ترجمة: أمل الرشيدي
لدى القادة القدرة على مساعدة الموظفين على صقل مهاراتهم، وتدريبهم، وقدرتهم على التغيير، من خلال تطبيق أربع استراتيجيات أساسية.
في ظل تزايد تعقّد الوظائف والتنقلات المهنية في حياة الناس، تغيّر مفهوم “حياة واحدة، مهنة واحدة” إلى ظاهرة “المهن المتعددة”، التي تتضمن مجموعة من الأدوار المتنوعة. يُتوقع أيضًا أن يتحول التعليم من التركيز على المرحلة المبكرة من الحياة إلى التطوير المستمر طوال حياة الفرد المهنية.
لم يكتسب تطوير المهارات أهميةً كما يحدث اليوم، عندما تبنّت المؤسسات الاستجابة السريعة للقوى المزعزعة في الجغرافيا السياسية، والتغيرات المناخية، والتقنية. تظهر تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي بأن 44% من المهارات الأساسية تقريبًا ستتغير بحلول عام 2027م، ما يتطلب تعزيز المهارات وتطويرها على نطاق واسع. وبالمثل تُظهر أبحاث شركة استشارات محاسبية عالمية بأن 79% من الرؤساء التنفيذيين على مستوى العالم قلقون من أن نقص المهارات سيعيق نمو شركاتهم.
بصرف النظر عن المتابعة المَفْرُوضة للتأقلم في التعلمِ المستمر، يواجه الموظفون تحديات صعبة من أجل العثور على الوقت المناسب وبذل الجهد اللازم للقدرة على متابعة التعلم، وتظهر النتيجة في تطوير المهارات غير المتسقة، وتبدو كالقطار المهترئ الذي يتعطل ويتوقف باستمرار. ثمّة قائمة طويلة من المهارات التي ينبغي للموظف اكتسابها والتي تحتوي على: أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، واستراتيجيات التفكير والقيادة وأكثر من ذلك، لذلك السبب يبدأ الموظفون بالتساؤل عن المهارات التي ينبغي لهم أن يمنحوها الأولوية على غيرها. كما أن استكشاف مجالات جديدة يتطلب شجاعة أيضًا، وستصبح كالطفل الذي يبدأ أولى خطواته في الحياة.
تطوير التعلم المرن
يُعرف التعلم المرن بنهجٍ موجه نحو العمليات بدلًا من أن يكون مهارة تعلُّم تقتصر على المحتوى فقط مثل: مهارة تنظيم الأفكار أو تقنيات أخرى للحفظ. نعيش في أوقات تزداد فيها حالة عدم اليقين دون سابق إنذار، أو معايير موثوقة، أو إجراءات عمل قياسية، فتصبح القدرة على توجيه طريقة تعلمنا أمرًا بالغ الأهمية لمساعدتنا في العثور على إجابات في المواقف الجديدة.
بناءً على بحثنا في التعلم المرن متضمنًا المقابلات النوعية مع من غيّر مساره المهني، وتضمن كذلك تحليلًا كمّيًّا لبيانات استبانة شارك فيها 340 خبيرًا، حددنا أهم أربعة عناصر لتطوير التعلم المستمر، هي: دمج الهدف المراد تحقيقه بالتعلم، وإنشاء بيئة عمل غنية بالتعلم، وطرح أسئلة التعلم الفوقي، وتعزيز فريق التعلم.
دمج الهدف المراد تحقيقه بالتعلم
إذا غاب الدافع للتعلم، غابت حلاوة شق طريق التعلم. أظهرت تحليلات الانحدار لدينا أن وجود إحساس بالهدف من التعلم يُعد مؤشرًا على التطور الناجح للمهارات والقدرات؛ فالإحساس بأن ما نتعلمه سيُحدث فرقًا يحفزنا على إعطاء الأولوية للتعلم. ويمكن للمديرين ربط تعلم أي مهارة جديدة بإحساس الموظف بالهدف.
شارك مختص بالضرائب له دور قيادي في منظمة حكومية تجربته قائلًا: “إن الأمر يتعلق بالأهمية وإحداث فرق، فالدافع الأساسي للمساهمة هو ما يدفعني للتعلم”. إن الشعور بالهدف يتغلب على خوفنا من الجهل في مجال جديد.
أجريت مقابلة مع ليندا وهي قائدة تقنية في مجال تقنية المعلومات، وصفت محادثة أجرتها مع متخصص في الحوسبة السحابية يُدعى بيل، الذي بدا وكأنه متردد في أداء دوره الجديد كقائد مشروع، وهو منصب وقع عليه بسبب إعادة هيكلة حديثة. سألت ليندا: “ما الذي يهمك في عملك؟ ما الذي يمنحك شعورًا بالإنجاز؟”، توقف بيل قليلًا، وكان يرى نفسه متخصصًا تقنيًّا أكثر من كونه شخصًا اجتماعيًّا، وقال: “أحب عندما يكون لما نُبدعه تأثير، عندما أرى الناس يستخدمون المنتجات”. ثم سألت ليندا: “في دورك بصفتك مديرَ مشروع، ما المهارات التي تريد تطويرها حتى يتمكن فريقك من إنشاء منتجات ذات تأثير؟”. أدرك بيل بعد ذلك أن إدارة المشاريع وأصحاب المصلحة، بالإضافة إلى المهارات التقنية، هي المفاتيح التي يحتاج إليها لتحقيق هدفه.
إنشاء بيئة عمل غنية بالتعلم
يُعد إنشاء بيئة عمل غنية بالتعلم العامل الأكثر أهمية في مكان العمل لتعزيز المرونة في اكتساب المهارات، وهو ثاني أهم عامل للتنبؤ بتطوير المهارات بعد تحديد الهدف. تُعرَّف الوظيفة الغنية بالتعلم بأنها العمل أو المهام المتنوعة التي تكون خارج منطقة الراحة وتتطلب تطبيق مهارات جديدة في مجالات مختلفة لتحقيق النجاح، على سبيل المثال، قد تشمل الوظائف الغنية بالتعلّم تولّي دور جديد أو تنفيذ مشاريع تتسم بالتحدي، أو توسيع نطاق التعلّم ليشمل مجالات أخرى، أو قيادة التغيير أو إدارة التغيير، أو تولي دور موسع.
إليك مثال حقيقي من مقابلاتنا: ضحكت سينثيا وهي تروي كيف -“من دون أي خبرة”- حصلت على وظيفة مديرة حسابات. وقالت: “قال لي رئيسي إنني لا أعرف حتى كيفية تشغيل الكمبيوتر، وأعطاني ثلاثة أشهر لإثبات نفسي في الوظيفة. إذا نجحت، فهي لي، وإذا لم أنجح، فسأغادر”. كان على سينثيا تعلم الكثير: فهم كيفية عمل الصناعة، وما يريده العملاء ورؤساؤُها، وكيفية جمع المعلومات لأداء دورها. كانت متحمسة ومبدعة في عملية التعلم الخاصة بها؛ إذ بحثت في الملفات لتتعرف إلى تاريخ المنظمة مع العملاء، وطرحت أسئلة للمبتدئين على زملائها، وراقبت رئيسها في أثناء العمل، واستعانت بموجهين، وخصصت وقتًا للتفكير في تعلمها. اليوم وبعد 22 عامًا، أصبحت رئيسة للشركة.
من خلال الاستفادة من استراتيجيات الأعمال والمشاريع لخلق فرص غنية بالتعلم، يمكن للمديرين تعزيز تطوير الموظفين من خلال التجارب، أو المشاريع، أو الإنجازات، أو المهام التي تعتمد على مهارات متجاورة ومجالات مكملة. على سبيل المثال، نُقِلت موظفة تقنية معلومات من مشروع تحليل بيانات الموارد البشرية، لتطوير منصة المواهب ولوحة تحكم تحليلات الأفراد، ما تطلب منها استخدام مهاراتها التقنية في سياق الموارد البشرية وتعلم مجال جديد. وبالمثل، كُلِّف أحد الإداريين بأتمتة سير عمل متكرر، ما استلزم منه تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي لتحقيق ذلك.
طرح أسئلة التعلم الفوقي
تتجاوز القدرة على التأمل في عملية التعلم الذاتية مجرد تقنيات التعلم مثل رسم الخرائط الذهنية أو الاستراتيجيات الإرشادية؛ فهي تتعلق بتحسين الطريقة التي نقترب بها من النمو. يشير التعلم الفوقي إلى القدرة على التراجع والتفكير في ما نريد أن نتعلمه، وكيفية التعلم، ونقاط القوة والفجوات في عملية التعلم لدينا، وكيفية تحسينها.
على سبيل المثال، أرادت “لين”، وهي مديرة تنفيذية ذات توجه نحو المهام، توسيع تأثيرها كقائدة. كانت ترغب في أن يقوم فريقها بحل مشكلاتهم بأنفسهم بدلًا من أن تقوم هي بحلها نيابةً عنهم، وللانتقال من قوتها الراسخة كمحللة مشكلات بارعة، تعلمت مهارات التوجيه، وكيفية طرح الأسئلة بدلًا من تقديم الحلول مباشرة.
طرحت لين على نفسها أسئلة التعلّم الفوقي التالية في مراحل مختلفة من رحلتها التطورية:
- ما المهارة التي أحتاج إلى تعلمها للتعامل مع هذا الموقف؟
- كيف أحصل على هذه المهارة؟
- من بإمكانه دعمي للحصول على المهارة؟
- كيف يمكنني تطوير هذه المهارة؟
- ما الذي يجب عليّ فعله الآن لأصبح أكثر كفاءة في تطوير هذه المهارة؟
- كيف أعرف مدى تطوري؟ ومن سيخبرني بالملاحظات؟ ومن القدوة المناسبة لتعلم هذه المهارة منه؟ وكيف أتعلم منه؟
وجدنا أن هذا التأمل في التعلم الفوقي يحدث بشكل لا شعوري، وغالبًا ما يكون متشابكًا مع التأمل حول ما يتعلمه الفرد. يمكن للمديرين مساعدة أعضاء فرقهم بطرح أسئلة تتعلق بالتعلم الفوقي، ما يساعد الأفراد على إدراك كيفية تعلمهم بشكل أفضل. وهذا يتيح للمديرين تسريع العملية بشكل أكثر قصدية من خلال أنشطة تعلم فاعلة للغاية.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمديرين توجيه عملية التعلم لموظفيهم كممارسة مستمرة من خلال القيام بما يلي:
- اقتراح محفزات متنوعة، مثل حضور ورشة عمل، أو قراءة كتاب، أو الاستماع إلى محاضرة من خبير.
- التأمل في كيفية ارتباط الدروس بتجاربهم العملية.
- تحديد متى وأين يمكنهم استخدام هذه الأفكار الجديدة.
- تحديد الأشخاص الذين يمكنهم الحصول على تعليقات منهم وكيفية الحصول عليها.
يشكل نظام من المحفزات، والتأمل، والتطبيق، والملاحظة، عملية تعلم مستمرة لتسريع التعلم.
تعزيز فريق التعلم
يعد الوجود في فريق متنوع -يتبادل الموارد بسهولة ويقدم ويتلقى ملاحظات فورية- تجربة تعليمية وممتعة وفاعلة. تحدث أحد الباحثين بشغف عن فريقه قائلًا: “التنوع يتيح لي الكثير للمراقبة والتعلم، مع ملاحظة ثنائية الاتجاه صادقة وسخية”. يُرحَّب بالملاحظة البنّاءة حيث يتحدى الزملاء بعضهم بشكل بنّاء، ويتبادلون المقالات والموارد ذات الصلة.
يمكن للمديرين تعزيز الفرق التي تركز على التطوير من خلال روتين منتظم. على سبيل المثال يمكنهم دعم موظف ليجعل من أولوياته الأسبوعية تعلم شيء يساعده في عمله الحالي، مثل قراءة كتاب، أو تعلم كيفية استخدام أداة ذكاء اصطناعي جديدة، أو حضور محاضرة. يمكن للفرق تخصيص 15 إلى 30 دقيقة خلال الاجتماعات الدورية ليشارك الجميع ما تعلموه بشكل دوري. يمكن للقادة أيضًا أن يكونوا قدوة في تقدير الملاحظة، مثل طلبهم من الجميع تقديم وتلقي الملاحظات مرة شهريًّا، حيث يشاركون شيئًا يقدرونه في أحد أعضاء الفريق واقتراحًا واحدًا للتحسين. يمكن تكليف الفريق بمهمة غنية بالتعلم، مثل أتمتة العمليات التجارية، ما يجمع الجميع لتعلم أدوات أو مهارات جديدة.
تطوير متعلمين مرنين داخل الفريق يمكّن للمديرين من تسهيل دوامة تعلّم متكاملة، من خلال ربط أهداف الموظفين بتعلمهم، وخلق بيئة عمل غنية بالتعلم، وطرح أسئلة التعلم الفوقي، وتعزيز فريق يركز على التعلم. توفر هذه العناصر إطار عمل لإطلاق إمكانات المرونة في التعلم. وبهذا، لا تقتصر مساعدة المديرين للموظفين على اكتساب مهارات جديدة بسهولة، بل يبنون أيضًا فريقًا عالي الأداء، قادرًا على التنقل والتفوق في بيئة متغيرة بسرعة.
تكمن القوة الحقيقية لمرونة التعلم في تأثيرها المتضاعف: مع استمرار الأفراد في التكيف والتعلم، ولاينحصر فقط في المعرفة، بل أيضًا في قدرتهم على التعامل مع الغموض، والتعقيد، والتغيير. يصبح هذا التكيف ميزة تنافسية للمؤسسات؛ إذ يرسخ ثقافة يصبح فيها التعلم ليس مجرد حدث عابر، بل عملية مستمرة. عندما تزرع الفرق هذه العادات، فإنها لا تكتفي بالاستجابة للاضطرابات، بل تصبح محركات للابتكار وقادرة على قيادة منظماتها نحو المستقبل.
