القائمة الرئيسية

لماذا لا يكفي الابتكار وحده؟

لماذا لا يكفي الابتكار وحده؟
ملخص المقال

المقال يوضح أن الابتكار التقني المذهل في مجالات الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، البلوك تشين، السيارات ذاتية القيادة، والهندسة الوراثية لا يضمن نجاحًا اقتصاديًا أو انتشارًا واسعًا في السوق بمفرده، إذ يعتمد النجاح على تبني التكنولوجيا واستثمار الموارد والبنية التحتية المناسبة وفهم تعقيدات الأسواق وسلوك المستهلكين. يبيّن ثيودور كيني، مستندًا إلى خبرات وأمثلة تاريخية مثل فشل «جوجل جلاس» ومشاريع البالونات، أن الفشل جزء طبيعي وأساسي من عملية الابتكار، وأن الحماس التقني وحده لا يكفي لتجاوز العقبات السوقية والتنظيمية، بل يتطلب عملًا متواصلًا، محاولات وتجارب متكررة، وتخطيطًا دقيقًا لتكييف الابتكار مع واقع الأسواق المعقدة والمتغيرة باستمرار، مؤكّدًا أن الفجوة بين التقنية الواعدة والمنتج القابل للتسويق لا تُسد إلا بالعمل الجماعي المتفهم للظروف الاقتصادية والبنية السوقية الراهنة.

ثيودور كيني

الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وسلاسل الكتل، والصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، والسيارات ذاتية القيادة، والهندسة الوراثية… انفجارٌ غير مسبوق من الابتكار يحيط بنا، ولا يكاد يتجلى هذا الضجيج في مكانٍ كما يتجلى في العالم المؤسسي. ومع ذلك، يشير فريدريك إريكسون وبورن ويغل، في كتابهما «وهم الابتكار: كيف يُنتَج القليل على يد كثيرين يعملون بجد؟» (دار نشر جامعة ييل، 2016م)، إلى مفارقة لافتة: ففي اقتصادات الغرب الرأسمالية يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي والإنتاجية والاستثمار المؤسسي، رغم أن خطاب الابتكار يبدو في ذروته.

ويربط إريكسون وويغل – وكلاهما من مركز أوروبا للاقتصاد السياسي الدولي، وهو مركز أبحاث اقتصادي – هذه المفارقة بما يسمّيانه «الرأسمالية الرمادية»، و«الإدارة المؤسسية المفرطة»، و«العولمة من الجيل الثاني»، و«التنظيمات المعقّدة». ويذهبان إلى أن هؤلاء «الفرسان الأربعة لانحدار الرأسمالية» قد دفعوا الشركات الكبرى إلى الخمول وتجنّب المخاطرة، فصارت البيئة مشبعة بالابتكار في ظاهره، لكنه لا يترجم – في النهاية – إلى كامل طاقته من العائد الاقتصادي.

وفي المقتطف التالي، يذكرنا المؤلفان بأنه بالرغم من أن الابتكارات قد تنتج شركات ناشئة عملاقة (Unicorns) تثري المؤسسين وأصحاب رؤوس الأموال المغامرة (VCs)، فإنها لا تستطيع دفع التقدم الاقتصادي الشامل بمفردها.

مقتطف من الفصل الثامن من كتاب “وهم الابتكار: كيف يُنتَج القليل من قبل الكثيرين العاملين بجد؟” (دار نشر جامعة ييل، 2016م) لفريدريك إريكسون وبورن ويغل

رغم أنه من السهل أن ينبهر المرء بما تبتكره مختبرات العلوم الحديثة ومبتكرو التكنولوجيا، فإن الدرس الرئيس من تاريخ الاقتصاد هو أن الفائدة الاقتصادية للتكنولوجيا الجديدة، لا ترتبط بذلك. القوة الاقتصادية للابتكار تنبع أساسًا من تبنيه، لا من ابتكاره. واعتماد التكنولوجيا يتطلب موارد استثمارية، وروح ريادة الأعمال، وأسواقًا ديناميكية. وقد تحرك الاقتصاد الغربي في الاتجاه الخطأ في جميع هذه الجوانب الثلاثة.

لكي تُعتمد التكنولوجيا على نطاق واسع، لا يكفي أن تُخترَع؛ فلا بد أن يتولى أحدهم نقلها من المختبر إلى السوق. وغالبًا ما يتطلب هذا الانتقال رفع الاستثمارات وزيادة الإنفاق الرأسمالي حتى يصل الابتكار إلى الجمهور. فلكي تصبح تقنية «الصوت عبر بروتوكول الإنترنت» التقنيةَ المهيمنة في الاتصالات الهاتفية، يلزم – على سبيل المثال – استثمار ضخم في بنية اتصالات عالية السرعة. وينطبق المنطق نفسه على رأس المال البشري: فإذا استُحدِث أسلوبٌ جراحي جديد لعلاج السرطان، فلا جدوى منه ما لم يُستثمر في إعادة تدريب الجراحين والممرضين قبل أن يجني المرضى ثماره. وحتى في نقاش الاحتباس الحراري، لا تتمثل العقدة الأساسية في نقص المعرفة أو غياب التكنولوجيا القادرة على خفض الانبعاثات جذريًا، بل في حدود رأس المال؛ إذ يستغرق تقليل انبعاثات الكربون وقتًا أطول بسبب كلفة الانتقال، والقيود العملية التي تمنع استبدال رأس المال القديم بالجديد بسرعة.

لهذا، لا ينبغي توقّع نجاحٍ كبير لمجرد ظهور فكرة أو تقنية أو ابتكار، مهما بدا براقًا. فحتى حين لا تقف التكاليف الغارقة عائقًا أمام الشركات، لا يتحول شيء إلى منتجٍ أو خدمة قابلة للتسويق من دون جهدٍ كثيف، وقليلٍ من الحظ. إن نجاح الابتكار ليس وصفة سريعة، ولا هبة تُلقى على الشركات من الخارج؛ بل هو حصيلة طريقة عمل الشركات والأسواق معًا، وحصيلة قدرة المؤسسة على حشد مواردها وتوجيهها نحو الابتكار.

صحيحٌ أن رجال الأعمال يستطيعون التأثير في أدائهم، لكنهم لا يملكون التحكم في الأسواق وتقلباتها. ولو كان التحكم في السوق ممكنًا، لأصبحت إخفاقات الأعمال مجرد مسألة اختيار. والابتكار الذي يتكئ على مزاياه التقنية أو المؤسسية وحدها لا يمتلك، في الغالب، القوة الكافية لاختراق السوق؛ فالسوق أعقد من أن تُخترق بمجرد «تفوقٍ» نظري، وأشد تشابكًا من أن يستجيب تلقائيًا لمنطق الكفاءة وحده.

خذ على سبيل المثال نظارة غوغل (Google Glass). لقد اهتز الجو في منطقة خليج سان فرانسيسكو بتوقعات متحمسة عندما انتشرت الأخبار بأن هذا المنتج سيصدر قريبًا. كان العرض البصري المثبت على الرأس شبيهًا بشاشة الويب اللاسلكية من إريكسون (Ericsson Cordless Web Screen) التي ابتُكرت قبل خمسة عشر عامًا؛ “الشيء الكبير المقبل”. وإذا جربت زوجًا منها، فستعلم أنها رائعة إلى حد ما. لقد ذهبت غوغل أبعد بكثير مما فعلته إريكسون عندما بدأت بيع النظارات في مايو 2014م. ومع ذلك، فشلت غوغل وأُوقف الإنتاج بعد أقل من عام على الإصدار، وذلك ببساطة لأن المبيعات لم تكن كافية.

في أعقاب هذا الخطأ العلني، شرح أسترو تيلر (Astro Teller) -رئيس المختبر البحثي المعروف آنذاك باسم جوجل إكس (Google X)- أن الشركة أخفقت بسبب “عدم توضيحها للجميع أن ما طُرِح لم يكن سوى نموذج أولي للنظارات الذكية، وأن كثرة الدعاية السلبية كانت حقًّا السبب الذي أدى إلى سقوط جوجل جلاس (Google Glass)”. الفشل يحدث -كل يوم- والتوسع المبكر غالبًا ما يكون وصفة شائعة للكوارث. ولكن الأمر هنا يتعلق بجوجل، وهي شركة تمتلك موارد شبه غير محدودة للتخطيط والتحضير؛ فهي بارعة في التعامل مع وسائل الإعلام، ونطاقها في السوق لا يُضاهى، ما دفع كثيرين للتساؤل كيف سمحت الشركة بحدوث فشل بهذا القدر من العلنية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتعثر فيها مشروع لجوجل لأسباب تبدو متوقعة. فعلى سبيل المثال، كان مشروع لون (Project Loon) فكرة لتوفير خدمات الإنترنت عبر بالونات تحلق بالقرب من الفضاء. وقد فشل المشروع لأن التسربات منعت البالونات من البقاء محلقة مدة كافية. وإذا نظرنا في سجلات التاريخ، نجد أن مشكلة التسربات كانت مألوفة لدى مجتمع الطيران بالبالونات منذ أكثر من مئة عام، إن لم يكن أكثر. وقد وقع حادث مذهل في عام 1897م، حين فشل المغامر السويدي إس. أ. أندريه (S.A. Andrée) ورفاقه في عبور القطب الشمالي بوساطة بالون هيدروجين بسبب هذه المشكلة. ولو لم تحدث تلك التسربات، لكانوا رواد الرحلات بالبالونات عبر القطب. وبدلًا من ذلك، ربما قضوا نحبهم على يد الدببة القطبية في أثناء محاولتهم العودة سيرًا على الأقدام. ولحسن الحظ، لم يكن على موظفي جوجل إكس (Google X) القلق بشأن الدببة الجائعة، وظلوا موجودين ليخرجوا بالاستنتاجات الصحيحة من هذا الفشل. وبالنسبة لأسترو تيلر، كانت البالونات المتسربة تجربة جيدة ودروسًا في عملية التجربة والخطأ في الابتكار وتطوير الأعمال. وقد خلص إلى القول: “أحيانًا تكون أكثر حالات الفشل إثارة للاهتمام هي تلك التي لا تتوقعها، خصوصًا عندما تكون شيئًا تظن أنه سيكون الجزء الأسهل من المشروع، ويتبين أنه الأصعب بدلًا من ذلك”.

الفشل التقني ليس إلا أحد التحديات التي تواجه الابتكارات الجديدة؛ إذ يتعين على التقنيات الحديثة أن تكافح من أجل مكان لها في السوق. خذ على سبيل المثال الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية — سوق وتقنية يراهما كثيرون، على نحو غريب، غير معقدتين كثيرًا. مع ظهور تقنيات الدفع الرقمي، عُدّت المحفظة الإلكترونية في البداية تحديًا جوهريًّا لسوق المدفوعات. وكان يُظن أن شركات بطاقات الائتمان وغيرها من المؤسسات الراسخة، التي تعتمد النظام القديم للدفع، ستواجه مستقبلًا عسيرًا أو ربما لا مستقبل لها على الإطلاق، وكان يعتقد أن الحرس القديم ليست لديه مقاومة تُذكر عندما تظهر فجأة طرائق جديدة وأذكى للدفع. وأصبحت المحفظة الجلدية شيئًا من الماضي؛ وكل ما يحتاج إليه المستهلكون هو هاتف ذكي. ومع ذلك، لا تزال شركات الدفع التقليدية قائمة، ولا يبدو أنها ستتحول إلى مجرد هامش في سجل التاريخ الاقتصادي. بل على العكس، يبدو أن مستقبلها مشرق إلى حد بعيد.

والسبب في ذلك هو تعقيد السوق؛ فقد طورت شركات بطاقات الائتمان، التي ظهرت في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، أعمالها في بيئة صعبة من المستخدمين والتجار المحافظين، وهم يتعاملون مع عادات قديمة، ومسائل أمنية، وانفعالات، وثقافات دفع مختلفة. واضطرت منذ البداية إلى ابتكار نماذج أعمال تقدم قيمة، وتجاوزت تلك النماذج مجرد استخدام البطاقات البلاستيكية؛ فالبطاقات البلاستيكية هي ابتكار قدمته أمريكان إكسبرس (American Express) عام 1959م، ما جعل الدفع أكثر سهولة. وهكذا نما هذا القطاع من خلال خلق قيمة، بالإضافة إلى العمليات المالية الفورية للأفراد وأصحاب المتاجر. وأي شركة تدخل هذا العالم وهي تعتمد فقط على التقنية، فلن تحقق تقدمًا كبيرًا.

أُعلنت أول محفظة إلكترونية شاملة عام 2000م. ومن المرجّح أن يتوسع استخدام المحافظ الرقمية في السنوات المقبلة، غير أنّ تحقيق قيمة حقيقية ومستدامة يتطلب من شركات هذا المجال أن تتجاوز كونها مجرد مزوّدين للتقنية؛ إذ إن الاكتفاء بالدور التقني وحده يُبقيها أسيرة موقع محدود داخل سلسلة القيمة. ولهذا السبب، يعمل كثير من الوافدين الجدد إلى قطاع المدفوعات اليوم ضمن هياكل السوق القائمة بدل السعي إلى قلبها رأسًا على عقب. وحين سُئل عن ذلك، أوضح ويل وانغ غريلين، الرئيس التنفيذي لشركة «لوب باي» – وهي شركة محفظة رقمية تركّز على واجهة التفاعل بين التجار وشركات بطاقات الائتمان – في حديثه لمجلة MIT Technology Review قائلًا: «فكّر في البنية التحتية وكم استغرق بناؤها من وقت؛ من الصعب جدًا تغيير سلوك التجار». ولا أحد يعلم على وجه اليقين كيف سيتطور هذا السوق، غير أن ما سيحسم مستقبل النجاح فيه ليس التقنية وحدها، بل تفاعل الأسواق والمنافسة وسلوك المستهلكين.

وينطبق المنطق نفسه على تقنية واعدة أخرى مرشحة لإحداث أثر كبير في أسواق المدفوعات، هي تقنية سلسلة الكتل (blockchain)، أو ما يُعرف بتقنية السجلات الموزعة المتبادلة، كما في حالة «بيتكوين». فالسوق ترى بوضوح الإمكانات الكبيرة لهذه التقنية، من حيث قدرتها على خفض التكاليف والمخاطر في المعاملات، وخلق أنظمة أكثر كفاءة لتبادل المعلومات في الأسواق المالية. وقد ذهب بعضهم إلى وصفها بأنها قفزة تقنية تفوق الإنترنت أثرًا في أسواق رأس المال. وربما يكون هذا التقدير في محلّه، غير أن الضجة المحيطة بالتقنية تبدو سابقة لأوانها، كما أن التوقعات بتحولات جذرية في السوق لا تزال أقرب إلى التطلّع منها إلى الواقع.

فقد خلصت دراسة أُجريت عام 2016م حول كيفية تعامل الفاعلين في السوق مع تقنيات السجلات الموزعة إلى أن «فهم هذه التقنية متأخر كثيرًا عن حجم الضجيج المثار حولها». ويجادل مؤلفو الدراسة بأن التقنية تواجه ما وصفوه بـ«الجمود الزائد»، إذ يظل مستخدموها مقيدين بالبنى السوقية القائمة. كما أشاروا إلى سمة متكررة في مقاومة التقنيات الجديدة، مفادها أن «الدوافع الربحية الفردية لا تكون قوية بما يكفي لاعتماد معيار أو تقنية أكثر كفاءة، حتى لو كان هذا الاعتماد سيقلل التكاليف على مستوى الصناعة ككل».

تُبيّن جميع هذه الأمثلة أنه لا وجود لتقنية متفوقة تجتاح الأسواق بسهولة ودون عناء. إن ما هو مطلوب حقًّا هو كثير من العمل الجاد، وتكرار عمليات المحاولة والخطأ، وامتلاك النفسية التي لا تسمح للأخطاء بأن تؤثر سلبًا. بالنسبة لشركة جوجل (Google)، يجب أن تستثمر خبرات البالونات المتسربة والعملاء غير الراضين عن النظارات في تطوير الجيل التالي من البالونات والنظارات، أو ربما مشاريع مختلفة تمامًا. وستفشل جوجل، كغيرها، بالتأكيد في المستقبل، ومن المأمول أن يحدث ذلك، لأن الفشل جزء من عملية الابتكار. فمن دون الفشل، لن يُبتكر شيء جديد حقًّا. ويقال إن أمن الطيران “كُتب بالدماء”. وبالمثل، فإن تاريخ الابتكار ممتلئ بمحاولات الأعمال التي انتهت بالفشل.

تزداد الأسواق تعقيدًا يومًا بعد يوم بسبب التخصص العمودي والأفقي، وتلاقي عمليات المحاولة والخطأ المستمرة مع أجيال من التقنيات والتقاليد وقيم العملاء. وتُقسّم سلاسل القيمة بشكل متزايد إلى أجزاء أصغر، واليوم، تقف حصون الشركات المدعمة جنبًا إلى جنب، لتحمي أراضيها السوقية وحدودها المؤسسية. أما التقنيات الجديدة التي تمتد عبر عدة مناطق وأراضٍ وتخصصات، فغالبًا ما تكون مسيرتها بطيئة، لأن الوافد الجديد عليه أن يهاجم كل حصن ليؤسس موطئ قدم له. وتضيف التكاليف الغارقة طبقات إضافية من التعقيد تعرقل الابتكار القابل للمنافسة. ويجد البعض جاذبية في البحث عن التبسيط، وكلما قلّت معرفة المرء بالسوق وقيمة الأعمال، بدا الأمر أكثر سهولة. وهنا غالبًا ما تخطئ تحليلات أنصار عصر الآلة الجديد (New Machine Age)، إذ يبسطون الأمور أكثر من اللازم ويتجاهلون واقع كيفية هيكلة الأسواق وأماكن توليد الشركات للقيمة. ويميلون إلى التركيز فقط على ما يُرى على سطح الأسواق. ويقارنون التقنيات كأنها موجودة في فراغ. لكن التقنيات التي تفشل أو تنجح في النهاية، إنما تفعل ذلك بفعل العوامل الاقتصادية.

وليس هذا أمرًا جديدًا؛ فالمجتمعات لطالما كان لديها ميل لتجاهل تعقيدات الأعمال والأسواق، وربما يرتبط ذلك بنزعة الاستعجال، أو عادة تفضيل الإجابات السريعة والسهلة على تلك الطويلة والصعبة. لكنّ هناك عاملًا آخر يؤدي دورًا: عادة غريبة في عدِّ آراء المبتكرين ورواد الأعمال أحكامًا نهائية بشأن ما أكانت تقنيتهم الجديدة ستنجح أم لا. فهناك أمور، كما كتب المؤلف هيلمار سودربيرغ (Hjalmar Söderberg) ذات مرة، ” وحده الخبير يزعم أنه يفهمها… لأنها في الواقع لا تُفهم”، وهناك منطق مشابه في عالم المبتكرين وتقنياتهم؛ فالذين يقتربون كثيرًا من التقنية معرضون للانجراف وراءها. وكما يعلم كل من له خبرة في بناء الأعمال، فإن ريادة الأعمال تزدهر بالحماس، لكن هذا الشعور ذاته غالبًا ما يقف عائقًا أمام التحليل السوقي الرصين؛ فغالبًا ما يبالغ رواد الأعمال في إنجازاتهم التقنية، ويميلون إلى تبسيط العقبات التجارية. وعندما يُسألون عن ابتكارهم، يروّجون له قدر استطاعتهم، وأحيانًا يقنعون المستمعين غير المتمرسين بأنهم تقدموا أكثر مما فعلوا فعليًّا. والجانب السلبي للحماس أنه يجعل رواد الأعمال متحيزين، وغالبًا ما يعميهم عن عيوب منتجاتهم ونماذج أعمالهم. وكما في العلاقات العاطفية الأخرى، يبدو كل شيء مختلفًا في عالم الشركات عندما تبلغ العواطف ذروتها. والأهم من ذلك، أن الحماس يجعل رواد الأعمال غافلين عن تعقيد السوق والفجوة بين الابتكار والمنتج الملائم للسوق.

ولا يساء فهمنا؛ فحماس رواد الأعمال هو بالضبط السبب الذي يجعل المجتمعات تقدرهم وتشجعهم؛ فغالبًا ما يكون رواد الأعمال غير مدركين لفرط حماسهم لأنهم واقعون في حب المنتجات التي يروّجون لها، أو الشركة التي يديرونها. ولو لم يكونوا كذلك، لما تجاوزت شركات جديدة كثيرة عامها الأول؛ فالحماس هو الذي يدفعهم للتضحية بالوقت مع الأسرة والأصدقاء أو إهمال مصالحهم الخاصة، ووضع أموالهم وسمعتهم على المحك.

عندما تصل التقنيات إلى الأسواق لأول مرة، نادرًا ما تكون جيدة حقًّا، لأن الأسواق ليست بتلك البساطة أبدًا. ونتيجة لذلك، تصبح خطط الأعمال المتعلقة بكيفية تطوير المنتجات الجديدة معقدة للغاية، في أفضل الأحوال. يرى أستاذ إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد جورج فوستر (George Foster)، معارضًا النظرة الساذجة لنجاح السوق، أن “عالم عصا الهوكي”، حيث ينطلق النمو بانعطافة سلسة إلى الأعلى كهيئة عصا الهوكي، “هو مجرد خيال”. ففي العالم الواقعي، تمر الشركات الناشئة بكثير من التقلبات الحادة، أشبه بلعبة الأفاعي والسلالم السريعة. وله الحق في ذلك، إذ حلّل بيانات 158,000 شركة ناشئة، وتبيّن أن نحو ثلثيها قد شهد سنة أو أكثر من التراجع المتتالي في الفترة بين السنتين الثالثة والخامسة من عمرها. خلف تلك الأرقام، تختبئ جحافل من رواد الأعمال يقاتلون تعقيدات السوق في كل يوم.

خذ على سبيل المثال السيارات ذاتية القيادة (driverless cars). الاستماع إلى الضجة الحالية قد يجعلك تظن أنك ستتمكن قريبًا من امتلاك إحداها وقيادتها تلقائيًّا. لكن تطوير تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة مستمر منذ عقود، ومن منظور السوق، لم يحرز تقدمًا كبيرًا بعد. لم تتجاوز نسبة السيارات المبيعة في عام 2015م التي احتوت على حلول الاتصال المدمجة (embedded connectivity solutions) عشرين بالمئة. ويعتقد محللو الصناعة أن الأمر سيستغرق سنوات عديدة قبل أن تتوفر البنية التحتية اللازمة لجعل هذه السيارات شائعة الاستخدام؛ فشركة الاستشارات التجارية أليكس بارتنرز (AlixPartners)، على سبيل المثال، ترى أن “البنى التحتية للقيادة الذاتية على مستوى البلاد قد لا تتوفر قبل عام 2035م”، وذلك التوقع يفترض أن قضايا المسؤولية القانونية المعقدة ستكون قد حُلّت بحلول ذلك الوقت، ما يسمح للأسواق بالتطور دون حواجز قانونية كبيرة.

سيكون الاقتصاد العالمي في حالٍ أفضل بكثير لو ظهرت المركبات الذكية وغيرها من الابتكارات الجذرية بوتيرة أسرع. فالتطلع إلى ابتكارٍ فوري رغبةٌ مفهومة ومحمودة، غير أنها تصبح رفيقًا سيئًا حين نريد فهم آليات عمل الأسواق – أو الرأسمالية بمعناها الأوسع – في زمننا الراهن. إن «عقيدة عصر الآلة الجديد» تتجاوز هذه الحقيقة، وتكاد تفترض أن ثمة طريقًا سهلًا ومباشرًا يمتد من مختبر التقنية إلى السوق.

وهي، وإن كانت تمجّد رواد الأعمال وشغفهم، لا تلتقط التعقيد الفعلي لريادة الأعمال ولا تشابك الأسواق. فقراءة السوق مهمة شاقة، فضلًا عن القدرة على المناورة داخله، حتى لدى أمهر الرواد. ثم إن السوق لا يعمل بمنطقٍ أحادي؛ إنه يحتضن ويقصي في الوقت نفسه، ويتغير ويقاوم التغيير في آن، ويبدو ثابتًا في بعض جوانبه بينما يتبدّل بلا توقف في جوانب أخرى. ومن ثمّ، لا يكفي أن يولد الابتكار كي ينجح؛ فمجرد الظهور لا يضمن النفاذ ولا الاستقرار، ولا يختصر الطريق في سوقٍ دائم التشكل والتحول.

مقالات ذات صلة