القائمة الرئيسية

تجنب المخاطر في ابتكارات التقنية

تجنب المخاطر في ابتكارات التقنية
ملخص المقال

المقال يوضح أن التقدم السريع في العلوم والتقنية يوفر فرصًا كبيرة للنمو الاقتصادي وابتكار منتجات جديدة، لكنه يثير أيضًا مخاطر أخلاقية وعواقب غير متوقعة غالبًا ما تتجاوز قدرة الشركات على التقييم والمعالجة. يكشف البحث عن أن الشركات تميل إلى التركيز على الأرباح والامتثال التنظيمي أكثر من تقييم التأثيرات المجتمعية للابتكارات، ما يؤدي إلى تجاهل الاستخدامات الضارة المحتملة للتقنيات. للتغلب على هذه التحديات، يقترح المؤلفان إطار ""الابتكار والتسويق المسؤول"" القائم على أربعة مبادئ: الاستباق (توقع النتائج المحتملة)، الانعكاس (مراجعة الافتراضات والتحيزات)، الشمول (إشراك أصحاب المصلحة)، والاستجابة (تحمل المسؤولية ومعالجة الأضرار). تطبيق هذه المبادئ يمكن الشركات من إدخال الابتكارات إلى السوق بشكل آمن وأخلاقي، مع تعزيز الثقة بين العملاء والمجتمع وتحقيق مزايا تنافسية مستدامة.ترجمة: سارة آل صقريحتاج قادة الابتكار إلى تنفيذ عملية مراجعة المقاييس المنهجية للاستفادة من التقنيات الجديدة، مع تخفيف العواقب غير المتوقعة.حرر

بقلم: تانيا بوسيتش وجينا كولاريلي أوكونور

يحمل التقدم الأخير في مجالات العلوم والتقنية في طياته القدرة على معالجة التحديات العالمية، وفتح آفاق جديدة للتوسع الاقتصادي، وإنشاء أسواق جديدة. ومع ذلك، فإن هذه التطورات غالبًا ما تثير أسئلة أخلاقية، وقد تؤدي إلى عواقب سلبية غير متوقعة، ولا تمتلك كثير من الشركات المعدات اللازمة لتحديدها أو معالجتها.

على سبيل المثال، تساهم التطورات التقنية التي تمكن من تعديل الحمض النووي البشري في تطوير تدخلات طبية مبتكرة، ولكن هذا التقدم مصحوب بتداعيات غير متوقعة؛ ففي عام 2018م، تجاهل باحث طموح في الصين كل معايير المجال والقوانين، وعدّل تسلسلًا جينيًّا للأجنة البشرية، في محاولة لتعزيز مقاومتها لفيروس نقص المناعة البشرية. قد تؤثر التغييرات الجينية التي أجراها على هذه الأجنة في الأجيال القادمة، ما يفرض آثارًا لا تُعرف على النمو البشري1.

إن الفشل في النظر إلى الصورة الشاملة في العواقب المحتملة عند اتخاذ القرارات المتعلقة بتطوير أي تقنية وكيفية تطويرها، يمكن أن يؤدي إلى عواقب سلبية للشركات والعملاء وأصحاب المصلحة. على سبيل المثال، في حادثة عام 2024م التي تتعلق ببرنامج الذكاء الاصطناعي “تشات بوت” (chatbot)، تجاوز حماس شركة طيران كندا لتنفيذ خدمة العملاء الآلية، إدراكها لقيود الذكاء الاصطناعي التوليدي في ضمان دقة المخرجات. أساء البرنامج تمثيل سياسة الشركة فيما يتعلق بشعور الحزن، ثم رفض تعويض أحد العملاء لأنه لم يتبع السياسة، ورفض الاعتراف بدوره في تقديم معلومات مغلوطة، وعندما رفع العميل دعوى قضائية انتهت لصالحه، شوه هذا الحادث سمعة خدمة العملاء لشركة الطيران الكندية.

عند النظر في التطورات الحديثة في العلوم التطبيقية والتقنية، غالبًا ما يجد المبتكرون أنفسهم يمهدون الطريق أمام الأطر التنظيمية التي توجه عادةً استراتيجيات التسويق، ما يثير سؤالًا حاسمًا: كيف يقرر المبتكرون الوقت الأمثل لتقديم تقنية جديدة، ومتى يتوخون الحذر؟

لقد سألنا المديرين التنفيذيين والمديرين المشاركين في استكشاف التقنية وتبنيها والتسويق لها، عن الآثار الضارة المحتملة لابتكاراتهم في صحة الإنسان، ورفاهيته، والبيئة، والمجتمع. (انظر فقرة: “البحث”). لقد اكتشفنا أن هناك نقصًا في العمليات المنهجية في النظر في هذه الآثار الضارة المحتملة. وعلى الرغم من أننا اكتسبنا رؤى حول الممارسات المفيدة لتقييم الأبعاد الأخلاقية لتسويق التقنيات الجديدة، فقد حددنا أيضًا أنماط السلوك والأولويات المشتركة، التي قد تعيق التعرف إلى الأضرار المحتملة والتخفيف منها.

لماذا لا يستثمر الوقت للتركيز على المخاطر والعواقب؟

كشفت دراستنا عن مشكلات سائدة في ثقافات الشركات وعملياتها، والتي غالبًا ما تعيق قدرة الشركات على النظر بصورة شاملة في الآثار الأخلاقية المترتبة على تبني التقنيات المبتكرة.

أحد الاتجاهات المهمة وغير المفاجئة في تبني التقنيات الجديدة، هو إعطاء الشركات الأولوية لمصالحها التجارية على الاعتبارات الأخلاقية. ففي بداية الأمر، تركز الشركات في المقام الأول على الاستفادة من التقنية، وكيفية استخدامها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية التسويقية، وأهدافها الداخلية الأخرى، ومعالجة القيود التشغيلية. ومع تقدمها في عملية التنفيذ، يتحول التركيز نحو ضمان الامتثال للأطر القانونية والتنظيمية، بدلًا من معالجة أي عواقب سلبية غير متوقعة قد تنجم عن استخدام التقنية. نتيجة لذلك، تفشل في النظر في استخدامات التقنية الضارة المحتملة وتأثيرها في المجتمع، فضلًا عن كيفية معالجة هذه التحديات.

لم يحدد أي من المديرين الذين استطلعنا آراءهم أسلوبًا منهجيًّا لتقييم تأثير التقنية الجديدة قبل إطلاقها، وذكروا أيضًا أنه نادرًا ما كانوا يدققون في العواقب الأخلاقية في أثناء تطوير المنتجات. ثبت أن تحقيق التوازن بين الامتثال التنظيمي، والعوائد المالية، وسمعة الشركة، والبوصلة الأخلاقية الشخصية أمر صعب في غياب التوجيه الواضح، وأعرب المهندسون ومديرو المنتجات عن أنهم شعروا بضرورة الإسراع في تنفيذ مشاريعهم، الأمر الذي ترك مجالًا ضئيلًا للتفكير بمجرد بدء تنفيذ خطط التسويق.

أجرينا مقابلات مع موظفين يعملون إما في مرحلة الاستكشاف وإما في الاستثمار، وقد شعروا بالراحة في مشاركة تحفظاتهم بشأن الاستراتيجيات التقنية، أو معايير صناعة التسويق في شركاتهم، ووجدنا أنهم غالبًا ما يميلون إلى المشاركة في تقييم مساعي التقنية المحتملة للشركة.

كان أحد الأشخاص الذين قابلناهم، مديرًا سابقًا لتطوير المنتجات في شركة طاقة تعمل في مجال توليد الطاقة النووية. أخبَرنا أنه كلما تعلم عن العواقب البيئية المترتبة على استخراج اليورانيوم لاستخدامه وقودًا للمفاعلات النووية، والتخلص من الوقود المستهلك، أدرك أن الطاقة النووية ليست نظيفة كما كان يتصور.

مع ذلك، روّج صاحب العمل للمشروع بوصفه مبادرة للطاقة النظيفة، دون الأخذ في الحسبان آثار استخراج اليورانيوم في معايير الاستدامة، وشعر أن الشركة تخدع وتضلل الجمهور، وعندما سُئل عن استعداده لإثارة القضية، قال: “لا، ليس من مسؤوليتي القيام بذلك”.

في غياب منهجية تقييم منظمة للتقنية الحديثة، هناك فرص محدودة لدمج المدخلات من أصحاب المصلحة الخارجيين. وفقًا لأقوال الموظفين الذين قابلناهم، غالبًا ما يواجه الأفراد غير الخبراء فهم المجالات ذات الصلة بالعلوم والتقنية، ما يدفع بعض قادة الأعمال إلى تجنب إشراكهم في المناقشات عمدًا.

أفاد أحد المستثمرين في رأس المال الاستثماري المؤسسي؛ أن شركته، الواقعة في أوروبا، واجهت انتقادات من مجموعة مناصرة غير ربحية فيما يتعلق بتورطها في الأطعمة المعدلة وراثيًّا حيث يعرف عن المستهلك الأوروبي والجهات التنظيمية الأوروبية بسجلهم الحافل في معارضة هذه التقنية. وقد قرر مديرو الشركة تجنب المناقشات مع المنظمة غير الربحية في أثناء تطوير المنتج لتجنب الصراع السياسي المحتمل الذي قد يعيق تقدمها. ونتيجة لذلك، أطلقت المنتج دون التعامل مع المنظمة غير الربحية، ما أدى إلى احتجاج عام، وسحب المنتج في النهاية من السوق.

لا يعني هذا أن الشركات لا تَأبَهُ بوجود المخاطر، ولكنها تركز أكثر على إلقاء اللوم على الأطراف الأخرى، بدلًا من منع الأضرار المحتملة الأخرى. على سبيل المثال، تمكنت إحدى الشركات التي حللناها من إدارة مخاطرها، من خلال تشكيل شركات منفصلة مسؤولة عن تطوير تقنيات جديدة. بالإضافة إلى ذلك، اختارت بعض الشركات تولي دور الاستشاري في مجلس إدارة الشركة الناشئة، لتوجيه مسار الشركة دون تحمل المسؤولية عن أي سيناريوهات غير متوقعة قد تحدث.

غالبًا ما تنشئ المنظمات لجانًا لتقديم المشورة بشأن القيود المفروضة على المنتجات الجديدة، وكيفية استقبالها المتوقع في السوق. ومع ذلك، ووفقًا لمقابلاتنا، تركز هذه اللجان غالبًا على إدارة المخاطر، فهي تشرف على الامتثال التنظيمي، وملاءمة الحملات التسويقية، وحث المديرين على الحفاظ على التوافق مع رسالة الشركة.

تحقق الممارسات المذكورة أعلاه غرضها الأساسي المتمثل في توليد المنتجات التجارية والإيرادات للشركات، ولكنها تفشل في توفير الضمانات الكافية ضد القضايا غير المتوقعة. وفي معظم الحالات، يُترك الأفراد للتعامل مع المعضلات الأخلاقية والاستخدام المسؤول للتقنية الحديثة، دون توجيه واضح. من المهم أن تدرك المنظمات أنها ستتحمل وطأة أي تداعيات سلبية ناجمة عن هذه الخيارات، ما قد يؤدي إلى ضرر واسع النطاق.

أُطر للابتكارات المسؤولة

يمكن للشركات الاستفادة من الابتكارات مع ضمان النشر المسؤول للتقنيات الجديدة، إذا تبنى قادة الأعمال نهجًا متسقًا لتقييم الطلبات المقترحة. لتحقيق هذه الغاية، أنشأنا إطارًا لهذا الأمر يعتمد على إطار البحث والابتكار المسؤول، وهو مجموعة من المبادئ، تسعى إلى مواءمة البحث العلمي مع القيم والاحتياجات والتوقعات المجتمعية. انطلاقًا من المناقشات حول الاعتبارات الأخلاقية المحيطة بالبحث الجيني، وخاصة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، صُمم إطار البحث والابتكار المسؤول للتخفيف من التأثيرات المجتمعية المحتملة للتقدم العلمي والتقني2.

يرتكز إطار البحث والابتكار المسؤول على أربعة مبادئ أساسية: الاستباق، والانعكاس، والشمول، والاستجابة. ويستلزم تكييف إطار البحث والابتكار المسؤول مع إطار الابتكار والتسويق المسؤول، إعادة تعريف كل مبدأ من حيث صلته بالأعمال التجارية. حددنا كذلك الإجراءات والنتائج التي تدعم هذه المبادئ، مع معالجة أوجه القصور في منهجيات الأعمال السائدة.

تستند توصياتنا إلى خبرات وردود فعل المديرين التنفيذيين والمديرين الذين أجرينا معهم مقابلات، مع تسليط الضوء على وجهات نظرهم القيمة حول تحسين وتعزيز عمليات الابتكار في مؤسساتهم. وفيما يلي، سنتعمق في المبادئ الأساسية للابتكار والتسويق المسؤول، ونستكشف الاستراتيجيات العملية لتطبيقها بشكل فعال.

الاستباق: ما الذي قد يحدث؟ إن الاستباق هو التفكير في النتائج المستقبلية المحتملة، إذ يؤدي دورًا حاسمًا في إدارة المخاطر أو المعضلات الأخلاقية بشكل استباقي داخل عمليات الابتكار. عندما يوظف مبدأ الاستباق توظيفًا منهجيًّا، يمكن إجراء تحليل شامل لتحديد الاستخدامات المختلفة المحتملة لتقنية معينة، والتنبؤ بعواقبها، وتطوير استراتيجيات للتخفيف، أو تجنب أي مخاطر مرتبطة بها. تمكّن هذه الرؤية قادة الأعمال من اتخاذ خيارات مستنيرة بشأن الاستثمار في التقنيات الحديثة، وإدارة الشراكات في مجال الابتكار.

يعتمد مبدأ الاستباق على المشاركة في مناقشات هادفة مع مستشارين مطلعين. يُعدّ كشافو التقنية ومديرو رأس المال الاستثماري للشركات أصولًا داخلية قيمة غير مستغلة؛ فقد كشفت المقابلات التي أجريناها أن هؤلاء الأفراد يمتلكون خبرة واسعة وعميقة في مجالات التقنية وكل ما يتعلق فيها، وغالبًا ما يحملون درجات الدكتوراه في مجالاتهم المتخصصة.

لقد ساعدتهم خبرتهم في تقييم النتائج السلبية المحتملة لتطبيقات محددة بدقة أكبر. وناقش أحد مديري رأس المال الاستثماري استثمارًا محتملًا في شركة ناشئة طورت ميكروبًا لإزالة السموم من البيئة، وأثار باحثان كيميائيان مخاوف بشأن العواقب المحتملة غير المقصودة، مثل الإطلاق العرضي للميكروبات أو التسبب في ضرر بيئي، وفي نهاية المطاف، قررت الشركة عدم الاستثمار بسبب مخاوفها المحيطة بالتقنية.

كما يمكن للمديرين أن يستخدموا بيانًا واضحًا ومحددًا يوضح مبادئ مؤسستهم وقيمها. شارك أحد المديرين التنفيذيين لرأس المال الاستثماري، قصة حول اكتشاف شركة ناشئة ذات تقنية رائعة إلا أنها مريبة. سعيًا للتوجيه، استشار ذلك المدير التنفيذي لجنة الأخلاقيات في شركته، التي تعد مصدرًا آخر للخبرة، وبدورها حددت مجالات المشاركة التي أقرتها الشركة، وكذلك المجالات التي عدّتها غير مقبولة.

عملوا معًا على المناطق الرمادية، وتعمقوا في الأسئلة المتعلقة برسالة الشركة الناشئة، وناقشوا كيف ستنعكس علاقة الارتباط على شركتهم، ومدى توافق المعايير الأخلاقية مع شركتهم. وبعد مداولات واسعة، قررت لجنة الأخلاقيات أن الاستثمار قد يكون متوافقًا مع قيم الشركة ومبادئها التوجيهية الأخلاقية في ظل معايير محددة، وأوصوا مديري رأس المال الاستثماري بمراقبة الوضع في أثناء تقييم الفرصة.

يتضمن المنهج المنظم للاستباقية الخطوات التالية:

  • تعامل مع استكشاف التقنية بعقلية منهجية شاملة، وتصور استخداماتها العديدة لمختلف أصحاب المصلحة والمجتمع ككل، وتعمق في التداعيات الإيجابية والسلبية لكل استخدام محتمل على يد مجموعات مختلفة، وحلل الآثار بدقة.
  • حدد الخبراء والمستشارين الذين تثق بهم لمساعدة فريقك في فهم النتائج المحتملة لتسويق التقنية، وقدرة شركتك على تشكيل تطورها.
  • لخص ما هو معروف حاليًّا، والتوقعات المستقبلية فيما يتعلق بخطة التطوير التقني، ومن ثم قيم مدى توافقها مع أهداف شركتك، وكذلك مدى توافقها مع رؤية شركتك ورسالتها. وأخيرًا، حدد متى ستتوقف شركتك عن الاستثمار في التطوير التقني.

الانعكاس: هل نحن مدركون ومستوعبون لتحيزاتنا وافتراضاتنا؟ عندما يتساءل المديرون عما يعرفونه وكيف يعرفونه، فإنهم يدركون القيود الجوهرية لوجهات نظرهم الخاصة بشأن المخاطر والقرارات الأخلاقية. إن المعتقدات والقيم الفريدة المضمنة في كل صناعة ومهنة ومؤسسة، تؤثر تأثيرًا هائلًا في عمليات اتخاذ القرار. تطبيق الممارسات التي تعزز التأمل تسمح للموظفين والمديرين بالتحقق من هذه المعايير والتشكيك فيها، دون خوف من ردود الفعل العنيفة، أو العواقب المهنية السلبية.

وهذا بدوره يعزز بيئةً؛ إذ يسمح لجميع الأفراد أن يعبروا عن مخاوفهم ويشاركوا في المناقشات بشأن النتائج المحتملة، ويتساءلوا إذا كان المشروع يتماشى مع هدف الشركة، أو يسهم إيجابيًّا في المجتمع. قد يؤدي هذا التأمل الذاتي إلى تحسينات تشغيلية، أو تسليط الضوء على الحالات التي لا تدعم فيها معايير الصناعة القيم الأساسية للشركة وتطلعاتها. على سبيل المثال، اعتقد مدير مشروع في شركة كيميائية عالمية رائدة أنه توصل إلى حل للمشكلة الملحة، المتمثلة في تحلل البلاستيك بيولوجيًّا في المحيط؛ فقد طورت شركة ناشئة مادة مضافة بلاستيكية تلبي معايير الصناعة، التي تخلف حاليًّا ما يصل إلى 30% من النفايات البلاستيكية في قاع المحيط.

قرر المدير التخلي عن هذه الفرصة، مشيرًا إلى المخاوف بشأن الضرر المحتمل على المحيط، ومناقضتها للقيم الأخلاقية للشركة. مكّن الانخراط في التفكير النقدي حول معايير الصناعة بدلًا من الامتثال الأعمى لها، ومدى مواءمة هذه المعايير مع القيم الأخلاقية للشركة، من اتباع نهج أكثر مسؤولية.

في سيناريو مختلف؛ إذ كان مدى آثار التقنية الحديثة غير واضح، أُنشئت لجنة متخصصة تضم موظفين خبراء واختصاصيين في الأخلاقيات، للعمل بصفتها هيئةً توجيهية لاتخاذ القرار. كانت الأهداف الأساسية للجنة هي إدارة المخاطر، والامتثال للأنظمة، وتقييم القبول العام، وتذكير المديرين برسالة الشركة. تقدم مثل هذه المجموعات الاستشارية دعمًا تنظيميًّا لا يقدّر بثمن، من خلال مساعدة المديرين في تقييم تكامل تقنية معينة، ومدى مواءمتها مع قيم الشركة ورسالتها.

يتضمن الانخراط في مبدأ الانعكاسية اتباع الخطوات التالية:

  • التواصل الفعال وتعزيز وعي الفريق برسالة الشركة وأهدافها، لتوجيه المناقشات حول مواءمة تسويق التقنية الحديثة مع هذه الأهداف. بالإضافة إلى تقييم التأثير المحتمل للتسويق في تحسين جودة الحياة، وخفض التكاليف والحد من النفايات، من خلال تحليل كل من التقنية ونموذج العمل.
  • تقييم السلامة النفسية لجميع الموظفين في المؤسسة، للتأكد من أن ثقافة الشركة تعزز بيئة يشعر فيها الموظفون بالأمان والراحة، وتمكنهم من مناقشة تأثير المشاريع في مختلف أصحاب المصلحة داخل الشركة أو المجتمع عامةً. والتأكد أيضًا من إشراك الموظفين في عملية صنع القرار بشأن ما أكانت المؤسسة ستمضي قدمًا في الفرصة أم لا. وفي حال كانت الثقافة الحالية تمنع التحديات الداخلية، يتم إنشاء آلية آمنة لأعضاء الفريق للتعبير عن مخاوفهم.
  • فحص التحيزات المتأصلة: يجب على أعضاء الفريق وقائد الفريق ومجلس الإدارة المعني، أن يستقصوا ويقيموا التأثير المحتمل للمعايير الصناعية، أو المهنية، أو التنظيمية في تقييمهم للتقنية.
  • تثقيف أعضاء مجلس الإدارة أو أي شخص مكلف باتخاذ القرارات حول ممارسات اتخاذ القرارات الأخلاقية والقيم الأساسية للشركة، لتمكينهم من اتخاذ قرارات حاسمة.

الشمول: ما رأي أصحاب المصلحة؟ الشمول هو إشراك أصحاب المصلحة في الأعمال، وهي عملية ضرورية لتجاوز القيود التي تفرضها المفاهيم المسبقة لقادة الأعمال فيما يتعلق بالتقنية واستخداماتها، كما أنه يعزز الشفافية والثقة وبناء العلاقات داخل المؤسسة، للحفاظ على القبول الاجتماعي لمواصلة سير الأعمال. من المهم أن نلاحظ أن الشمولية لا تعني إجماع أصحاب المصلحة على رأي واحد، بل تضمن أن القرارات تُؤخذ من وجهات نظر مختلفة.

لا يعني ذلك أنه يجب على المديرين طلب رأي كل شخص على حدة، بل إعطاء الأولوية لأصحاب المصلحة المعنيين، وقد يشمل ذلك العلماء، والمجموعات المناصرة غير الربحية، والجمعيات المهنية، والمتطوعين المدنيين، والحكومات المحلية، والمنافسين، ومستخدمي التقنية، والموردين، والخبراء في المجالات ذات الصلة. إن المشاركة في المناقشات مع أصحاب المصلحة أمر ضروري لضمان وجود فهم مشترك للعلم المعني، والقضايا التي يمكن حلها، والمخاطر المحتملة التي قد تطرأ.

عندما تطبق الشركات مبدأ الشمول تطبيقًا ناجحًا، فإنها تكون قادرة على تقييم التأثيرات المحتملة لتقنية معينة على أصحاب المصلحة المختلفين، وتعديل استراتيجياتها التسويقية إذا لزم الأمر. استبعد فريق رأس المال الاستثماري، الذين سبق ذكرهم، مجموعات المناصرة من المناقشات حول الأغذية المعدلة وراثيًّا، ولكنهم يتعاونون معهم الآن لمعالجة مخاوف أصحاب المصلحة فيما يتعلق باستثماراتهم التقنية. يتضمن هذا التعاون التحقيق في الصلاحية العلمية للمخاوف التي أثارها أصحاب المصلحة، ومشاركتهم نتائج أبحاثهم.

تساعد هذه الممارسات المنظمة على تحسين جودة عمليات صنع القرار كونها تتطلع إلى المستقبل. ذكر مصدرنا، أنه على الرغم من تحديات التكلفة والوقت والتوترات السياسية المحتملة المرتبطة بهذه الجهود، فإن التحديات الفنية التي قد تواجهها الشركة دفعتها إلى إعادة النظر في تركيبات منتجات معينة. ونتيجة لذلك، شهدت الشركة انخفاضًا في الخلافات التي يمكن أن تضر بثقة الجمهور.

يتضمن مبدأ الشمولية المراحل التالية:

  • إجراء تقييم شامل لتحديد أصحاب المصلحة الرئيسين الذين سيتأثرون، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتسويق التقنية، مع مراجعة القائمة بدقة لضمان التمثيل الشامل لأصحاب المصلحة.
  • دعوة ممثلي كل مجموعة معترف بها إلى المشاركة في المحادثات حول العواقب والنتائج المحتملة المختلفة، المرتبطة بتسويق الشركة للتقنية الحديثة، وأن الهدف من هذا هو تعزيز فهم جميع الأطراف المعنيين.
  • تقييم مستوى الثقة التي تتمتع بها الشركة في أثناء مرحلة عملية التطوير. فكر في إنشاء مجلس استشاري يتألف من الجهات المعنية الخارجية، لبناء ودعم وتعزيز الثقة العامة في نقاط القرار الحرجة في أثناء عملية التطوير.

الاستجابة: كيف سنتحمل المسؤولية عن قراراتنا؟ قد يساعد صقل الكفاءات في الاستباق والانعكاس والشمول في التخفيف من الحاجة إلى إدارة الأزمات داخل المؤسسات. ومع ذلك، حتى مع وجود هذه الكفاءات، قد تجد الشركات نفسها غير مستعدة عندما ينتج عن التقنية عواقب غير متوقعة. وتتطلب الاستجابة الفعّالة اعتراف صناع القرار بالمسؤولية عن عواقب تسويق التقنية، واتخاذ تدابير استباقية لمعالجة التحديات التي تظهر عندما يتفاعل المستخدمون مع التقنية مباشرة.

طرح بعض المشاركين في المقابلات أحد الحلول، وهو تنفيذ تجارب أولية، يمكن أن تجريها شركاتهم قبل إطلاق تقنية جديدة لاختبار العواقب غير المتوقعة المحتملة. ومن الأمثلة على ذلك: الاستفادة من تقنية المواد النانوية الناشئة لمعالجة الأسطح، حيث كان لتلك المواد كثير من الاستخدامات المحتملة. كان التركيز الأولي على تطوير بخاخ للحفاظ على نظافة الأشياء، وبسبب المخاوف التي أثارتها وسائل الإعلام حول المخاطر المحتملة للتسمم من الجسيمات النانوية، أجرت الشركة فحصًا شاملًا لتقييم مدى صحة هذه المخاوف. كشفت الأبحاث التي أجرتها الشركة عن مؤشرات مبكرة لمخاطر الاستنشاق المحتملة المرتبطة بالتقنية، ما أدى إلى العدول عن ذلك الاختراع، والشروع في تطبيق استخدامات مختلفة.

تتطلب الإجراءات لحل المخاوف عادةً التكيف والتعلم من الخبرات والظروف المتغيرة وردود أفعال أصحاب المصلحة، ويمكن للمديرين أن يبدؤوا مناقشات في كيفية التحول، من خلال تحليل ومراجعة المخاطر والفرص من منظور عملي، وإشراك أصحاب المصلحة لمعالجة قضايا القبول المجتمعي. يمكن أن تساعد هذه المدخلات في تصور مسار مستدام للتقنية والمنتجات الحديثة، ما قد يضع معايير صناعية جديدة. يمكن أن تساعد الاستجابات الاستباقية والواضحة للنتائج السلبية في بناء الثقة العامة، وتعزيز ولاء العملاء وتوفير ميزة تنافسية في السوق.

قد يجد أعضاء الفريق صعوبة في بناء القدرة على التغيير في السياقات التي يكون فيها نقل التعلم عبر المشاريع ضعيفًا، وفي مثل هذه المواقف، الاعتراف بهذه الميزة مهم لتعزيز القدرات التكيفية مع التغيرات السريعة. أكد أحد المشاركين أهمية دمج ممارسات التعلم وعدم التعلم التنظيمية، مسلطًا الضوء على كفاءة الأفراد في التعلم ومشاركة المعرفة، ولكنهم يفتقرون إلى النضج في مهارة عدم التعلم كمؤسسة. وأضاف أنه على الرغم من تقديم العروض المنتظمة واللقاءات الشهرية، فإن هناك فجوة في الاستفادة من الدروس المستقاة من الماضي لصياغة القرارات المستقبلية، وأكد الحاجة إلى نهج منهجي لإعادة النظر في الدروس المستفادة المسجلة وتطبيقها.

تؤثر الاستجابة أيضًا في قرارات تخصيص الموارد وإعادة تخصيصها، التي تنطوي على التوازن الدقيق بين اغتنام المكاسب قصيرة الأجل، والنظر في العواقب السلبية المحتملة على مختلف أصحاب المصلحة. على سبيل المثال، شارك أحد المديرين تجربة شركته؛ إذ دمجت الشركة تقنية جديدة في منصة تقنية المعلومات التي يستخدمها عملاؤهم. وعلى الرغم من علم الفريق بوجود مشكلة قائمة داخل النظام، فقد شعروا بالضغط الشديد كي يلتزموا بالجدول الزمني المحدد، ويحققوا أهداف الإيرادات الهائلة، التي بدورها لم تسمح بتأخير إطلاق المشروع. وأقر الفريق أن القرار الذي اتخذوه كانت له عواقب؛ فقد أدى ذلك إلى تكاليف مستقبلية أعلى مقارنةً بتأخرهم في إطلاق المشروع وإصلاح الخلل.

اعترف كثير من مديري رأس المال الاستثماري الذين أجرينا معهم مقابلات، بالمسؤولية عن أي عواقب سلبية ناجمة عن التقنيات التي أدخلوها إلى السوق، بغض النظر عن الجهة التي تتحمل المسؤولية القانونية. فقد قال أحدهم: “نقبل تحمل المخاطر نيابة عن مطوري التقنية، ونؤكد أن المسؤولية تقع على عاتق شركاتنا”.

يمكن ممارسة مبدأ الاستجابة بالطرائق التالية:

  • اختبر المنتج قبل إطلاقه: اختبره مع قطاعات متنوعة لتحديد أي مشكلات محتملة في بيئات خاضعة للرقابة فيسهل حلها. عالج أي مشكلة قد تؤثر في أطراف معينة بشكل استباقي لمنع حدوثها عند الإطلاق.
  • أنشئ أنظمة للكشف عن إشارات التحذير المبكرة من العواقب غير المتوقعة. على سبيل المثال، عين أصحاب المصلحة الذين سبق إشراكهم (كجزء من الشمولية) على المراقبة، لتنبيه الإدارة إلى أي إساءة استخدام محتملة للتقنية عند ظهورها. يجب أن تنفذ آلية حوكمة بمعايير واضحة حول مستوى الضرر، أو العواقب غير المقصودة التي قد تتسامح معها المؤسسة، إن وجدت.
  • طور أنظمة لتسهيل مشاركة رؤى المشاريع لمساعدة المديرين والفرق في تبادل الخبرات والمعارف المستفادة من المشاريع الحالية أو السابقة، مع التخلص أيضًا من المنهجيات القديمة.
  • اعترف بأن الشركة تتحمل المسؤولية عن أي نتائج سلبية، وتأكد من وجود ميزانية محددة واستراتيجيات احتياطية لحالات الطوارئ، مثل سحب المنتج من السوق إذا لزم الأمر، عندما تظهر العلامات الأولية لمشكلة ما.

تطبيق الابتكار المسؤول

لا تتبع المبادئ الأربعة؛ الاستباق، والانعكاس، والشمول، والاستجابة، تقدمًا خطيًّا في رحلة تطوير المنتج، فقد تنطوي كل مرحلة من مراحل تطوير المنتج على مبدأ أو أكثر من هذه المبادئ عندما تظهر معلومات جديدة. يتطلب دمج هذه المبادئ في عملية الابتكار إلى الاستعداد للتغيير والتمهل من حين لآخر عندما تظهر جوانب صعبة.

قد تنشأ عقبات تحول دون تبني إطار الابتكار والتسويق المسؤول، مثل التهديدات التنافسية التي تركز على الأرباح، أو رسالة الشركة الركيكة أو الغامضة التي تسبب نزاعات أخلاقية، أو نقص الموارد اللازمة لدعم القدرات الابتكارية المسؤولة على مستوى المؤسسة.

في سيناريو مثالي، ستدعم الإدارة العليا استراتيجيات الابتكار والتسويق المسؤول، إلا أن الواقع يحتم أن أي موظف بغض النظر عن منصبه، يمكنه الاستفادة من إطار الابتكار والتسويق المسؤول لتحسين ممارسات فريقه، حتى لو كان تحقيق التكامل التنظيمي يمثل تحديات.

يمكن للمديرين التأثير في مؤسساتهم، من خلال استخدام الأسئلة التي سبق أن ذكرناها لتتبع مشاريع معينة وإثارة التساؤلات حولها، وقد يسهمون في تعزيز حوكمة الابتكار المسؤول في شركاتهم، من خلال تنفيذ تلك المبادئ الأربعة وعرض النتائج الملموسة. من الأمثلة على ذلك، أحد المديرين الذين تحدثنا معهم، رُقّيَ إلى منصب قيادي؛ لأنه استخدم مبادئ الابتكار المسؤول في أقسام مختلفة داخل شركته.

………………………………………………………………………………………………………………………………………..

يقدم التقدم العلمي والتقني السريع اليوم، فرصًا أكثر للشركات لتحقيق الأرباح من الاكتشافات الحديثة. وفي الوقت نفسه، يواجه المبتكرون التزامًا متزايدًا لفهم الآثار المجتمعية لابتكاراتهم، وكيفية التخفيف من مخاطرها المحتملة. يخاطر القادة بفقد ثقة العميل وأصحاب المصلحة إذا لم يعترفوا بتحمل المسؤولية، فضلًا عن التداعيات المالية. ولكن، قد يتمكن القادة من تجاوز القيود الحالية للوائح والمعايير المؤسسية والصناعية التي لم تتواكب بعد مع آخر التطورات، من خلال تبني المبادئ الموضحة في إطار الابتكار والتسويق المسؤول.

تستطيع الشركات بفضل الالتزام باتخاذ القرارات الأخلاقية والحفاظ على النهج المتسق، تقديم مزايا التقنيات الحديثة بأمان إلى السوق والعالم.

سنبذة عن المؤلفين

تانيا بوسيتش: أستاذ مشارك في التسويق في جامعة نيو ساوث ويلز (UNSW) في سيدني. وجينا كولاريلي أوكونور (@oconngina): أستاذ مشارك في إدارة الابتكار في كلية بابسون.

المصادر

  1. P. Rana, “How a Chinese Scientist Broke the Rules to Create the First Gene-Edited Babies,” The Wall Street Journal, May 10, 2019, www.wsj.com.
  2. E. Pain, “To Be a Responsible Researcher, Reach Out and Listen,” Science, Jan. 17, 2017, www.science.org; and I. Nakamitsu, “Responsible Innovation for a New Era in Science and Technology,” UN Chronicle 55, nos. 3 and 4 (December 2018).

مقالات ذات صلة