذي يفعله المتبنون الرواد ذوو الأداء العالي مما قد تستفيد منه المؤسسات الأخرى؟
وفي دراستنا، ومع تحديد هوية المتبنين الرواد، اكتشفنا سبع ممارسات يشترك فيها المتبنون عادة، فماذا يفعل المتبنون؟ إنهم:
1. يبادرون مبكّرًا، حتى مع نقص المعلومات.
فهم يميلون إلى الجرأة، ويرون أهمية المبادرة، ويستعدون لأن يتحركوا قبل أن تتوفر لهم جميع الإجابات، ويوافق قادة الأعمال الذين قابلناهم على ذلك. يقول برايان ووكر؛ المدير التنفيذي لشركة هيرمان ميلر: “كثير مما تفعله في الأعمال لا يمكن اختزاله بمجرد معادلة أو حساب عائد مالي”، ويضيف: “كثير من القرارات تتطلب شيئًا من الحدس، وشعورًا داخليًّا بالغاية النهائية، لا يمكن اختزالها بمجرد ورقة”. وترى روبرتا بومان من شركة ديوك إنرجي أن الإدارة المدفوعة بالاستدامة رحلة تمر فيها الشركات بمراحل مختلفة، وتقول: “إنه مسار تطوري، تمر فيه الشركات بمراحل نمو عند تكييف الاستدامة مع أعمالها”، وتضيف: “حتى في الشركة الواحدة المعقدة، نبدأ من مواقع مختلفة، ونتطور بطرق شتى في تعاملنا مع الاستدامة”.
أما الروّاد في تبنّي الاستدامة فلا يربكهم الغموض؛ فهم يرون في المبادرة والفعل وسيلة لإنتاج البيانات، والكشف عن خيارات جديدة، وبناء أدلة تتطور تدريجيًا لتجعل قراراتهم أكثر فاعلية. فالحراك المستمر يخفّف من حجم الشك ويضيق مساحته.
2. يوازنـون بين رؤية شاملة بعيدة المدى ومشروعات تحقق مكاسب ملموسة قريبة الأجل.
فالشركات الرائدة تحقق توازنًا بين الرؤية الكلية والوضوح في تحديد المجالات التي يمكن أن تحقق فيها ميزة تنافسية، فقد تخلق الرؤية الطموحة قيمة للعلامة التجارية، وتغير ثقافة المؤسسة، وتساعد في جذب رأس المال والمواهب أو الشركاء العموميين، لكنّ المتبنين الأذكياء يوازنون بين تلك الأهداف ومشروعات محددة بدقة، كإدارة سلسلة الإمداد، تتيح لهم تحقيق نتائج إيجابية مبكرة تنعكس على النتائج المالية، فهم يتسمون بالعملية الدؤوبة.
يرى دان إيستي؛ أستاذ القانون والسياسة البيئية في جامعة ييل، أن هذا التردد في العزم يفرّق بين الشركات الرائدة والمتأخرة، إذ يقول: “إن التركيز على التنفيذ سوف يفصل بين قلة من القادة عن بقية الجمع، ممن قد أدركوا قدوم التغيير ولكنهم لم يُهيئوا أنفسهم لاغتنام الفرصة”.
٣. قيادة الاستدامة من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى: تدرك الشركات الرائدة أن الاستدامة لا بد أن تُقاد من الأعلى، بأن يكون القادة على استعداد للحديث علانية عن التحديات والفرص التي تجلبها لمؤسساتهم، بل يجب إشراك الموظفين أيضًا، وخلق الحوافز المالية والإدارية لمساهمتهم. ويعتقد غراف من شركة SAP أن للموظفين دورًا محوريًّا في ذلك، بل إنه قال إن شركته قد قللت في البداية من تقدير هذا الأمر، إذ يقول: “كان أول ما فاجأنا أن بعض موظفينا كانوا على وعي أكبر بتحديات الاستدامة وحلولها المحتملة من فريق الإدارة لدينا. لقد أدرك موظفونا منذ زمن بعيد الدور الذي يمكن أن تؤديه SAP. وقد شهدنا العديد من الأنشطة الشعبية حول العالم ودهشنا من شدة الشغف الذي صاحبها”.
وقد تعلم المحتضنون للاستدامة أن العمل على إشراك الموظفين في جميع المستويات يعود بفوائد جمة؛ ففضلًا عن تحصيل الأفكار والبصائر من مصادر متعددة، فإن المشاركة الحقيقية للموظفين في هذا المسار تعزز من التزامهم وإنتاجيتهم وتغرس ثقافة تجتذب أصحاب المواهب.
٤. إزالة الحواجز عن الاستدامة ودمجها في جميع عمليات الشركة: إن الشركات المحتضنة للاستدامة لا تعدها وظيفة منفصلة، بل أرست ثقافة تُطبق فيها الاستدامة على جميع العمليات التجارية القائمة. تقول بومان من شركة Duke Energy: “نحن ننظر الآن إلى وسائل أكثر دقة لإدماج الاستدامة في جوهر عملياتنا التجارية، سواء في خطتنا المتكاملة للموارد أم عند النظر في مرشحي الاندماج والاستحواذ”، وتجادل بأنه قد لا يلزم حتى أن تُسمى “استدامة” لكي تندمج في الأعمال: “إنها المنهج، إنها العملية، إنها طريقة التفكير”.
وفي بعض الأحوال، يعني الدمج اغتنام الفرص؛ وفي أخرى، يعني معالجة المخاطر. فعند HSBC، على سبيل المثال، إن إدخال الاستدامة في ممارسات الإقراض هو أحد سبل دمجها في الأعمال. يقول روبينز: “لدى HSBC سلسلة من السياسات الواضحة والجليّة حول المعايير التي نطبقها في علاقاتنا المالية مع العملاء في مجالات الغابات والمياه والكيماويات والطاقة والمعادن والتعدين، وهذا يشمل وظيفة تقييم مخاطر الائتمان، وأظن أنه مسار رسمي ومفهوم جيّدًا، ومن ثم فإنه يوفر وسيلة واضحة لدمج المخاطر المادية في اتخاذ القرار التجاري”.
٥. قياس كل شيء (وإن لم توجد وسائل للقياس؛ فابدأ باختراعها): يضع المحتضنون للاستدامة خطوطًا أساسية ويطورون أساليب للتقييم حتى تُعرف نقطة البداية ويُقاس التقدم. وبعض هذه التقييمات يتعلق بأنشطة مادية محسوسة، كالكفاءة في إدارة النفايات والطاقة أو الحفاظ على المياه. غير أن الشركات المتطلعة إلى المستقبل تسعى أيضًا إلى استنباط وسائل لقياس أثر الاستدامة على العلامة التجارية والابتكار والإنتاجية.
وتحظى التقييمات التي تربط بين رصيد الشركة في الاستدامة وبين التزام موظفيها باهتمام خاص لدى الشركات التي تسعى لاستقطاب التنفيذيين المهرة ممن يرغبون في العمل لدى شركة يعتقدون أنها تسلك المسار الصائب. وهذه المسألة بالغة الأهمية لغالبية الموظفين، لا سيما جيل الألفية. ومع أن كثيرًا من الناس يرونها قضية معقدة وكبيرة وذهنية، فإن عدد الموظفين المهتمين بالاستدامة في ازدياد، وهم سيطالبون بها من مؤسساتهم.
ولا شك أن طريقة تطوير الشركات لأساليب قياس العناصر غير الملموسة تختلف باختلاف القطاع وطبيعة النشاط. وهناك آليات قائمة يمكن للشركات تكييفها، مثل استطلاعات رضا الموظفين، والمقابلات التي تُجرى مع الموظف عند مغادرته للعمل بهدف فهم أسباب تركه للوظيفة، أو عدد مرات طلب المحللين الاطلاع على معلومات متعلقة بالاستدامة. ومبدئيًّا، تجعل هذه المؤشرات الأمور غير الملموسة أكثر وضوحًا، وقد تساعد في تطوير بيانات تربط المكافآت غير الملموسة المتعلقة بالاستدامة بالأداء المالي للمؤسسة.
٦. تقدير المنافع غير الملموسة تقديرًا جادًّا: يتميز المحتضنون للاستدامة عن المتحفظين في استعدادهم لتقدير المنافع غير الملموسة بوصفها مكاسب تنافسية حقيقية لاستراتيجيات الاستدامة. وقد أدركت الشركات الذكية أن الحفاظ على الموارد الطبيعية التي تحتاجها جزء أساسي من إدارة المخاطر، كما يظهر جليًّا في أعمال شركات مثل كوكاكولا وبيبسيكو في مجال الحفاظ على المياه. وبدء رحلة الاستدامة بالتركيز على معالجة الهدر وعدم الكفاءة في الطاقة أمر منطقي لأي عمل تجاري.
ومع ذلك، يدرك المحتضنون أن تطوير القدرة على قياس أو فهم المنافع غير الملموسة يتطلب وقتًا، وأن عليهم اتخاذ قراراتهم الاستثمارية على أساس مزيج من المنافع الملموسة وغير الملموسة وسيناريوهات المخاطر. وينطبق ذلك على شركات النفط، كما يقول مونيز من معهد MIT: “إنهم ينظرون إلى خطوات خارجية؛ أمور ليست جزءًا من صلب الأعمال اليوم، لكنها تهيئهم لمحفظة أعمال قد تتغير تغيّرًا كبيرًا خلال عشرة أو عشرين عامًا، لكنهم أيضًا ينجزون أعمالًا تمس جوهر نشاطهم”.
٧. حاول أن تكون صادقًا وشفافًا، في الباطن والظاهر: فإن الشركات التي تتصدر مسيرة الاستدامة تتسم بالواقعية في جوهر أمرها، فلا تبالغ في بيان الدوافع ولا تضع توقعات لا يمكن تحقيقها، بل تبسط للناس ما تلقاه من عوائق كما تبسط لهم ما تحققه من نجاحات. وقد كان هذا النهج مما التزمته شركات مثل “نايكي” و”غاب” منذ وقت مبكر؛ إذ شرعتا في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في إصدار تقارير عن سلسلة التوريد العمالية، تذكران فيها تفاصيل المصانع الموردة التي ظهرت فيها مخالفات لمعايير العمل والبيئة والصحة والسلامة. وكذلك أظهرت “يونيليفر” أنها تتطلع إلى آفاق بعيدة المدى، وإن كان ذلك قد يؤدي إلى نتائج أقل بريقًا في أرباحها قصيرة الأجل.
وقد انتهجت “يونيليفر” سياسة الإفصاح والانفتاح في خطابها، كما ظهر ذلك في تصريحاتها العلنية حول خطة “الحياة المستدامة”، حيث أكد الرئيس التنفيذي للشركة؛ بول بولمان، ضرورة العدول عن التركيز على هامش الأرباح قصيرة الأمد، وبيّن بولمان كذلك أن “يونيليفر” لم تجد بعدُ حلولًا لكثير من تحديات الاستدامة البيئية والاجتماعية في عملياتها، لكنها تعتزم التعاون مع قطاعات أخرى لتحقيق ذلك.
ولم تعتمد كثير من الشركات بعدُ نهج “الاعتراف بالنقائص مع المحاسن” في التقارير والتواصل، حتى من بين المتبنين للاستدامة. أما الذين يسلكون طريق الصراحة، فيجدون في ذلك حصنًا يقيهم اتهامات “التجميل الأخضر”، سواء من الداخل من الموظفين أم من الخارج من أصحاب المصلحة والعملاء والنشطاء.
صورة لمستقبل الإدارة
وكما هو شأن معظم اتجاهات الأعمال، لم تنشأ الاستدامة من فراغ، بل هي رد فعل على تنامي المخاطر والشكوك التي تواجهها الشركات، من ندرة الموارد الطبيعية، وارتفاع كلفة الكربون، وقرب سن التشريعات البيئية، فضلًا عن الضغوط الخارجية من المستهلكين والعملاء في سلسلة التوريد، وجماعات المناصرة والمستثمرين. ومن ثم، فإن أجرأ الشركات تكتشف أنه متى نظرت إلى أعمالها من منظور الاستدامة، ظهرت لها فرص لم تكن لتتبينها لولا ذلك.
ويرتبط هذا جزئيًّا باستعداد بعض الشركات لأن تتعلم أثناء العمل، فتقبل أنها لم تبلغ بعدُ جميع الأجوبة أو معايير القياس، لكنها تمضي قدمًا على كل حال. وقد وصف كثير من قادة الأعمال، في أثناء هذا البحث، المسار بأنه رحلة تتكشف فيها المفاجآت والاكتشافات. ولا ريب أن كثيرًا من الشركات، حتى من المترددين في التبني، تدرك أن كفاءة استخدام الموارد تعود بالنفع على صافي الأرباح، غير أن قياس استخدام الموارد وكفاءة إدارة الفاقد هو سبيل حسن لتبدأ الشركات قياس الاستدامة وبناء قرارات الاستثمار على ذلك، بيد أن المكاسب غير المادية من تبني الاستدامة، مثل تفاعل الموظفين أو القدرة على الابتكار، لا تقل أهمية، بل قد تزيد، في تحقيق النجاح للأعمال.
وما تزال الشركات في طور السعي إلى قياس هذه الجوانب غير الملموسة، وتكابد في معالجة الجانب المالي لكيفية توظيفها في تعزيز حجة الاستثمار في الاستدامة، ومع ذلك، فإن قادة الأعمال، في نتائج بحثنا، يعدّون هذه الآثار منافع جانبية مهمة ومفيدة لتبني الاستدامة، وهم يبدؤون في البحث عن طرق لتقييمها.
وفوق ذلك، فإن الشركات الرائدة في تبني الاستدامة تصوغ الأجندة بيدها. ويضرب الأستاذ ستيوارت هارت من جامعة كورنيل مثلًا بشركة “إس سي جونسون”، التي أزالت مركبات الكلوروفلوروكربون قبل أن تدخل التشريعات حيز النفاذ، مشيرًا إلى أن ذلك لم يضر بأداء الشركة المالي، بل كان قرارًا دفَعَ عجلة الابتكار وأتى أُكُلَه لاحقًا. ويقول: “إنهم يقدمون على الأمر دون تردد؛ فهم شركة عالية الربحية بحق”.
وسواء أكان ذلك في صياغة مشهد الصناعة، أم في ابتكار الجديد واكتشافه في عملياتهم، فإن الشركات التي تمضي قدمًا في أجندة الاستدامة تفعل أكثر من مجرد تقليل أثرها البيئي.
فهذه الشركات تقيس التزاماتها بالاستدامة كما تقيس أي استثمار آخر، وتضع توقعات واقعية للعائد منه. ومع ذلك، فإنها إن تسلك هذا السبيل وتخوض غمار التجربة، تجد منافع غير متوقعة تظهر في الطريق، إذ يزداد تفاعل الموظفين مع الأهداف البيئية أكثر مما كان متوقعًا، وتتعزز قيمة العلامة التجارية غالبًا بطرق غير متوقعة، وتثمر الشراكات مصادر جديدة للابتكار، وخلاصة القول إنّ الاستدامة تكشف عن مسالك جديدة تعزز قدرة الشركات على المنافسة في المدى البعيد.
وعليه، فعلى الشركات التي تطمح إلى ميزة في عالم تقوده الاستدامة أن تتأمل الممارسات والمناهج التي يتبعها الرواد الذين أظهرهم هذا الاستطلاع. وتبين نتائجنا أنّ كثيرًا من المترددين في التبني يبدؤون في اتباع هؤلاء القادة. فهؤلاء الرواد يقدمون نافذة صافية إلى مشهد الأعمال في المستقبل، حيث ستتحدد المخاطر والفرص على نحو متزايد بما تعنيه حقيقة أن تكون الشركة مستدامة بحق.
