القائمة الرئيسية

عبء الاستدامة على الشركات

عبء الاستدامة على الشركات
ملخص المقال

يراجع المقال موجة تسريح الموظفين في شركات التقنية عام 2023 بوصفها مدخلًا لانتقاد الطريقة التي يُحمَّل فيها مفهوم الاستدامة مسؤولية أي تعثر مالي، ويجادل بأن هذا الاتهام قائم على افتراض خاطئ يرى الاستدامة عبئًا على الأرباح. يوضح أندرو وينستون أن فشل الشركات ظاهرة شائعة سواء ركزت على الاستدامة أو على تعظيم أرباح المساهمين فقط، وأن النجاح أو الإخفاق لا تحكمه استراتيجية واحدة بعينها. ويستشهد بحالة شركة دانون ليبين أن المشكلة لم تكن في تبني الاستدامة بحد ذاته، بل في ضعف النتائج وعدم تحويل النيات إلى تأثير فعلي. ويخلص المقال إلى أن الوقت قد حان لتطبيع الاستدامة ودمجها بوصفها جزءًا عاديًا من إدارة الأعمال، لا كبش فداء يُلام عند الفشل ولا بطلًا يُنسب إليه النجاح وحده، بل أداة متكاملة لبناء شركات قادرة على البقاء والازدهار في عالم سريع التغير.

ترجمة: أحلام الغامدي

أندرو وينستون

خلال عام 2023م قامت كثير من الشركات التقنية بتسريح العمال، فشركتا أمازون وسالسفورس سرّحتا 18,000 و8,000 موظف على التوالي، واكتسب القطاع زخمًا في الربيع. أكدت مقالة في مجلة (Fortune) الصادرة في أبريل/ مايو 2023م أن الشركات كانت تستبدل الحماس بالكفاءة وأنها سرحت بشكل جماعي أكثر من 150,000 موظف منذ شهر يناير، وبحلول شهر أغسطس بلغ العدد ما يقرب من 225,000 موظف.

في العدد نفسه تساءل مقال آخر عما إذا كان هناك تعارض بين عمليات التسريح التي تقوم بها الشركة والتزام الرئيس التنفيذي مارك بينيوف بالقيادة المتعاطفة والاستدامة في شركة سالسفورس، هذا سؤال منطقي لكن المقال ناقش بُعدًا آخر، فمعضلة بينيوف يمكن أن تكون بمنزلة استفتاء لـ النموذج الكامل لرأسمالية أصحاب المصلحة، وإذا كان هذا صحيحًا فلماذا لا يُجرَى استفتاء على رأسمالية المساهمين في المشكلات الجماعية عبر صناعة التقنية؟

هناك تناقض كبير في كيفية رؤية عالم الأعمال للاستدامة؛ فكلما تواجه شركة تعطي الأولوية للاستدامة مشكلة ما، يقول الناس إن القادة مالوا عن مسارهم الأساسي، لكن عندما تتعثر الشركات في أثناء اتباع استراتيجية لزيادة الأرباح، التي يُفترض ضمنيًّا أنها عكس الاستدامة، نادرًا ما يُلقَى اللوم على التركيز الأحادي[1].

الاستدامة ككبش فداء

أصبح عبء الاستدامة واضحًا تمامًا عندما أطاح المستثمرون الناشطون ومجلس الإدارة في عام 2021م بالرئيس التنفيذي لشركة دانون، وهي شركة أغذية فرنسية متعددة الجنسيات. واجه الرئيس التنفيذي إيمانويل فابر انتقادات شديدة للأداء المالي للشركة مقابل أداء منافسيها، وكانت بعض الأخبار المتصدرة في الجرائد والصحف كالآتي: رأي هيئة تحرير الفاينانشيال تايمز: «دانون: دراسة حالة مخاطر الأهداف»، فوربس: «الاستدامة وسقوط الرئيس التنفيذي لشركة دانون فابر»، التايم: «أُطيح بمدير تنفيذي كبير بعد جعل شركته أكثر وعيًا بالبيئة».

أقلقت هذه القصة كثيرًا من القادة؛ فقد كنت أتحدث مؤخرًا إلى قادة إحدى شركات السلع الاستهلاكية الكبيرة وأعرب أحد المديرين التنفيذيين عن شكوكه بشأن الاستدامة، مشيرًا إلى ما حدث في شركة دانون وفي شركة يونيليفر، التي تعرضت أيضًا لضغوط بسبب تركيزها على الاستدامة.

إن توجيه أصابع الاتهام نحو الاستدامة يتسارع في بعض الأوساط، دون الخوض في وحل حركة معارضة الاستثمار البيئي والاجتماعي والحوكمة (ESG)، أظن أنه من الواضح أن بعض الأصوات البارزة ستلقي باللوم على الاستدامة في أي مشكلة تواجه الشركات، فعلى سبيل المثال عندما انهار بنك سيليكون فالي، ادعى بعض النقاد والسياسيين على الهواء مباشرة أن السبب في ذلك هو أن الشركة ذكرت جهودها في مجال التنوع والشمول في بيان تفويضها.

لمعظم التنفيذيين تبدو حجة إلقاء اللوم على الاستدامة في المشكلات المالية صحيحة، ولكن لماذا؟

أظن أن الأمر يتعلق بافتراض أساسي معيب، فما زال يُفترض أن الاستدامة هي عبء على الأرباح وتضيف دائمًا إلى التكاليف، حتى مع تبني الشركات لها بشكل كبير، ولكن هذا لم يكن صحيحًا قط.


فكرة أن الاستدامة هي مقايضة أو أنها تتعارض مع المسؤولية المالية خاطئة، فكثير من الشركات التي تركز على الاستدامة، مثل وولمارت وإيكيا، تقلّل التكاليف باستمرار وتدمج جهودها البيئية والاجتماعية في استراتيجياتها.

تدرك هذه الشركات أن الاستدامة لا يمكنها فقط خفض النفقات، بل يمكنها أيضًا تقليل المخاطر ودفع الابتكار والإيرادات وبناء القيمة غير المادية أو قيمة العلامة التجارية، ليس صحيحًا أن إدارة الأعمال بطريقة مستدامة تكلف دائمًا المزيد، على الرغم من أن الطرائق الجديدة للعمل لا تؤتي ثمارها دائمًا بسرعة.

لكن دعونا نعد إلى العبء الواقع على الاستدامة ونحاول تجربة ذهنية سريعة، إذا كان التركيز على الاستدامة يؤدي إلى الإخفاق، فهل الشركات التي تركز فقط على أرباح المساهمين ناجحة دائمًا؟ بالتأكيد لا؛ فمعدل فشل الشركات مرتفع؛ فنحو 50٪ من الشركات الصغيرة تغلق أبوابها في غضون خمس سنوات تقريبًا. حتى بين عمالقة (Fortune 500) الفشل هو القاعدة، ومن قائمة عام 1955م نجا 60 منها حتى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولم ينقذ الهوس بقيمة المساهمين 88٪ من أكبر الشركات.

تؤكد جميع الشركات في مرحلة ما التركيز الاستراتيجي، ضع في حسبانك قائمة من الاستراتيجيات الأساسية التي اعتمدتها الشركات على مدى قرن: الإنتاج الضخم، والتخصص، وتميز المنتجات، والجودة، والسلامة، ورضا العملاء، وسعادة الموظفين، وتقليل التكاليف، وإعادة الهندسة، والتطوير المرن، واتخاذ القرارات القائمة على البيانات.

غالبًا ما تفوقت الشركات التي اعتمدت هذه الأمور على غيرها، لكن لم تكن أي من هذه الاستراتيجيات الأساسية هي العامل الوحيد في نجاحها.

تنجح الشركات وتفشل لأسباب متنوعة، ويمكن أيضًا أن تواجه قصص النجاح الأكثر شهرة، مثل تلك المذكورة في كتاب “Built to Last”. يحدث الانحدار عندما تفشل الشركات في التكيف مع التحولات القطاعية أو تتجاهل التحولات التقنية أو تفقد صلة العلامة التجارية عندما تفشل في جذب المستهلكين الأصغر سنًّا كجمهورها الأساسي، مصير مشترك للعديد من العلامات التجارية للأنسجة والسلع الاستهلاكية المغلفة.

إذن ما الذي حدث مع دانون؟ هل من الممكن أن تكون الاستدامة هي المشكلة؟ بالتأكيد، لكن ربما كان الأمر أكثر دقة، في كتابه “Purpose & Profit” حلل أستاذ جامعة هارفارد جورج سيرافيم أداء شركة دانون في وقت عزل الرئيس التنفيذي، ووجد أن الشركة كانت تتخلف عن أقرانها ليس فقط في النتائج المالية ولكن أيضًا في نتائج الاستدامة، كانت النيات والخطط قوية ولكن النتائج تأخرت، وخلص سيرافيم إلى أنه “ربما كان أداء دانون ضعيفًا بالرغم من تركيزه على التأثير، لأنه فشل في توليد تأثير كافٍ”. صحة هذا الاستنتاج هو ما يجب أن يُناقش بدلًا من مجرد إلقاء اللوم على مشكلات الشركة مع الاستدامة.

توقفوا عن إلقاء اللوم

الخبر السار هو أن الاستدامة يجب أن تكون الآن سائدة أو أن محبي لفت الانتباه لن يجدوها جديرة بالهجوم، لقد أصبحت جوهرية في كيفية إدارة الأعمال مع وجود أدلة في كل مكان؛ مثل زيادة اللوائح ومطالب الشفافية من أصحاب المصلحة وتقارير الاستدامة الصادرة عن كل شركة كبيرة والعديد من الدورات المضافة إلى مناهج كليات إدارة الأعمال على مستوى العالم.

نظرًا لانتشار جهود الاستدامة الحالية، ربما حان الوقت للقيام بشيء مناقض، هل يمكننا جعل الاستدامة في الأعمال التجارية أكثر أهمية من خلال خفض شدة التركيز عليها؟ ولكن هذا لا يعني التهاون بشأن القضايا التي تستند إليها الاستدامة؛ مثل تغير المناخ وعدم المساواة، ولكن بدلًا من ذلك تخفيف التركيز عليها. هل يمكننا تطبيع الاستدامة والتوقف عن إلقاء اللوم عليها في أي خطأ يحدث في الشركات ذات الغرض والرؤية؟ وهل يمكننا التوقف عن منحها الفضل في كونها العامل الوحيد الذي يدفع نجاح بعض الشركات؟ أنا على استعداد لتقديم تنازل، على سبيل المثال، شركة (Patagonia) المفضلة للاستدامة نجحت لأن لديها منتجات رائعة تدوم طويلًا، وثقافة تجذب الموظفين والعملاء.

حان الوقت لدمج الاستدامة حقًّا في الأعمال التجارية ومعاملتها مثل أي جزء آخر لا جدال فيه من العمليات، لا تحتاج الاستدامة إلى أن تكون كبش الفداء أو البطل، فيمكن أن تكون مجرد طريقة قوية لإدارة الأعمال والبقاء على صلة في عالم سريع التغير ومساعدة المجتمع والكوكب على الازدهار.

عن المؤلف

أندرو وينستون (andrewwinston @) هو خبير معترف به عالميًّا في كيفية بناء شركات مرنة ومربحة تساعد الناس والكوكب على الازدهار، وهو مؤلف مشارك لـ

Net Positive: How Courageous Companies Thrive by Giving More Than They Take (Harvard Business Review Press, 2021).


[1] التركيز الأحادي: التركيز على مهمة واحدة فقط لا غير ومحاولة إنجازها. 

مقالات ذات صلة