القائمة الرئيسية

دليل الشركات الكبيرة الاستراتيجي للتقنية المتقدمة

دليل الشركات الكبيرة الاستراتيجي للتقنية المتقدمة
ملخص المقال

يوضح المقال كيف يمكن للشركات الكبرى التعامل بفعالية مع التقنيات المتقدمة بوصفها محركًا أساسيًا للنمو التحولي والابتكار، من خلال إطار عملي من ثلاث خطوات يوازن بين الطموح والواقعية. تبدأ الخطوة الأولى بتقييم مدى إلحاح التحديات التي تواجه الشركة وقدرة التقنيات المتقدمة على معالجتها، كما في مثال صناعة الصلب الأوروبية التي تواجه ضغوطًا بيئية وتنظيمية متزايدة. وتركز الخطوة الثانية على قياس زخم الابتكار عبر نضج التقنية، وتكاملها مع تقنيات أخرى، واستعداد المنظومة الداعمة وأصحاب المصلحة، مع التمييز بين الابتكار الرقمي الذي يحسّن القائم، والتقنية المتقدمة التي تخلق نماذج جديدة كليًا. أما الخطوة الثالثة فتتمثل في اختيار الاستراتيجية الأنسب من بين أربع مقاربات: التمكين، أو إعادة التنسيق، أو الاستكشاف، أو المراقبة، بحسب مستوى الحاجة وزخم الابتكار. ويخلص المقال إلى أن النجاح في التقنيات المتقدمة لا يعتمد على حل واحد للجميع، بل على مواءمة واعية بين التحديات والفرص والقدرات، وبناء شراكات ومنظومات ابتكار تمكّن الشركات من تعزيز تنافسيتها والمساهمة في حلول ذات أثر اقتصادي ومجتمعي طويل الأمد.

ترجمة: أحلام الغامدي

بثلاث خطوات، يمكن للشركات الكبيرة التعامل مع النظم التقنية المتقدمة وتعزيز تنافسيتها ودفع الابتكار وخلق منتجات وخدمات جديدة.

فرانسوا كانديلون، وفينيت باتيل، وماكس مانيج، وجون باشكويتز

تُعد التقنيات المتقدمة التي تستفيد من الابتكارات التقنية الرقمية والمادية، محركًا رئيسًا للنمو التحولي في مختلف الصناعات، وتفتح هذه التقنيات آفاقًا جديدة للشركات بفضل قدرتها على معالجة التحديات المعقدة وإعادة تشكيل الأسواق، وتُمثل البيولوجيا التركيبية مثالًا حيًّا على هذا التأثير التحولي، وبحلول عام 2030م من المتوقع أن تشمل هذه التقنية ثلث الاقتصاد العالمي، ما يجعلها قوة دافعة وراء ابتكارات جديدة في العديد من القطاعات.

تُظهر صناعة الأدوية بوضوح كيف يمكن للتقنيات المتقدمة أن تحدث ثورة في القطاعات التقليدية، فنجاح اللقاحات المعتمدة على الحمض النووي ريبوزي الرسول (mRNA) الذي كان ثمرة عقود من البحث والتطوير والذي تطلب إصرارًا طبيًّا ومشاركة استراتيجية ودعمًا تشغيليًّا من الشركات القائمة مثل دخول (Pfizer) في لقاح يعتمد على الحمض النووي ريبوزي الرسول (mRNA) على نطاق واسع وتمكين نجاحه التجاري، وهذا يوضح كيف يمكن للشراكات بين الشركات الناشئة والشركات الكبرى تسريع وتيرة الابتكار وتحقيق قفزات نوعية في مجال الرعاية الصحية، ولقد أثبتت جائحة كوفيد-19 أن الشراكات الاستراتيجية بين الشركات الأكاديمية وصناعة الأدوية، مثل شراكة (Pfizer) معBioNTech) )، تلعب دورًا حاسمًا في تطوير حلول مبتكرة لمواجهة التحديات العالمية.


قمنا بتطوير دليل من ثلاث خطوات لتوجيه القادة في هذا المسار الشائك، ويعتمد هذا الدليل على الأسئلة التي تطرحها الشركات التي تتطلع إلى التعامل مع المنظومة التقنية المتقدمة، وعلى خبرتنا في عمل العملاء بالتقنية المتقدمة، والمناقشات مع المديرين التنفيذيين وملاحظات تجارب الصناعة والبحث الأكاديمي.

تركز الخطوتان الأوليتان على عاملين رئيسين، أولًا: الحاجة الملحة ومدى الضرورة التي تستدعي تبني التقنية الجديدة لحل تحدٍّ ما، ثانيًا: نضج المنظومة ومدى تقدم التقنية ووجود البنية التحتية اللازمة لدعمها، وسنستعرض هذين العاملين من خلال مثال صناعة الصلب الأوروبية، التي تواجه تحديات كبيرة في مجال الاستدامة وتبني التقنيات الجديدة مثل كثافة رأس المال العالية.

الخطوة الثالثة تتمثل في تحديد المسؤولين التنفيذيين للاستراتيجية الأنسب للشركة بناءً على تقييم العاملين السابقين، ولا يوجد حل واحد يناسب الجميع؛ نظرًا لأنه يمكن تطبيق إطار عملنا في صناعات مختلفة، فإن استراتيجيات التقنية المتقدمة الناتجة ستختلف حسب الشركة والصناعة، فكل شركة لها ظروفها الخاصة، وهنا سنستعرض أربع استراتيجيات نموذجية مع أمثلة من صناعات مختلفة لمساعدة القادة على اتخاذ القرارات المناسبة.

الخطوة 1: تقييم أهمية العمل على مواجهة التحديات

تدفع التطورات العالمية المتسارعة، مثل تغير المناخ والتوترات الجيوسياسية، الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها، إذ إن الحاجة الملحة لتطوير حلول تقنية متقدمة لمواجهة هذه التحديات لم تعد اختيارية بل ضرورة، ويسلط الرسم البياني التالي الضوء على العوامل التي دفعت صناعة الصلب الأوروبية نحو تبني هذه الحلول.

الابتكار التقني المتقدم

 يمكن للمديرين التنفيذيين قياس أهمية التحديات وقوة الابتكار في البيئة المحيطة باستخدام أسئلة محددة، وتقاس الأهمية بناءً على التحديات التي تواجهها الصناعة أو الشركة ومدى محدودية الحلول الحالية في معالجتها، ويبدأ قياس قوة الابتكار بتحديد التقنيات الجديدة وتقييم عوامل التقنية والأطراف المعنية.

تواجه صناعة الصلب الأوروبية، بصفتها مساهمًا رئيسًا في انبعاثات غازات الدفيئة، ضغوطًا متزايدة لتحويل منتجاتها إلى أكثر استدامة؛ لأن القطاع ينتج ما يقرب من 5% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الأوروبية، إذ أصبح من الضروري تطوير حلول مبتكرة لخفض انبعاثات الكربون المرتبطة بصناعة الصلب؛ لأن الخطط الحالية لإزالة الكربون من القطاع غير كافية لأنها لا تحقق هدف الصناعة لعام 2030م المتمثل في خفض الانبعاثات بنسبة 55% مقارنة بمستويات عام 1990م.


ولتقييم أهمية العمل على مواجهة تحديات التقنية المتقدمة يجب على القادة قياس تأثير التحديات، ففي صناعة الصلب الأوروبية يمكن أن يؤثر تسعير الكربون أو ضريبة حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي على القدرة التنافسية للصناعة، ويتوقع المحللون أن تصل أسعار الكربون الأوروبية إلى أكثر من 120 يورو (130 دولارًا) لكل طن من ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030م؛ إذا صحّت توقعاتهم، فإن تكلفة توريد الصلب الأوروبي من خلال التقنية الحالية ستزداد بشكل حاد بمجرد التخلص التدريجي من دعم الانبعاثات الكربونية[1].

يحد من قدرة الصناعة على مواجهة التحديات البيئية الاعتماد على التفاعلات الكيميائية الحرارية كثيفة الكربون في إنتاج الصلب، إلى جانب صعوبة التقاط الانبعاثات والقيود المفروضة على جودة الخامات، وهذا الأمر يجعل من الضروري إعادة تقييم النماذج الإنتاجية الحالية والبحث عن حلول مبتكرة.

يمكن للشركات، من خلال تطبيق منهجيات مثل إعادة تصور النموذج القائم، أن تستكشف فرصًا جديدة لإعادة تصور نموذج إنتاج الصلب، فبدايةً من تحديد الهدف النهائي، وهو إنتاج صلب مستدام بكفاءة عالية، يمكن رسم مسار واضح للانتقال من الوضع الحالي إلى المستقبل المنشود، على سبيل المثال يمكن لصناعة الصلب الاستفادة من الطلب المتزايد على مواد البناء المستدامة في أوروبا.

أعلنت العديد من الشركات الرائدة في صناعة السيارات والسلع الاستهلاكية عن أهداف طموحة لخفض انبعاثات نطاق 3، ما يضع ضغوطًا متزايدة على سلاسل التوريد لتلبية هذه المعايير الصارمة، ويشكل هذا التحول تحديًا كبيرًا لصناعة الصلب، حيث سيشهد الطلب على الفولاذ التقليدي تراجعًا حادًّا لصالح الفولاذ صديق البيئة.

بالنظر إلى هذه التطورات، فإن الحاجة إلى تطوير تقنيات إنتاج فولاذ نظيفة ومتقدمة أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فصناعة الصلب الأوروبية على سبيل المثال، تواجه تحديًا كبيرًا في خفض انبعاثاتها بشكل كبير خلال فترة زمنية قصيرة.

الخطوة 2: تقييم زخم الابتكار

تختلف التقنية المتقدمة عن الابتكار الرقمي بشكل جذري؛ فبينما يركز الابتكار الرقمي على تحسين العمليات الحالية وتطوير منتجات وخدمات جديدة، وتتناول التقنية المتقدمة تحديات أكثر تعقيدًا تتطلب تقارب جهود عدة تخصصات علمية، في حين يعتمد الابتكار الرقمي على سرعة الوصول إلى السوق واستغلال الفرص الأولية، تتطلب التقنية المتقدمة استثمارات مالية أكبر ومدة تطوير أطول، كما أن النظم اللازمة لتطوير التقنية المتقدمة أكثر تعقيدًا وتتطلب تعاونًا واسعًا، على عكس الابتكار الرقمي الذي يمكن أن يحدث ضمن مؤسسة واحدة، أي أن الابتكار الرقمي يتلخص في تحسين ما هو موجود، بينما التقنية المتقدمة هي عن خلق ما هو جديد تمامًا.

ولتقييم زخم الابتكار في مجال معين مثل صناعة الصلب، يجب تحديد الحلول التقنية المحتملة التي يمكنها معالجة التحديات القائمة. ففي صناعة الصلب يمكن أن تشمل هذه الحلول مسارات إنتاج جديدة تعتمد على الهيدروجين، مثل المسار الكهروكيميائي أو المسار الحراري صديق البيئة، نظرًا لتقدمها التقني وإمكانية تقليل انبعاثات الكربون بأكثر من 75%، وسنركز في هذا التحليل على تقنية التخفيض القائمة على الهيدروجين صديق البيئة، وللتقييم الشامل لزخم الابتكار في هذه التقنية، سننظر إلى عاملين رئيسيين، أولًا: التطور التقني. ثانيًا: تفاعل أصحاب المصلحة. يقدم الرسم البياني التالي نظرة تفصيلية على كيفية تقييم هذين العاملين في سياق صناعة الصلب الأوروبي.

توظيف التقنية المتقدمة في الصلب الأوروبي

تعتمد درجة الأهمية وزخم الابتكار على مجموعة من العوامل المتداخلة، وتصنيف هذه العوامل إلى فئات مثل: عالية ومتوسطة ومنخفضة. لذلك فإن تقييمهما يتطلب تحليلًا شاملًا يأخذ في الحسبان جميع هذه العوامل، وعلى الرغم من أن هذه النتائج الثنائية مثال جيد للتوضيح، فإنّ النتائج في العالم الحقيقي قد تمتد على نطاق واسع.

ولتقييم مدى دقة التقنية يجب النظر في عدة جوانب، أبرزها: حجم التقنية المادي ومرونتها والتكاليف الرأسمالية المرتبطة بها، بالإضافة إلى التعقيدات والمخاطر المحتملة. على سبيل المثال صناعة الصلب تتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة لزيادة إنتاج الحديد المختزل المباشر أو بناء مصانع صديقة للبيئة.

ولتحقيق أقصى استفادة من التقنيات الجديدة، يجب النظر في كيفية تقارب هذه التقنيات مع ابتكارات أخرى. على سبيل المثال، لتحقيق نجاح في استخدام الهيدروجين في صناعة الصلب، لا يكفي دراسة كيفية استخدام الهيدروجين بكفاءة فقط، بل يجب أيضًا التركيز على تطوير طرق إنتاج الهيدروجين صديق البيئة وبناء البنية التحتية.


وأخيرًا يجب تقييم زخم التقنيات المساندة ومدى استقرارها؛ لتسهيل التعاون والابتكار المشترك. فعلى سبيل المثال، يتطلب إنتاج الصلب بالهيدروجين توفر كميات كبيرة ومستقرة من الهيدروجين منخفض الكربون، ما يجعل تقنيات إنتاج وتوزيع الهيدروجين عاملًا حاسمًا في نجاح هذه التقنية.

يجب على المسؤولين عن تقييم التقنيات الجديدة أن ينظروا إلى دور أصحاب المصلحة في المنظومة، ففي صناعة الصلب الأوروبية من الصعب تبني تقنيات جديدة بسبب محدودية المرونة ورأس المال، رغم الحاجة إلى هذه التقنيات.

يجب تقييم مدى استعداد أصحاب المصلحة المختلفين لدعم هذه التقنية، ففي مجال صناعة الصلب قد يواجه الصلب المنتَج محليًّا منافسة شرسة من الصلب المستورد الأرخص، ما يتطلب التزامًا ثابتًا بأنظمة تعديلات حدود الكربون والمزيد من الدعم التنظيمي، ومع ذلك، قد تؤدي هذه القوانين إلى نتائج متباينة، حيث تشجع الأنظمة بعض المناطق على الابتكار بينما تحد منها في مناطق أخرى.

يلعب الدعم المالي الحكومي دورًا حاسمًا في دفع عجلة التقدم التقني وتقليل المخاطر التي تواجه المستثمرين في المشاريع من خلال مبادرات مثل مجلس الابتكار الأوروبي وصندوق الاستثمار الأوروبي، ما يشجع على زيادة حجم الاستثمارات الخاصة حيث جمعت الشركات الأوروبية الناشئة ذات التقنية المتقدمة ما يقارب 17.7 مليار دولار في عام 2022م.

يمكن للشركات التي تسعى لتطوير تقنيات متقدمة الاستفادة بشكل كبير من الدعم الذي تقدمه النظم للابتكار، مثل الحاضنات والمسرعات والجامعات، على سبيل المثال العديد من الشركات الأوروبية الرائدة في مجال التقنية المتقدمة، مثل (BioNTech) و(Climeworks) من (ETH Zurich) اللتين نشأتا في بيئة أكاديمية مدعومة بهذه السياسات.

يجب على المهتمين بتقييم هذه التقنية أن يتساءلوا عن مدى استعداد الأطراف المعنية في سلسلة الإنتاج للتكيف مع المتغيرات الجديدة. ففي صناعة الصلب مثلًا، يتطلب التحول إلى الهيدروجين صديق البيئة استثمارات كبيرة في مصادر الطاقة المتجددة والبنية التحتية اللازمة، ما يضع عبئًا كبيرًا على موردي الطاقة، وقد لا يشعر المستهلكون بفارق كبير في جودة المنتج النهائي، ما يقلل من الحاجة إلى تغيير سلوكهم.

وعلى الرغم من العدد الجيد للمشاريع الحالية والاهتمام الحكومي، فإن الزخم في تقنيات إنتاج الصلب القائمة على الهيدروجين يتضاءل بشكل كبير بسبب قصور المنظومة التقنية الحالية والحاجة إلى منظومة تقنية جديدة تحويلية ذات رأس مال ضخم، وبالتالي يمكن قياس زخم الابتكار من متوسط إلى منخفض كما هو موضح في هذا الرسم التوضيحي.

الخطوة 3: استراتيجيات إدارة التقنية المتقدمة

تُعد عوامل الحاجة وزخم الابتكار مؤشرات حيوية للمديرين التنفيذيين لتقدير التأثير المحتمل للتقنيات المتقدمة على صناعاتهم، ويمثل تقييم هذين العاملين خطوة أساسية قبل سَن أي استراتيجية للمشاركة الفاعلة في النظم التقنية المتقدمة. وتتغير الحاجة الملحة للتغيير وزخم الابتكار باستمرار مع ظهور تحديات جديدة وتحقيق إنجازات بحثية وتدفقات استثمارية ونمو الشركات الناشئة، حيث يتطلب كل تحدٍّ جديد نهجًا مختلفًا تجاه التقنيات المتقدمة.

عند تقييم مدى الحاجة الملحة لابتكار تقني جديد ومدى زخمه، يستطيع القادة التنفيذيون تحديد أفضل مسار لهم من بين أربع استراتيجيات رئيسة للمشاركة في هذا الابتكار، وسنستعرض مجموعة من الإرشادات التي يمكن للشركات العاملة في مختلف القطاعات الاسترشاد بها عند التفكير في تطبيق أي من هذه الاستراتيجيات الأربع المميزة.

  • يركز الممكنون على جاهزية التقنيات المتقدمة من خلال استثمارات كبيرة مع الاستفادة من النظم لتقاسم التكاليف والتنويع.
  • يعيد المنسقون اختراع أعمالهم الأساسية لتبني التقنية المتقدمة، والاستعداد لانتقال كبير وسريع، وبالتالي تنظيم التغيير نحو واقع جديد.
  • يستخدم الكشافة بشكل استباقي التقنية المتقدمة للتوسع في أسواق جديدة، وزيادة قيمتهم ووضع أنفسهم كقادة في ملعبهم الخاص.
  • يقر المراقبون بفرص التقنية المتقدمة ويقومون باستشراف المستقبل بحثًا عن الاضطرابات المحتملة.

مصفوفة النموذج الأصلي للتقنية المتقدمة

يعتمد زخم الابتكار في المنظمة بشكل كبير على مدى استعدادها لتبني التقنيات المتقدمة: يجهز الممكنون التقنيات بالاستثمارات والتكاليف المشتركة، ويتبنى المنسقون التقنية المتقدمة لتحويل صميم أعمالهم، ويستفيد الكشافة من التقنية المتقدمة في الوصول إلى أسواق جديدة، في حين يقوم المراقبون برصد اضطرابات التقنية المتقدمة المحتملة.


ممكنو التقنية المتقدمة
عندما ينخفض زخم الابتكار وتزداد التحديات الخارجية، يمكن للشركات أن تلجأ إلى استراتيجية المُمكّن. يتمثل دور المُمكّن في بناء وتطوير النظم البيئية للتقنيات المتقدمة، وذلك من خلال رعاية الشركات الناشئة وتحديد التقنيات الواعدة التي من شأنها إحداث تأثير ملموس في العالم الحقيقي.

ولتعزيز التقدم التقني في جميع مراحل التنمية، يتعين على الشركات تحديد العوائق التي تواجهها والتعاون مع الجهات المعنية الأخرى لتوسيع نطاق الحلول المبتكرة وتشجيع تبني الأنظمة الجديدة. ويتطلب ذلك بناء شراكات قوية للتعاون في البحث والتطوير أو تنفيذ مشاريع تجريبية تهدف إلى تعميم تقنيات محددة، فيجب على الشركات التركيز على معالجة التحديات الأساسية التي تواجه أعمالها والاستفادة من خبرات الشركاء لدفع عجلة الابتكار بشكل أكبر.

تعد شركة (SSAB) السويدية رائدة في مجال صناعة الصلب المستدام، حيث تعمل بالتعاون مع شركتي (Vattenfall وLKAB) على مشروع (Hybrit)، إذ يهدف هذا المشروع إلى تطوير عملية إنتاج الصلب التي تعتمد بشكل كامل على الهيدروجين، ما يقلل بشكل كبير من الانبعاثات الكربونية، ومن المتوقع أن ينتج هذا المشروع 1.2 مليون طن من الصلب سنويًّا بحلول عام 2027م. ومع ذلك، تواجه هذه العملية تحديات تتعلق بتوافر المحللات الكهربائية اللازمة لإنتاج الهيدروجين، لذا تستفيد (SSAB) من خبرتها الواسعة في هذا المجال لتطوير طرق أكثر فاعلية لاستخدام الهيدروجين في إنتاج الصلب، معتمدة في الوقت نفسه على شركائها لتوفير الطاقة المتجددة والمواد الخام اللازمة.

يُعد ابتكار نموذج الأعمال عنصرًا حاسمًا لتحقيق نجاح الحلول التقنية التي تؤثر على سلاسل القيمة بشكل واسع، فالشركات الرائدة مثل (Volvo) التي تسعى لتقديم حلول نقل كهربائية خالية من الكربون، تلجأ إلى شراء مواد خام مستدامة مثل الفولاذ صديق البيئة لدعم هذا التوجه. وبالإضافة إلى ذلك، تلعب السياسات الحكومية الداعمة، مثل استثمارات الاتحاد الأوروبي في التقنيات منخفضة الكربون، دورًا محوريًّا في تمكين مثل هذه التحولات النظامية.

منظمو التقنية المتقدمة

يُضطر القادة إلى التكيف والتفاعل مع التحديات الخارجية الملحة عندما تتطلب النظم الابتكارية المتقدمة ذلك، وتتطلب هذه الاستجابة إعادة تشكيل الشركة من خلال وضع رؤية طموحة وتخصيص الموارد اللازمة لتطوير حلول تقنية مبتكرة تحقق عوائد مالية مجزية.

تعد مجموعة هيونداي موتور (HMG) مثالًا حيًّا على الشركات التي تسعى إلى إعادة تشكيل صناعة السيارات لتلبية التحديات البيئية. فبدلًا من الاكتفاء بصناعة السيارات التقليدية، تطمح هيونداي إلى أن تكون مزودًا متكاملًا لحلول التنقل، حيث تقدم خدمات جديدة وتبني بنية تحتية داعمة. وتدرك هيونداي أهمية الابتكار الخارجي، حيث تستثمر في شركات ناشئة واعدة في مجال التنقل مثل (Metawave وSolidEnergy Systems)، لتعزيز قدراتها التقنية.

ولتحقيق نجاح الحلول التقنية المتقدمة، يجب على الشركات التعاون مع مجموعة واسعة من الأطراف المعنية بدءًا من المنافسين وصولًا إلى الموردين والموزعين لبناء منظومة عمل مشتركة، وهذا يتطلب إنشاء منصات مفتوحة وتبادل البيانات والمعرفة. كما فعلت مجموعة هيونداي موتور (HMG) التي قامت بإنشاء منصات مفتوحة المصدر لعلاماتها التجارية، ما سمح لشركائها بالوصول إلى كم هائل من البيانات وتطوير حلول مبتكرة.

يمكن للمنسقين من خلال قدراتهم تسريع وتيرة انتشار الحلول التقنية، مثل منح الشركات الناشئة إمكانية الوصول إلى مرافق التصنيع. وهذا النهج يسهم في تسهيل التعاون بين مختلف الأطراف المعنية وتسريع الوصول إلى السوق، فعلى سبيل المثال تعمل شركة (HMG) على دمج روبوتات (Boston Dynamics) مع الذكاء الاصطناعي الخاص لتطوير حلول ذكية لعمليات التصنيع.


كشافة التقنية المتقدمة
يمكن للشركات التي لا تواجه ضغوطًا خارجية ملحة لتغيير أنظمتها وتتمتع بقدرة ابتكارية عالية وتواكب التطورات التقنية الجديدة كذلك أن تعتمد استراتيجية استباقية في تبني التقنيات المتقدمة، وتبدأ هذه الاستراتيجية باستبدال التقنيات الحالية بحلول تقنية أكثر حداثة، وبذلك تستفيد الشركات من بيئة الابتكار وسهولة الحصول على الحلول التقنية، ما يقلل من المخاطر ويعزز العائد على الاستثمار.


من الأفضل أن تتولى الشركات أو الحاضنات المتخصصة مهمة تقييم المخاطر التقنية المرتبطة بعوامل أخرى، حيث يمكنها تقديم تحليل أعمق لهذه المخاطر وتقليلها. ونظرًا لصعوبة هذه المهمة فيجب على الشركات أن تمتلك فرقًا متخصصة في الاستثمار والبحث والتطوير، وأن تكون تلك الفرق قادرة على تقييم التقنيات الجديدة وتحديد الفرص الاستثمارية الواعدة، مع الأخذ في الحسبان التكاليف والفوائد المحتملة.

ولتعزيز التعاون وتسريع وتيرة الابتكار، يمكن للشركات تبني استراتيجيات شراكة متنوعة، مثل تأسيس شراكات بحث وتطوير مشتركة، أو استثمار رأس المال في شركات ناشئة، أو الدخول في صفقات استراتيجية كعمليات الدمج والاستحواذ. هذه الشراكات، وخاصة تلك الحصرية التي تركز على تقنيات محددة، يمكن أن تكون مفيدة لكلا الطرفين. فعلى سبيل المثال، تعاونت (Unilever) و(Geno) لتطوير بديل نباتي لزيت النخيل، وهذا يعكس كيف يمكن للشركات الكبرى والشركات الناشئة أن تستفيد من هذه الشراكات لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

مراقبو التقنية المتقدمة
إذا كانت الشركات تواجه ترددًا في تبني التقنيات الجديدة، فإن مراقبة التطورات التقنية من كثب يمكن أن يكون خيارًا على الرغم من مخاطرها المتزايدة. ويمكن لفرق القيادة الاستباقية أن تسهم في هذا الجهد من خلال البحث المستمر عن فرص تطبيق التقنيات الناشئة، وهذا يساعد على توقع التغيرات التي قد تحدث في السوق والتقليل من مخاطر التقاعس عن العمل، وبالتعاون مع الشركاء مثل المؤسسات الأكاديمية والحاضنات والبائعين والموردين يمكن للشركات بناء نظم مراقبة فاعلة بتكلفة أقل.

وعلى الرغم من الابتكارات التقنية المتسارعة في صناعة الوجبات السريعة، فإن هذه الابتكارات لم تحقق بعد تقدمًا ملموسًا في تقديم خيارات غذائية عالية الجودة وبأسعار معقولة ومتاحة على نطاق واسع، بينما شهدنا تطورات تقنية في مجال اللحوم النباتية والروبوتات المخصصة للطهو مثل التقنيات التي طورتها شركة (Miso Robotics)، فإن التأثير التجاري لهذه الابتكارات على مستوى صناعة الوجبات السريعة بأكملها لا يزال محدودًا.

قد لا تكون التقنيات المتقدمة حاليًّا قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للنمو والاستدامة والربحية التي تسعى إليها بعض القطاعات. فقطاعات مثل البناء وإدارة المياه والنفايات تواجه تحديات كبيرة بسبب القيود التنظيمية وقلة الخيارات التقنية المتاحة، ومع ذلك فإن التغييرات في اللوائح أو ظهور تقنيات جديدة يمكن أن تحفز الاستثمار في هذه القطاعات. على سبيل المثال يعدّ التعدين الحضري[2] مجالًا واعدًا للاستثمار بسبب الطلب المتزايد على المعادن المستخدمة في البطاريات، ولكن المستثمرين الذين يبحثون عن عوائد سريعة قد يجدون صعوبة في تقييم وتبني هذه التقنيات الناشئة.

لا يمكن اعتبار الاستراتيجيات التقنية المتقدمة المذكورة في هذه المقالة حلولًا جاهزة لكل الشركات، فبعض الشركات قد تختار تبني هذه التقنيات لمواجهة التحديات المستقبلية بينما قد تعطي شركات أخرى أولوية للمسائل قصيرة الأجل، كما أن الموارد المطلوبة لتنفيذ مثل هذه الاستراتيجيات تختلف بشكل كبير من شركة إلى أخرى.

يمتلك العديد من العاملين في مجال الابتكار مهارات وقدرات فريدة اكتسبوها عبر سنوات من الخبرة، مثل توسيع نطاق عمليات التصنيع أو الوصول إلى الأسواق، ونتيجة لذلك أدركوا أهمية هذه الميزة، وسعَوا لاستخدام التقنيات الحديثة لتطوير منتجات وخدمات مبتكرة ذات قيمة تجارية عالية.

يعتمد اختيار الاستراتيجية التقنية المناسبة على أهداف الشركة وطموحاتها ومدى حاجتها للتغيير وطبيعة البيئة المحيطة بها. فمن خلال اختيار الاستراتيجية الصحيحة، يمكن للشركات الحالية تجنب الفشل وتعزيز نجاحها المستمر والمشاركة في تطوير حلول مبتكرة تسهم في تطوير العالم.

عن المؤلفين

فرانسوا كانديلون، هو شريك أول ومدير إداري في مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) والمدير العالمي لمعهد BCG Henderson، حيث يركز بحثه على تأثير التقنيات على الأعمال والمجتمع. فينيت باتيل هو قائد مشروع في BCG وسفير سابق في معهد BCG Henderson. ماكس مانيج، هو قائد مشروع في BCG وسفير في معهد BCG Henderson. جون باشكويتز هو شريك ومدير مشارك في BCG وعضو أساسي في فريق Deep Tech التابع لشركة BCG X.


[1] دعم الانبعاثات الكربونية: تصريحات تصدرها الحكومات للشركات تسمح لها بإطلاق كمية معينة من غازات الدفيئة دون عقوبة (المترجمة).

[2] استخراج المواد الأولية الثانوية مما يسمى “التجمعات البشرية”، أي المواد الأولية المستخدمة من قبل الناس في تشييد المباني والبنى التحتية والسلع الاستهلاكية أو من مدافن ومكبات القمامة والخردة. وإعادة الاستخدام تساعد في المحافظة على الموارد الطبيعية في الأرض. (المترجمة)

مقالات ذات صلة