ترجمة أبرار اللهيبي
أسواث داموداران
تمر كل الشركات بدورة حياة، تبدأ من كونها شركة ناشئة، حتى النمو والنضج، وصولًا إلى التدهور والانهيار. وبما أن رؤية القادة لشركاتهم وهي تنهار أمر غير محبذ، فإن أفضل استجابة للموقف هي تقبل حدوث هذا الأمر والعمل على إدارة الشركة بما يعكس عمرها الفعلي. وهناك عدة عوامل تحفز الشركات لمحاربة الشيخوخة، وقد يعد النجاح واحدًا منها، إذ يرجع بعضها إلى علم النفس: يُنظر عادةً إلى تقلص الشركة بوصفه فشلًا، في حين يعد نموها دليلًا على النجاح. كما تنبع الأسباب الأخرى من الحوافز الإدارية؛ إذ قد يحقق المديرون مكاسب شخصية من خلال اتخاذ رهانات منخفضة الاحتمالات وعالية المردود، باستخدام أموال الآخرين.
التجديد والإصلاح والنهضة
ينبغي على الشركات محاربة الشيخوخة قبل وصولها إلى مرحلة يجب فيها تقبل النضج أو التدهور، إذ توجد ثلاث طرق يمكن للقادة بها الحد من عملية الشيخوخة: التجديد وهو محاولة إصلاح ما بقي من الشركة لإحيائها مرة أخرى، والإصلاح من خلال توسيع مجال الشركة إلى أسواق ومنتجات جديدة، والنهضة بتغيير توجه الشركة على أمل إعادة ضبط عمر الشركة.
في عملية التجديد، يمكن للشركة أخذ إجراءات تمتد من التحسينات الشكلية إلى التعديلات الجوهرية الملموسة، وقد تشمل هذه الإجراءات تغيير الاسم التجاري للشركة ليعكس امتداد المنتجات الجديد، كما فعلت شركة Boston Chicken عندما غيرت اسمها إلى Boston Market لتعكس مزيج منتجاتها المتنوع، أو إعادة بناء العلامة التجارية مثل ما فعلت شركة Philip Morris Companies عندما تحولت إلى Altria في محاولة للابتعاد عن ارتباطها بمنتجات التبغ المسببة للسرطان. وتُمثل هذه التغييرات تحسينات استراتيجية تهدف إلى تقديم تحول في التركيز للمستثمرين والمستهلكين للشركات التي قد تواجه مستقبلًا انخفاضًا في النمو.
قد تشمل عملية التجديد أيضًا جهودًا في إعادة التسويق أو إعادة تسمية العلامة التجارية للمنتجات الحالية، كما فعلت شركة Abercrombie & Fitch، عندما تحولت في التسعينيات من علامة تجارية للملابس إلى وجهة تسوق مفضلة للشباب في مراكز التسوق، وقد تتضمن أيضًا إجراءات إعادة تصميم المنتجات والخدمات لجعلها أكثر جاذبية لمختلف فئات العملاء.
تضع معظم الشركات التي تواجه تباطؤًا في النمو خططًا للتجديد، ورغم أن بعضها يحقق النجاح، إلا أن العديد منها ينتهي دون نتائج ملموسة تفسر العديد من الملايين أو المليارات التي أُنفقت عليها. ولا بد من أن تكون جهود التجديد حقيقية وليست شكلية فقط، ومبنية على تحسينات تشغيلية تضيف قيمة فعلية تتمكن الشركة من تحقيقها بنجاح. قد تفشل خطط التجديد إذا حدث تراجع في القطاع ككل، وليس مجرد الشركة وحدها، وفي مثل هذه الحالات، قد تصبح خطط التجديد متشابهة بين الشركات في القطاع نفسه، مما يثبت عدم فاعليتها. وتزيد احتمالية تحقيق النجاح عندما تكون الخطط مبتكرة وتستند إلى نقاط قوة فريدة تتميز بها الشركة عن غيرها. وأخيرًا، قد تؤدي بعض جهود التجديد إلى تنفير العملاء الحاليين بينما تحاول الشركة جذب عملاء جدد، مما يخلق تأثيرًا سلبيًّا خالصًا على الشركة.
يتطلب الإصلاح جهدًا أكبر في التغيير، كما تعد تكلفة العمل عليه أكبر من عملية التجديد، إلا أن الإصلاح يحقق نتائجَ أفضل إذا ما عُمل عليه بصورة صحيحة. وتشمل عملية الإصلاح التوسع في المنتجات أو تقديم الخدمات؛ الانتشار الأوسع في مناطق جغرافية جديدة، أو تغيير التوجه إلى نماذج جديدة. ومن أنجح الأمثلة على عملية الإصلاح، هي توسع صحيفة نيويورك تايمز لتشمل الخدمات الرقمية، وتحول شركة Adobe إلى نموذج يتطلب الاشتراك. والخطأ الذي ترتكبه العديد من الشركات عند تحديد أهداف التطور هو التركيز المفرط على حجم السوق بدلًا من التركيز على ما تمتلكه من نقاط قوة فريدة تسمح لها بالاستحواذ على حصة ملموسة في السوق المستهدف. جدير بنا أن نتأمل هذا الأمر المهم، خصوصًا مع انتشار مجال الذكاء الاصطناعي، ورغبة كل الشركات في تطوير استراتيجية لتحقيق الأرباح فيه.
أما بالنسبة لعملية النهضة، فهي إعادة بناء الشركة لتشكيل كيان جديد مختلف كليًّا عن نشاطها الأوليّ، إذ توجد شركات نجحت في تحقيق هذا الأمر وتغلبت على تحديات دورة حياة الأعمال، وقاومت التدهور، وأعادت بناء الشركة بنجاح. فشركة IBM وأبل هما من أهم الشركات التي حققت هذا النجاح، حيث قامت شركة IBM التي فقدت مكانتها بصفتها شركة رائدة في تصنيع الحواسيب الشخصية في الثمانينيات، بإعادة إحياء الشركة في التسعينيات كشركة تقدم خدمات حاسوبية وأبحاثًا بشكل مربح ومستقر. وشركة أبل بعد معاناتها مع الأزمة عام 1997م، عندما فقدت حصتها السوقية في الحواسيب الشخصية، عادت لتتصدر قائمة القيمة السوقية في عام 2012م، مستفيدة من النجاح الساحق لجهاز آيفون. وتعد هذه الشركات استثناء وليست قاعدة. ومن العوامل التي ساهمت في تحقيق نجاح عملية النهضة تقبل هذه الشركات لفكرة أن الطرق القديمة لم تعد مجدية، والحاجة لوجود قادة تغيير في مقدمة فريق الإدارة، مثل لو جيرستنر في IBM وستيف جوبز في أبل، وخطة تغيير مبنية على نقاط قوة الشركة، والاستعداد لإحداث تغيير جذري في المشاريع القائمة، أو إلغائها مع جرعة من الحظ.
إذا لم تحقق الشركات النجاح عبر تطبيق أي من استراتيجيات التجديد والإصلاح والنهضة، أو إذا لم تكن أي منها قابلة للتطبيق، يجب على الشركة تقبل دخولها في مرحلة النضج المتأخر أو التدهور. فعند قبول الشركة لهذه المرحلة، سيقوم مديروها بتكييف الاستثمار والتمويل وتوزيع الأرباح بما يتناسب مع عمرها، حتى لو انتهى بهم الأمر في تحقيق نمو منخفض أو معدوم أو حتى سلبي، أو أدى في النهاية إلى زوالها. فإن السعي وراء النمو لمجرد النمو أو الاستمرار لمجرد البقاء، لا يمثلان النهاية المثالية لأي عمل تجاري.
دليل مرحلة القبول
يجب على إدارة الشركة قبول مرحلة الشركة العمرية، وإعادة تعريف معايير النجاح والفشل لتسمح لها بالتقدم في العمر بخفة. يجب على الإدارة العليا والرئيس التنفيذي لشركة ناضجة أو في مرحلة تدهور، أن تتبنى عقلية تختلف تمامًا عن تلك التي يتبناها نظراؤهم في الشركات الناشئة التي لا تزال في وقت مبكر من دورة حياتها.
إذا أدرك فريق إدارة الشركة مرحلة الشركة العمرية، يمكنهم بعد ذلك الانتقال للخطوات التالية:
رواية تتناسب مع المرحلة: سيقدم فريق الإدارة المُتقبل للحقيقة قصة تعكس مرحلة الشركة العمرية في دورة حياتها. ففي حين كانت الشركة في مرحلة النضج، فقد تدور القصة حول نمو منخفض مع توقعات متفائلة بشأن الهوامش والعوائد. أما إن كانت في مرحلة التراجع، فستركز القصة على تقليص قاعدة الأصول وتصغير حجم الشركة استجابةً لتقلص السوق.
ثبات سياسة الاستثمار: سيكون فريق إدارة الشركة الناضج الذي يحكي “قصة عمل في طور النضج” جديرًا بالثقة، إذا ما ابتعد عن القيام بعمليات استحواذ كبيرة أو الاستثمار في أعمال جديدة.
ثبات التمويل والعائد النقدي: في المراحل العمرية المتقدمة للشركات، تحتاج الشركة إلى تحويل سياساتها التمويلية وتوزيع الأرباح من عدم الاعتماد على الديون في المراحل الأولى، إلى تحمل المزيد من الديون في مرحلة النضج، ومن الاعتماد على التدفق النقدي من الأسهم في المراحل الأولى، إلى تقديم أرباح كبيرة وإعادة شراء الأسهم في مرحلة النضج.
المستثمرون الذين يتبنون الرواية نفسها: عندما تتصالح الشركات مع مرحلتها العمرية، فإنها بذلك تجذب مستثمرين يتفقون مع التوجه نفسه، مما يُسهل الحفاظ على سياسات متسقة ومنطقية. وفي المقابل، ستنفر هذه الشركات المستثمرين الذين لا تتوافق تفضيلاتهم مع ما يمكن للشركة تحقيقه في هذه المرحلة، حتى لو أدى ذلك إلى انخفاض أسعار أسهمها على المدى القريب. وإن الشركات التي تسعى لجذب مستثمرين يتوقعون ما لا يمكن للشركة تقديمه، غالبًا بسبب امتلاك هؤلاء المستثمرين رأس مال، فإنها تضع نفسها في مواجهة الفشل والخِلاف.
تسهل إدارة الشركة وتقل نسبة الخطأ عند قبولها لمرحلتها العمرية، ومع ذلك، يبقى هذا القبول صعبًا للعديد من الشركات، حيث ينكب المديرون على وضع الخطط والتصرف بطريقة لا تتماشى مع مرحلة الشركة العمرية، ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، منها: الملل، والأمل، والحوافز، أو ضغط الأقران. علاوة على ذلك، يعتمد جزء كبير من دخل المستشارين الإداريين والمصرفيين على إقناع الشركات بأنها تستطيع عكس عملية الشيخوخة، ودفعها للعمل بناءً على هذا الاعتقاد.
إن قلة الأمثلة على الشركات التي تكيفت مع مراحل النضج أو التراجع في دورة حياتها واتخذت قرارات تتماشى مع ذلك، تشهد على قوة العوامل التي اتحدت ضد عملية القبول. حتى في القطاعات التي يبدو فيها التراجع جليًّا لا جدال فيه، تسعى الشركات الفردية إلى تحقيق النمو، رغم أن هذا النمو قد لا يتحقق أبدًا. وأحد الأمثلة البارزة على شركة واجهت هذه المشكلة هي شركة Severstal، شركة روسية لتصنيع الصلب، حيث استجابت لانهيار الربحية في صناعة الصلب العالمية من خلال تصفية جزء كبير من أصولها غير الروسية بين عامي 2011م و2016م، لتصبح شركة أصغر، ولكن أكثر ربحًا.
لا يتحقق القبول في معظم الشركات إلا بعد محاولتها لوضع خطط طموحة لاستعادة نموها وعكس عملية الشيخوخة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك شركة General Electric، التي كانت تتمتع بتاريخ نجاح حافل عند دخولها القرن الحادي والعشرين؛ حيث كافحت على مدار هذا القرن لتحقيق النجاح في قطاعاتها المتعددة المنتشرة عبر مناطق جغرافية مختلفة. تولى جيف إميلت زمام الأمور في الشركة عام 2001م، خلفًا لسلفه الأسطوري جاك ويليش المسؤول إلى حد كبير عن بناء الشركة، فشعر بالضغط ليس لمجرد الحفاظ على سلامة الشركة فحسب، بل لمواصلة مسار الاستحواذ والنمو الذي عمل عليه ويليش. وبحلول عام 2017م، بدا جليًّا أن الشركة تتجه للانهيار بعد تنحيه عن منصب الرئيس التنفيذي، وتطلب ذلك عامين آخرين من المعاناة التشغيلية لتعلن الشركة بعد ذلك خططها للتقسيم وتحولها لشركات أصغر.
تزيد احتمالية رفض الشركات التصرف بما يتناسب مع مرحلتها العمرية إذا كانت في مرحلة النضج أو التراجع، أو يديرها مديرون لا يتحملون مخاطر شخصية كبيرة، أو تواجه قدرًا بسيطًا من ضغوط المستثمرين تجبرها على تغيير مسارها.
اتخذ قرارك
بوصفك مديرًا للشركة عليك التعامل مع ما تمتلكه ليس ما تتمنى امتلاكه، فإن كنت محظوظًا بما يكفي فستتولى قيادة شركة ذات نموٍّ عالٍ، وتمتلك مزايا تنافسية قوية وسوقًا متناميًا، مما سيتيح لك فرصًا أسهل لتحقيق النجاح التشغيلي، بعكس إدارة شركة مقبلة على التدهور، حيث تعاني من ضعف في المزايا التنافسية وتثقلها الديون.
كما تتوقع الأسواق المالية في الوقت نفسه أداءً من الشركات ذات النمو القوي، أعلى بكثير من الشركات التي تمر بمرحلة التدهور، وبالتالي قد يجد مديرو الشركات في مرحلة التدهور تحقيق توقعات المستثمرين أكثر سهولة.
تجد الشركات نفسها أمام قرار مصيري في المراحل المتأخرة من النضج، أو عندما تكون على حافة التدهور، والخيار الأنسب لكلتا هاتين المرحلتين هو القبول، حيث يوفر أفضل الفرص وأقل الطرق تعقيدًا، يتكيف معه المديرون مع حقيقة أن الشركة في مرحلة النضج أو التدهور ويتصرفون وفقًا لذلك. ومع ذلك، فإن العديد من الشركات ستبحث عن مسارات بديلة تهدف إلى إيقاف شيخوخة الشركة أو ما هو أفضل من ذلك، عكس عملية الشيخوخة. وبالرغم من محدودية فرص النجاح، إلا أن الشركات التي تعتمد على نقاط قوتها في محاولات التجديد أو الإصلاح أو النهضة تمتلك فرصة أكبر لتحقيق نتائج إيجابية.
