ترجمة: وسن الجارالله
يوضح لنا تاريخ المقحل الإمكانات الثورية للابتكارات في شق طريقها من الهامش إلى التيار السائد.
“أيمكن لهذا وذاك أن يحدثا ثورة ابتكارية؟”.
لطالما سُئلت عن ذلك، في إحدى ورش العمل الأخيرة مثلًا، طرحت عليّ إحدى الحاضرات سؤالًا، لنقل اسمها سو، عن “اللحوم المزروعة”، وهو مصطلح شامل يُشير إلى اللحوم التي تُنتج في المختبر، وقد أشاد بعض المحللين بهذه الإمكانات الثورية للبدائل الصناعية التي قد تُحدث ثورة في إنتاج اللحوم التقليدية من المزارع. على سبيل المثال، نُشر مقال عام 2023م في مجلة “California Management Reveiew” بعنوان: “العبث بالأطباق: تقنيات اللحوم المزروعة”. تطرق المقال إلى أن “المستحوذين على المناصب الحالية يواجهون ما يسمى بـ “معضلة المبتكرين”، فهم مترددون بين الانخراط في السوق الجديدة، أو الحفاظ على الوضع الراهن”.
لعلّي حاولت تجنب الإجابة الصريحة حول ما إذا كانت هذه الابتكارات ثورية أم لا، واتّبعت توجيهات مرشدي كلايتون كريستنسن (الذي ألّف كتاب “معضلة المبتكر”). فقد كان كلايتون مؤمنًا بأهمية تزويد الآخرين بنظرية أو نموذج مدعوم بمثال من مجال آخر، عندها قد يجيب السائل عن سؤاله بنفسه، مما يعزز قناعته بالإجابة ويقوي قدرته على التعامل مع هذه الأسئلة في المستقبل.
لكي أجيب عن تساؤل سو، كان عليّ أن أعرف ما إذا كانت تقصد الابتكار الثوري بحسب تعريف كريستنسن، أم بمعناه الموجود في القاموس، فهذا التمييز مهم. إن تعريفه الأساسي في القاموس يعني “الاضطراب” أو “التغيير الجذري”، أما كريستنسن فقد استعمل الكلمة استعمالًا أدق، فتوصل في بحثه إلى أن هناك نوعًا معيّنًا من الابتكار قادرٌ على إحداث تغييرات جذرية في المجال. بتبسيطنا لما هو معقد، وجعل ما هو مُكلف في متناول اليد، سيفتح معنى الابتكارات الثورية، بحسب معنى كريستنسن، آفاقًا واسعة للنمو (CSD كما يُشار إليه بهذا المقال). وأيضًا، توصل بحثه إلى أن النمو لم يكن، بحسب التاريخ، من نصيب الشركات الرائدة في السوق؛ بل استحوذت عليه جهات جديدة مشاركة في السوق.
يعكس تعريف القاموس للابتكار الثوري التحديثات التي غالبًا ما تُعالج ضمن الأطر والأنظمة الحالية، أما تعريف الابتكارات الثورية بحسب كريستنسن، فيتطلب إدارة نشطة وتصميمًا تنظيميًّا دقيقًا، مما يستهلك موارد وجهودًا قد تُستغل لأغراضٍ أخرى. عبّرت سو عن اهتمامها الكبير بالتأثير المحتمل للحوم المزروعة في كبار مصنعي الأغذية؛ مثل أطعمة تايسون وكارجيل. واتفقنا على تقييم هذا الابتكار الثوري بناءً على تعريف كريستنسن.
أما الخطوة التالية فهي الخوض في أعماق نموذج الابتكارات الثورية لكريستنسن، والذي يُشير إلى أن الشركات غالبًا ما تبتكر بوتيرة أسرع من تغير حياة الناس؛ مما يخلق فرصًا للمبتكرين الثوريين لتلبية احتياجات العملاء الباحثين عن حلول أبسط وأوفر. تركز الشركات الرائدة على تحسين أدائها في السوق الحالية، متجاهلة التفكير في تغييرات المستقبل، فتجد نفسها متأخرة حين يعزز المبتكر الثوري عروضه ويبدأ باجتذاب شريحة أوسع من العملاء.
من المهم تقييم النقطة التي يبدأ منها المبتكر الثوري، فنادرًا ما يبدأ من السوق الرئيسة مباشرة؛ بل يركز على شريحة من العملاء ممن يرضون بمنتج بسيط ومحدود، ويجدون في الابتكارات الثورية خيارًا مثاليًّا مع نقصه.
قصة الابتكار المنقوص
لننظر إلى المثال الكلاسيكي للابتكار الثوري بحسب مفهوم كريستنسن: وهو المقحل. تشارك ويليام شوكلي، ووالتر براتين، وجون باردين، جائزة نوبل، لعملهم الرائد في تطوير المقحل بمختبرات بيل أواخر عام 1940م. كان هدف المشروع الأساسي هو تطوير تقنية تحل محل أنابيب التفريغ التي كانت تشغل شبكات الاتصالات، ونجحوا في تحقيقه في نهاية المطاف، إلا أن المقحل لم يشق طريقه في السوق الحالية بسهولة، بل مهّد الطريق لعصر الاتصالات الحديثة تمهيدًا مفاجئًا.
كما كانت الحال مع الابتكارات الثورية بحسب كريستنسن، لم يكن المقحل خاليًا من العيوب؛ إذ كان في الواقع جزءًا من تصميمه. يعمل الزجاج عازلًا للكهرباء، فلا تستطيع المرور منه، أمّا النحاس فهو موصلٌ للكهرباء، ولا تعد المواد المستعملة في المقحل موصلات كاملة؛ مثل الجرمانيوم سابقًا والسيليكون حاليًّا؛ أي بالتحكّم الصحيح ستستطيع التحكّم بالتيار الكهربائي.
افتقرت المقحلات في بداياتها إلى الثبات في الأداء؛ نظرًا لتأثرها الكبير بالظروف البيئية، كما أشار جاك مورتن الذي أشرف على تطوير الأجهزة الصلبة في مختبرات بيل في حديثه قائلًا: “كان أداء المقحل في بداياته متذبذبًا، فكان سريع التأثر حتّى بحركة إغلاق الباب بعنف”، وأيضًا لم تضاهِ قوة المقحل قوة الصمام المفرّغ الهائلة.
كما أنها لن تُدرج ببساطة في المنتجات الحالية، فيجب أن يُعاد تصميم هذه المنتجات كاملًا لتتمحور حول المقحل.
لا عجب إذن حين اتجهت الشركات المصنعة للتلفزيونات وأجهزة الراديو الأرضية ومعدات الشبكات إلى ترخيص استعمال المقحل، لكنها كانت حذرة حين تبنت الموضوع، إلا أن المقحل حقق انتشارًا واسعًا في السوق لم يكن بالحسبان؛ وذلك في اعتماد أجهزة تقوية السمع عليه.
كانت أجهزة تقوية السمع حينها باهظة الثمن وغير مريحة، وتعتمد أيضًا على بطاريات معلقة على أحزمة مستخدميها. وكانت درجة حرارة صمامات التفريغ سريعة الارتفاع، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى تلفها، والحاجة إلى استبدالها. وكانت السوق محدودة آنذاك، مما جعلها نقطة انطلاق مثالية لابتكارات كريستنسن الثورية.
بدأت شركات أجهزة السمع استعمال المقحل بمجرد توفرها في السوق، وقد ساعدتهم صدفة تاريخية في تعزيز ذلك. كان ألكسندر غراهام بيل، مؤسس شركة “أي تي آند تي” التي احتضنت مختبرات بيل، شغوفًا جدًا بمساعدة ضعيفي السمع، مما دفع مختبرات بيل إلى تقديم تراخيص مجانية لمصنعي أجهزة السمع، وبذلك، أتيحت لشركات السمع الفرصة لتجربة التقنية واختبارها.
بدأت شركة “سونتون” أواخر عام 1952م، بيع أجهزة سمع بسعر 229.50 دولارًا، (أي ما يعادل 2500 دولار في سوق اليوم)، واستبدلت أحد الصمامات المفرّغة بمقحل من تصنيع شركات “جرمانيوم برودكتس”. ولحقتها شركة “أكوستيكون” بعرض نموذج جهاز سمعٍ مبتكرٍ خالٍ تمامًا من الصمامات بسعر 74.50 دولارًا (أي ما يعادل 900 دولار بسعر سوق اليوم). واندفعت شركة “رايثيون” اندفاعًا شديدًا بالسوق بابتكارها أول مقحل يُنتج بكميات كبيرة. وخلال سنوات قليلة، اعتمدت أكثر من 95% من أجهزة السمع على المقحل، فقد كان ذلك مثاليًّا بصرف النظر عن نقصه. أظهرت لنا السوق كيفية إسهام وجود المقحل في تطوير منتجات أصغر حجمًا وأقل تكلفة مع وجود إمكانات نمو هائلة. وأسهم أيضًا انخفاض استهلاك الطاقة في تراجع تكلفة البطاريات السنوية من 100 دولار حتى 10 دولارات. شهدت سوق أجهزة السمع توسعًا هائلًا، وبدأ المقحل بعدها بالظهور في أجهزة الراديو الصغيرة والمحمولة، وهيمنت شركة “سوني” في النهاية على السوق، والباقي معروف.
يقول كريس ديسكون من شركة “أندرسن هوريوتز” الاستثمارية، إن أفضل الابتكارات تعود للأفكار التي بدت سخيفة عند سماعها لأول مرة (نعم، نعم، على سبيل المثال؛ موقع يتيح للغرباء الإقامة بغرفة إضافية في منزلك؟ صحي!). انطلق انطلاقة استراتيجية حتّى مع هذه العيوب، وطوّر نموذج عمل يصعّب على المنافسين التقليديين مواجهته، واستمر في تحسينه؛ هذه هي الوصفة السحرية للنجاح الثوري.
تطبيق مبادئ الابتكار الثوري
بعد الاطلاع على أساسيات نموذج الابتكار الثوري، ووصف الطريقة التي ينطلق بها المبتكرون انطلاقًا ناقصًا عادةً، سألتُ سو عن رأيها حول ما إذا كانت اللحوم المزروعة ستُحدث تحوّلًا جذريًّا يهدد كبار مُصنعي التغذية.
فقالت: “حسنًا، يمكننا القول بأنه بعيد البعد كلّه عن الكمال”؛ إذ إن هناك حدًّا للحوم المزروعة، فهي أغلى سعرًا من اللحوم التقليدية الموجودة في المزارع، كما أن طعمها لا يعكس الطعم الطبيعي. لكن لنا أن نقول إن لها مزايا لا مثيل لها؛ تُعدّ اللحوم المزروعة في المختبرات أفضل للبيئة، مقارنة باللحوم التقليدية التي تتطلب مساحات شاسعة وكميات كبيرة من الطعام والماء (فضلًا عن أن الأبقار تطلق غاز الميثان، الذي يؤثر على الاحتباس الحراري). والأهم من ذلك، فإن اللحوم المزروعة لا تتطلب ذبح أي حيوان.
أضافت سو قائلة: “ما زال يشغل بالي كيف بدأ المقحل من أجهزة السمع، لكنني لا أرى مثيلًا في حالة اللحوم المزروعة”. هناك فئات مختلفة من العملاء مستعدون لدفع مبالغ إضافية مقابل المزايا الفريدة للحوم المزروعة، إلّا أن سو رأت الموضوع بعين مختلفة، فبدا الأمر ضيّق المسار بالنسبة لها مقارنة بالتحوّل الذي سلكه المقحل. عمومًا، يميل المستحوذون على السوق إلى استهداف فئات المجتمع المستعدة لدفع مبالغ إضافية مقابل هذه المنتجات.
لا عجب أن تتجه شركتا “تايسون” و”كارجيل” إلى الاستثمار في اللحوم المزروعة، وبطبيعة الحال، فمع تطور هذه التكنولوجيا وتحسّن مذاق منتجاتها وتراجع تكاليفها، سيواجه بعض الأطراف خسائر حتمية، ومن السهل تصوّر عالمٍ يشهد تراجعًا حادًا في مزارع الماشية والخنازير. أعربت سو عن رأيها بأن اللحوم المزروعة لن تؤثر تأثيرًا ثوريًّا على المستحوذين على السوق.
كنتُ أرى أن هذه هي الإجابة الناقصة لهذا الموضوع.
