القائمة الرئيسية

مذكرة إلى أصحاب العمل: تجاهل جودة الوظائف يبدد قيمة حقيقية

مذكرة إلى أصحاب العمل: تجاهل جودة الوظائف يبدد قيمة حقيقية
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف أن تراجع معدلات ترك الوظائف في الولايات المتحدة لا يعكس بالضرورة رضا الموظفين، بل غالبا شعورا بالجمود، وتوضح أن تحسين جودة الوظائف من حيث الاستقرار، وصوت العامل، وفرص التعلم والنمو، يشكل استراتيجية أعمال ذكية منخفضة التكلفة وعالية العائد، إذ يرتبط مباشرة بارتفاع الانخراط والإنتاجية والأداء المالي، بينما يؤدي تجاهلها إلى خسائر كبيرة غير مرئية في القيمة، ما يجعل الاستثمار في جودة العمل ضرورة اقتصادية يلاحظها الموظفون والعملاء والمستثمرون على حد سواء.

  • تشهد معدلات ترك الوظائف في الولايات المتحدة تراجعا ملحوظا، لكن بقاء الموظفين لدى أصحاب عملهم الحاليين لا يعني بالضرورة أنهم أكثر رضا.
  • وتظهر أبحاث جديدة أن تحسين جودة الوظائف يحقق عوائد حقيقية على الأعمال.
  • وفي ظل سياق اقتصادي واجتماعي مليء بالتحديات، يصبح تعزيز صمود القوى العاملة حول العالم أمرا بالغ الأهمية.

بعد سنوات من المنافسة الشرسة على المواهب، يتنفس كثير من أصحاب العمل في الولايات المتحدة الصعداء. لم يعد التنقل بين الوظائف شائعا كما كان، وحل محله ما يسمى بـ""التشبث بالوظيفة"". فقد انخفضت معدلات الاستقالة إلى أدنى مستوياتها منذ نحو عقد، وعادت موازين القوة في سوق العمل لتميل لصالح الشركات.

لكن من المهم التساؤل عن سبب تمسك العاملين بوظائفهم. فالكثيرون لا يبقون لأنهم راضون، بل لأنهم يشعرون بأنهم عالقون. وهذه مشكلة للشركات بقدر ما هي مشكلة للموظفين.

وفقا لدراسة جودة الوظائف الأميركية، وهي أول مسح وطني تمثيلي لجودة الوظائف عبر كامل القوى العاملة في الولايات المتحدة، فإن أربعة من كل عشرة عمال فقط يشغلون وظائف عالية الجودة، أي وظائف توفر أجورا عادلة، وبيئة آمنة، واستقرارا، وصوتا مسموعا، وفرصا للنمو. وقد استندت هذه العناصر إلى ما تظهره الأبحاث على أنه الأكثر أهمية للعمال وللشركات. وأجريت الدراسة من قبل مؤسسة غالوب بقيادة مبادرة ""وظائف من أجل المستقبل"" وصندوق العائلات والعمال ومعهد وي أبجون.

ينبغي أن تكون هذه النتائج بمثابة جرس إنذار لأصحاب العمل، إذ تقدم حلولا عملية وقابلة للتنفيذ. فالعاملون في وظائف عالية الجودة يتمتعون بمستويات أعلى من الرفاه مقارنة بغيرهم. وهم يسجلون مستويات أعلى بكثير من الرضا الوظيفي بنسبة 58% مقابل 23%، وشعورا أقوى بالغاية بنسبة 60% مقابل 34%، ومستويات أعلى من السعادة بنسبة 47% مقابل 26%، بحسب الدراسة.

قد تبدو هذه المشاعر مجردة، لكنها تحمل قيمة حقيقية للأعمال. إذ تظهر عقود من الأبحاث أن الرضا والشعور بالغاية يرتبطان بزيادة الإنتاجية، وتراجع الغياب، وتحسن الأداء المالي.

الموظفون المنخرطون يدفعون نجاح الأعمال

بعبارة أخرى، فإن تحسين جودة الوظائف لا يقتصر على إسعاد الموظفين، بل يعد استراتيجية أعمال غالبا ما يتم تجاهلها رغم أنها تحقق عائدا ملموسا على الاستثمار. فعندما يبقى الناس في وظائفهم لأنهم يشعرون بأنهم محاصرون، يفقدون حماسهم، ويتراجع أداؤهم. يقل ابتكارهم وتعاونهم، ويقدمون قيمة أقل لكل ساعة عمل. والنتيجة أسوأ من دوران الموظفين، إنها الركود.

والركود مكلف. إذ تقدر غالوب أن الموظفين غير المنخرطين يكلفون أصحاب العمل ما يعادل 34% من رواتبهم بسبب خسائر الإنتاجية والأداء. وعلى مستوى الاقتصاد الأميركي ككل، يصل ذلك إلى نحو 1.9 تريليون دولار من القيمة المهدورة سنويا.

هذا هو الخطر الخفي في ما يسمى اليوم بـ""سوق أصحاب العمل"". قد لا تخسر الموظفين، لكنك قد تخسر ما يدفع أعمالك فعليا إلى الأمام: الطاقة، والانخراط، والإبداع، والأداء.

طرق منخفضة التكلفة لتحسين جودة الوظائف

الخبر الجيد أن البيانات نفسها التي تكشف هذه المخاطر تشير أيضا إلى حلول ممكنة. فتحسين جودة الوظائف لا يتطلب بالضرورة زيادة الرواتب. فدراسة جودة الوظائف الأميركية تحدد أبعادا لجودة العمل، تتجاوز الأجر، وتهم العمال وتؤثر في نتائج الأعمال، مثل جداول العمل المتوقعة، وبيئة آمنة ومحترمة، والمشاركة في اتخاذ القرارات التي تشكل طبيعة العمل، وفرص التعلم والتقدم. وغالبا ما يكون تطبيق هذه التغييرات منخفض التكلفة وعالي العائد.

خذ على سبيل المثال مشاركة الموظفين في إبداء آرائهم، أو ما يعرف بـ""صوت العامل"". فالموظفون الذين يحصلون على المستوى الذي يرغبون فيه من المشاركة في تحديد ظروف عملهم هم أكثر عرضة بقرابة الضعف للإبلاغ عن رضا وظيفي مرتفع مقارنة بغيرهم، بنسبة 47% مقابل 25%، بحسب الدراسة.

وتجسد تجربة شركة يو سي هيلث، وهي مؤسسة رعاية صحية كبرى في ولاية كولورادو تضم 26 ألف موظف، هذا النهج. فقد اعتمدت الشركة أسلوب ""التعهيد الجماعي"" عبر استبيانات قصيرة ومتكررة ثلاث مرات سنويا، تتكون من ستة أسئلة وسؤال مفتوح، يركز كل استبيان على موضوع واحد. ويقود الرئيس التنفيذي جلسات في كل مستشفى من المستشفيات الاثني عشر لمناقشة النتائج، ويُلزم القادة باتخاذ إجراءات والإبلاغ علنا عن التقدم. ونتيجة لذلك، ارتفع انخراط الموظفين بنسبة 15%، وتحسن مستوى الثقة في القيادة بأكثر من 18%، وحققت الشركة تحسينات ملموسة في رعاية المرضى، لتصنف اليوم ضمن أعلى 25% في رضا المرضى.

وفي سوق عمل سريع التغير، تساعد فرص التعلم وبناء المهارات واكتساب الخبرة الموظفين على الحفاظ على قدرتهم التنافسية، كما تحقق عوائد إيجابية للشركات. وتقدر غالوب أن المؤسسات التي تستثمر في تطوير الموظفين تحقق إنتاجية أعلى، واحتفاظا أفضل بالموظفين، وخطوط ابتكار أقوى.

ووفقا لدراسة الوظائف الأميركية، فإن 45% من الموظفين الذين شاركوا في برامج تدريب وتعليم مقدمة من أصحاب العمل يتمتعون برضا وظيفي مرتفع، مقارنة بـ27% فقط من أولئك الذين لم يشاركوا.

وتوفر شركة وركداي، وهي شركة برمجيات مؤسسية، لموظفيها فرصا لتطوير مهارات جديدة واكتساب خبرات في مجالات عمل مختلفة، بما في ذلك أقسام جديدة، عبر مشاريع داخلية قصيرة الأجل تعرف باسم ""المهام المؤقتة"". وقد استخدم أكثر من 4000 من أصل 24000 موظف منصة كاريير هب الداخلية، وتفيد الشركة بأن هذه المبادرة تعزز التنقل الداخلي وكفاءة الفرق. وبين فبراير 2023 ويناير 2024، كان ما لا يقل عن 30% من التعيينات من داخل الشركة، وكان 80% منهم أكثر عرضة لتقييمهم كأفضل مؤدين في أول مراجعة أداء لهم في أدوارهم الجديدة مقارنة بالمعينين من خارج الشركة.

المستثمرون والعملاء والموظفون سيلاحظون ذلك

تجربتا يو سي هيلث ووركداي ليستا سوى مثالين على حقيقة أوسع. فمن خلال تعزيز صوت الموظفين، أو تحسين جداول العمل، أو توضيح مسارات التعلم والتقدم، تكسب الشركات التي تستمع لما يقدره العاملون وتستجيب له شيئا يصعب شراؤه: الولاء والأداء المستدام.

قليل من الشركات يفحص بجدية مدى جودة الوظائف التي يقدمها. لكن تلك التي تفعل ذلك تجني فوائد ملموسة، مثل انخفاض معدل دوران الموظفين، وارتفاع الانخراط، وتحسن الأداء. ومع ضيق الميزانيات، أصبح تحسين جودة الوظائف أحد أكثر الطرق موثوقية لتحقيق نتائج أفضل، وهو أمر يلاحظه المستثمرون والعملاء والموظفون على حد سواء.

إن الاستثمار في جودة الوظائف وسيلة منخفضة التكلفة لتحقيق عوائد قوية للأعمال. وكما توضح بيانات دراسة جودة الوظائف الأميركية، فإن الوظائف الأفضل ليست جيدة للعمال فحسب، بل هي جيدة للأعمال أيضا. أما أصحاب العمل الذين يفشلون في اغتنام هذه الفرصة، فهم يتركون قيمة حقيقية غير مستغلة.

المصدر

مقالات ذات صلة