إن قيادة التغيير التنظيمي باتباع قواعد الإدارة التقليدية لأمرٌ صعب ويغلب عليه الإحباط، وقلما تنجح وتستقر هذه المساعي. ويُحسِّن المديرون التنفيذيون المطامح لتحويل المؤسسات التقليدية ذات النمط الهرمي والأقسام المنعزلة بعضها عن بعض، إلى مؤسسات أدعى إلى التغيير والتعاون والابتكار؛ مؤسسات ذات رؤية واضحة مكتملة الأركان تحاول إشاعة رؤيتها وإلهام الموظفين لبذل ما يستطيعون لتحقيقها، غير أنها غالبًا ما تلحظ مقاومة الناس للتغيير، وحتى لو وافقوا على ضرورة التغيير والحاجة، فنادرًا ما يحقق النهج التسلسلي (من المدير لموظفيه) مشاركةً فاعلة والتزامًا بالرؤية الجديدة.
لقد أدركنا في تجاربنا الواسعة وما جهدنا في تعلمه ومعرفته عن مشاريع التحول التنظيمي في شركات كثيرة، أن فكرة التحول الواسع يمكن أن ترهق الموظفين وتشكك في قدرتهم على النجاح في الهيكلة الجديدة، ولكننا تنبهنا لأمر؛ وهو أن اتباع نهج يراعي مكامن القوة للأفراد لتشكيل فرق متنوعة وإدارتها، قد يُلْزِم الموظفين بالتحول. كما قد يساعد هذا النهج في تخفيف القلق والإرهاق، وزيادة التعاون واحتواء الكل، وتجاوز الأشكال الهرمية والوظيفية. ويُسهم هذا النهج في إبراز أشخاص ذوي سلطةٍ ومقدرة على التغيير، يُسهمون في تحقيق هدفٍ مشترك وطموحٍ عنانه السماء بدلًا من أشخاص يعانون التغيير، ويساورهم العجز والخوف.
تسهم كل هذه المخرجات في تعزيز ثقافة الابتكار في المؤسسات، شريطة أن تستمر المؤسسات في تكييف المخرجات مع المتغيرات في الأسواق، وتلبية متطلبات أصحاب المصلحة الجدد. وقد أدركت زميلتنا (ليندا) على مدى عقود من البحث في مجال قيادة الابتكار، وعرفت أن الأمر لا يتعلق بإلزام الناس بما تفعله وجرّهم معك للمستقبل، بل بحثّهم على المشاركة معك في تحقيق الأمور القادمة،[1] وسنشرح في هذه المقالة منهجنا الذي اشتغلنا به، والنتائج والتأثيرات التي لاحظناها، وما تعلمناه في هذه التجربة.
المرونة والشجاعة أمران لا غنى عنهما
نمتلك خبرة دقيقة ومتخصصة في قطاع علوم الحياة التنافسي، الذي يجد فيه القادة إشكالًا عويصًا يتمثل في الحاجة إلى تعزيز قابلية وقدرة الشركات على التغيير وتوسيع مجال الابتكار وتسريع رتمه. وقد حاولنا جاهدين في كل مؤسسة لتقوية الأساس الممكن للتحول بتركيزنا على شعار ”الأثر أساس النجاح“، والتشارك مع الموظفين في تحديد الغاية والرؤية وأهداف التأثير الاستراتيجي. وقد أدركنا أن تنفيذ هذه الرؤية يعني تبني نهج ابتكاري أكثر تنظيمًا وذي استقلالية وحرية في القرار، مستفيدًا من قدرات كل فرد وجهده، وسنحتاج تحديدًا إلى إشراك الموظفين الأكثر قربًا من العملاء في حل المشكلات والقرارات.
لم يكن متوقعًا من الأفراد من مختلف المستويات الوظيفية في إحدى المؤسسات، أن يحلوا المشكلات ويبتكروا حلولًا لها، فلم يشجعهم أحد على ذلك، ولم يكن معظمهم يؤمن بالابتكار كجزء من وظيفته. لقد تبدّلت حالهم الآن، فيتوقع منهم في أي وقت أن يصيغوا الأسئلة الصحيحة، ويفترضوا الاحتمالات المستقبلية، ويحللوا البيانات ويمحصوها للوصول إلى رؤى مفيدة، ويثقوا بحدسهم عند انعدام البيانات أو قلتها، وكان لا بد لهم من الثقة بقدراتهم لتحصيل حلول متنوعة، كما كانوا بحاجة إلى الشجاعة في التعبير عن أفكارهم عند اختلاف الآراء والنقد البناء.
إن افتراض أن الموظفين سيصبحون قادة قادرين على تطوير فرقهم وتمكينها من إعادة إنتاج العمل نفسه يُعدّ تحولًا جديدًا يثير الكثير من التساؤلات والمخاوف لدى عدد من العاملين. فكثير منهم اعتادوا أن تُملَى عليهم المهام وطريقة تنفيذها، وهو ما يجعل الانتقال إلى أسلوب أكثر استقلالية أمرًا مربكًا بالنسبة إليهم ، وكانت هناك شكوك متزايدة ناتجة عن انعدام الثقة في الوظيفة، وتغير الهياكل والأدوار، والحاجة إلى تبني تقنيات جديدة؛ أي إنهم لم يضمنوا مكانهم في المنظمة مستقبلًا. والتصرف الاعتيادي للبعض في هذه الحالة الانطواء ومصارعة الحياة، غير أن الصحيح أن يتشجعوا ويخوضوا الصعاب ويقبلوا الأمر ويصرحوا بما في صدورهم. ولعل السؤال المطروح في هذا السياق: كيف يمكننا زرع مثل هذا الأسلوب القيادي المتطور في مختلف المستويات، وتمكين الأفراد من إبراز أفضل مواهبهم وقدراتهم؟
لكي نكسب اشتغال الموظفين وانخراطهم في أمور التعاون والتجريب والتعلّم، كان لزامًا علينا مساعدتهم لإدراك الأثر الذي يمكن أن يتركوه واكتساب الثقة التي يحتاجون إليها للمبادرة وصياغة القرارات، مع شعورهم بقدراتهم وقواهم على تسيير الأمور وتغيير مسارها. لقد ألهمنا هذا الهدف إلى صياغة أساس منهجنا الذي سمّيناه: إدارة الأداء المرتكز على مكامن القوة.[2]
تكوين فرق عمل متعددة ترتكز على مبادئ الإدارة المبنية على مكامن القوة
ترتكز منهجية (غالوب) التقليدية المبنية على استثمار مكامن القوة في تطوير الموظفين، على تحديد مكامن التفوق عند الأفراد وتعزيزها، بدلًا من التركيز على دعم وجوه الضعف وعدّها “فرصًا للتطوير”.[3] ويميل الموظفون إلى اتباع هذه الاستراتيجية لتمكينهم وتوفير أساس متين للتطور والتغيير، على عكس الاستراتيجية التي يغلب عليها تثبيط العزائم، وتعتمد على توجيه الموظفين لتحديد أوجه القصور ومعالجتها.[4]
طلبنا من الموظفين في إحدى المؤسسات إكمال تقييم (غالوب) لمكامن القوة، ووضع خطط تطوير فردية لتحديد ما يجيدونه من أمور بالتشاور مع مديريهم الأقربين، فعملوا على تحديد ما يميز الفريق من مكامن قوة، وتصنيفها في مكامن إضافية وأخرى متنوعة. كما شجعناهم على استغلال الفرص ودعم الزملاء بالاستفادة من أوجه القوة عند كل الموظفين. وفي مؤسسة أخرى، استفدنا من النتائج والرؤى المستخلصة من أداة تقييم مكامن القوة في تنظيم ورش عمل شهرية لفرق المشاريع، ناقشنا معهم كيف يمكن توظيف مهاراتهم المميزة في أدوارهم الوظيفية والقيادية، ثم أوضحنا لهم سبل الاستفادة من نقاط القوة المكمّلة لبناء فرق أكثر تماسكًا وفاعلية.
فعند تكوين الفرق، طلبنا من قادة المشاريع التفكير في كل المهارات ومكامن القوة اللازمة، لتحقيق الأثر المرجو بما أنها ترتبط بأولوية عمل محددة رُسِمت سلفًا عند صياغة الاستراتيجية. وقد تكونت الفرق بمواءمة مكامن القوة عند الأفراد المتاحين مع ما يلزم من مكامن لتحقيق الهدف، بما في ذلك تأكيد ضرورة وجود نقاط قوة متنوعة وتكميلية عند كل فريق. كما تدرّب قادة المشاريع على الإشادة بمكامن القوة عند أعضاء الفريق وإبرازها في الاجتماعات، ما أسهم في إدراك قدرات الآخرين وتأكيد مراعاة مكامن قواهم. لقد تحدثنا مع القادة الذين شاركوا في هذه التجربة والذين أثنوا عليها، لأنها بيّنت لهم أهمية تنوع الآراء والخبرات والتجارب، كما فطنوا لما يجب عليهم فعله لضمان ارتياح الموظفين عند طرح آرائهم المختلفة وحثهم على الإبداع في العمل والتفكير، مما أعانهم للاستعداد لقيادة فرق العمل البارعة التي بيّنّا معالمها وأوصافها في منهجيتنا.
تسخير مكامن القوة لتكوين الهوية
لقد قررنا أن نجعل الفرق المبنية على مكامن القوة لبنةً لقيادة الابتكار، ولبنةً فيما بعد للتحول، ساعين “لتغيير العالم مرحلة تلو أخرى”، كما وصف ذلك المؤلف بيتر بلوك،[5] أي إننا أدركنا أن علينا تغيير الخطاب الجماعي بدءًا بفرد وفريق؛ وهكذا دواليك. ومع ذلك، فإن هذه الفرق ستتطلب مستوى جديدًا من التعاون لم يعتده موظفونا، ولم يكونوا مستعدين له في ثقافة أكبر تُركز على المنافسة. وقد كان ممكنًا كذلك أن يؤدي إنشاء فرق متعددة الوظائف ومتعددة التسلسل الهرمي، مع أهميتها والحاجة إليها، إلى خلافات قد تعرقل مسألة التحول الإداري. غير أن تكوين الفرق على أساس مكامن القوة المتنوعة والإضافية كان له بالغ الأثر.[6]
أولًا، أدرك كل عضو في الفريق سبب وجودهم فيه، وعرفوا قيمتهم وقدرهم في الفريق لأن كل فرد كان يعرف نقاط قوته، ما ساعدهم على معرفة ما جلبه الأعضاء الآخرون للفريق أيضًا من مكامن القوة الأخرى، ليدركوا قدر أولئك الأعضاء ويعرفوا جهودهم القيّمة ويزيد من رغبتهم في التعاون معهم، فانخرطوا جميعًا في العمل مستثمرين مكامن القوة، دون أن يلجوا في خلافات الرأي، ما ساعدهم في معرفة كنه النقاش وتفاصيله وموضوعه: النقاش الإبداعي الذي أبرز نتائج وقرارات أجود وأحسن كمًّا وكيفًا.[7]
ولتمكين هذا النقاش، ركزنا على الجانب الاجتماعي لمكامن القوة، وحرصنا على دمجها في هوية منسوبي المؤسسة بأساليب بسيطة؛ مثل الطلب من جميع الموظفين إضافة مكامن قوتهم إلى توقيعاتهم في بريدهم الإلكتروني، وقد دفعهم ذلك إلى الاهتمام –بحسن نية ودون نزعة تنافسية– بالتعرّف إلى نقاط القوة لدى زملائهم. كما طلبنا أيضًا من الفرق التفصيل في مكامن قوى الفريق وتدوينها، لإبراز مجموعة مكامن القوى المتنوعة والإضافية في الفريق، وطلبنا من جميع الموظفين والمديرين أن يركزوا على ملف نقاط القوة لكل موظف، ليكون نصب أعينهم وفي صميم اجتماعات تطوير الموظفين، كما سمّينا هذه الاجتماعات “جلسات تجويد المستقبل” للتركيز على مستقبل الأمور وإتقان مكامن القوة.
كانت الفرق تضم عادةً أشخاصًا من مختلف المستويات، لأنها تشكلت منذ البداية اعتبارًا للقدرات التكميلية لأعضائها، ما ساعد الشركة على البدء في تفكيك عقد التسلسل الهرمي وحلقاته في الثقافة التنظيمية التي منعت الناس من الإدلاء بآرائهم المختلفة. فتبني شعارات داعمة مثل القول لكل فرد: “نحترم قدراتك وصفاتك (ولا نحاول تحسينك)”، أو مخاطبته بهذه العبارة: “نريد أن تستفيد مما تجيده”، تغرس الثقة في نفوس الأفراد وتحفزهم للمساهمة؛ فتثمين نقاط القوة عند الآخرين غرسٌ للإيمان بفوائد التنوع -في المهارات والخبرات والآراء- ما أدى إلى تعزيز احتواء الجميع ودفع الناس إلى الاستماع إلى الآخرين والرغبة في التعلم ودون حواجز. ولا تكفي تهيئة الظروف وطمأنة الناس للحديث عن آرائهم لإحراز تقدمٍ في حل المشكلات؛ بل تجب أيضًا تهيئة الظروف لتعزيز إنصات الناس لما يقوله الآخرون.
ما لاحظنا وعرفنا وتعلمنا من أمور
لقد حفّزتنا الآراء الحسنة وما باح به الموظفون من مدح وثناء في نهاية المشروع، وازداد فخرنا بما لمسناه من حماسة وتفاعل وعمل ومشاعر صادقة، ما أثبت لنا مبكرًا أن التحول التنظيمي أمرٌ لا بد من نجاحه، فقد كان للنهج المبني على تحديد مكامن القوة، بالغ الأثر في تشكيل وقيادة فرق العمل، ما زاد في مشاركة الأفراد والمساهمات الجماعية في جميع المؤسسات التي طبقنا فيها هذا النهج. فمثلًا، في جلسات العمل التي نظمناها، بدأ المديرون الثانويون، الذين كانوا في السابق ينتظرون بصمت من كبار القادة حسم القرارات والعمل على تحجيم الأضرار، بالتعبير عن توقعاتهم والإفصاح عن أفكارهم. والعجيب أننا عرفنا بتبني المديرين الثانويين أساليب عمل جديدة أسهل مما اشتغل به بعض كبار القادة. كان لهذا الأمر أثرٌ في تكوين رغبة جامحة للتغيير تبدأ من أدنى مستوى في المؤسسة لأعلى مستوى، ما سرّع بأمر التغيير مما لو كان الأمر من أعلى مستوى في المؤسسة لأدنى مستوى. وقد أسهم هذا النهج في تمكين المديرين الثانويين ذوي المنهج التقدمي، وعزّز شعورهم بالقدرة على التصرف أكثر مما اعتادوه.
لقد ركز هؤلاء المديرون على مكامن القوة للموظفين، ما أشعرهم بالطمأنينة والشجاعة للتعبير عن أفكارهم، كما أحسوا بالتمكين لتسخير قدراتهم ومواهبهم، وزاد في ثقتهم وحماستهم للتعلم وكثرة العمل والتعاون طواعيةً مع غيرهم. لقد لاحظنا زيادة في المساءلة الشخصية وقبول الملاحظات، وتطورًا في العقلية التسامحية، وحماسة الموظفين للتعلم والتنمية، ولمسنا حماسةً جماعيةً بين الفرق للعمل والإيمان بالقدرات والمواهب، وسلوكًا صادقًا لاحتواء الكل، وتعاونًا عن طيب خاطر.
لقد نظّمنا منتديات متنوعة -مثل: لقاءات مفتوحة واجتماعات افتراضية على مستوى الشركة والأقسام والمجموعات- لجمع الموظفين وتنظيمهم في مجموعات كبيرة وصغيرة لإشراك الكل في مناقشة رحلة التحول المؤسسي؛ ففي بعض اجتماعاتنا، شارك أكثر من ألفي موظف عن بعد، الأمر الذي نعزوه إلى ارتفاع مستويات الثقة التي اكتسبوها من النهج القائم على تحفيز مكامن القوة.
وبطبيعة الحال، مع بداية الإقطاعيات الوظيفية في التفكك، فَقَدَ ملاكها سلطتهم، وقاوم بعضهم هذا التحول. لقد عرفنا أنه في أثناء الانشغال بهذا النوع من التحول، يجب على المرء ألا يقيّم مكامن القوة فحسب؛ بل يجب أن يقيّم مدى استعداد القادة لتبني التغيير، ومن ثم إنجازه والانشغال به. لا تؤجل القرارات الحرجة، بما في ذلك الاستغناء عن القادة المعارضين للتحول، ومن لا يرغبون في تحقيقه؛ فضرر استمرارهم في وضع العقبات أمام التحول ضررٌ بيّن ويمكن تجنبه.
كان للاعتماد على مكامن القوة آثار أوسع وأبعد فيما يخص إدارة المواهب. وقد أكّدنا أهمية مكامن القوة عند تحديد الأدوار وتوظيف الأشخاص، وركزنا على مكامن القوة عند تأهيل الموظفين الجدد لتعزيز هذه الثقافة. كما شدّدنا أيضًا على مكامن القوة لدى الموظفين وعددناها أمرًا أساسيًّا لصياغة القرارات المتعلقة بتغيير الأدوار والترقيات، ومفاد هذه الإجراءات رسالة قوية بأن مكامن القوة أهم أمر يجب التركيز عليه، ما ساعدنا في كسب ثقة غالبية الموظفين بأننا ملتزمون حقًّا بإبراز أكثر القدرات تميزًا عند الأشخاص.
ولأن منهج التركيز على نقاط القوة يهدف أساسًا إلى دعم البنية القائمة على فرق العمل المكلّفة بتنفيذ المبادرات الاستراتيجية، لا المهام الوظيفية اليومية، فقد كان من الضروري أن نطوّر مقاربة مختلفة لإدارة المواهب. فأصبحت بعض الوظائف مراكز امتياز يتمثل دورها في استقطاب الخبرات وتطويرها وتنميتها، ومن ثم دمج هذه المواهب ضمن فرق المبادرات الاستراتيجية عند حاجة جهة التوظيف إليهم. كما بدأ مفهوم (تكوين سوق داخلية للمواهب) بتحفيز الموظفين على التعلم والارتقاء بمهاراتهم والاستثمار في تطويرهم، لمواكبة الأمور والمواضيع الجديدة في مجال عملهم.
ولأن الناس ركزوا، في تلك المرحلة، على نقاط قوتهم ولم يكترثوا بإخفاء ما لا يعرفونه أو لا يجيدونه، فقد قبلوا فرصًا جديدة للتعلم، وبدؤوا يتطوعون في مشاريع وأدوار جديدة، فغشيتهم الطمأنينة، وبدؤوا يؤمنون بواجب الشركة في الاستثمار في تحسينهم وتنميتهم. ومما جربناه عند تطبيق النهج الذي أوضحناه في هذه المقالة، خلصنا إلى أربع خطوات لقيادة التحول بنجاح.
إن تطوير فرق تعتمد على مكامن القوة لأمر يبدأ بتطبيق منهجية القوى عند الأفراد أولًا، وتوسيعها لتشمل مسألة تكوين الفرق وإدارة المواهب، والخطوات كما يلي:
١- صمّم إطار عمل لنقاط القوة في المؤسسة، وأدمج الطابع الاجتماعي في لغة العمل. قيّم الموظفين بأدوات موضوعية وموثوقة لتحديد أهم نقاط القوة. أبرِز الطابع المؤسسي في أمور التواصل والنقاش في نقاط القوة باتباع إجراءات بسيطة؛ مثل تضمين نقاط قوة الموظفين في توقيعات بريدهم الإلكتروني. اعتَدِ الحديث عن نقاط القوة لمساعدة الموظفين على تثمين أنفسهم والآخرين، وتقدير ما يسهمون به من قدرات فريدة من نوعها.
٢- حدد ملفًّا لنقاط القوة لجميع الأدوار الفريدة في المؤسسة، ليبدأ الناس تأمّل الوظائف والتدقيق فيها؛ فمطابقة مكامن القوة المتوفرة (الأشخاص) مع نقاط القوة المطلوبة (الأدوار)، تساعد توزيع الأشخاص على الأدوار بحسب ما يجيدونه بالفطرة، ما يقلل من التحيزات عند تحديد المواهب.
٣- حدد أولويات المؤسسة الاستراتيجية بمشاركة المديرين من المستوى المتوسط من جميع أنحاء المؤسسة، ثم كوّن فرقًا متنوعة معتمدةً على مكامن القوة لتعمل على تحقيق هذه الأولويات الوظيفية، متجاوزةً كل التعقيدات الوظيفية أو الهيكلية. وتأكد من امتلاك الفرق للأدوات اللازمة للعمل معًا بجودة وإتقان. لقد دربنا الفرق وأمددناهم بأدوات وتقنيات التفكير التصميمي، لتحسين قدراتهم على حل المشكلات مستعينين بزملائهم، ومبتكرين حلولًا إبداعية مع اتباع نهج عماده وقوامه الإنسان.
٤- اربط جميع أنظمة المواهب ومسائلها بنموذج عمل مبني على مكامن القوة، بما في ذلك التوظيف، والتأهيل، وقياس الأداء، والمكافآت وتثمين الجهود، والتطوير، وتغيير الأدوار، والترقيات. ولقد حوّلنا تركيز نظام قياس الأداء إلى قياس تقدم الفرق وتطورها وتأثيرها، بدلًا من التركيز على الأفراد.
مواءمة الموارد مع الأداء
يتطلب تنفيذ نهجنا بفاعلية مواءمة طريقة قياس الأداء مع كيفية تخصيص الموارد للفرق، فالبساطة هي الحل؛ فقد طلبنا من الفرق الإبلاغ عما أحرزوه من تقدّم بالإجابة عن أسئلة مباشرة، بما في ذلك ما يلي:
– ما الأمور التي أقرّها الفريق؟
– ما الموارد التي أنفقها الفريق؟
– ما الأمور التي حرص الفريق على تأمينها وسلامتها؟
كانت هذه الأسئلة وإجاباتها ذات فاعلية بيّنة في تقييم التقدم المحرز، كما أنها ساعدت أعضاء الفريق على إدراك العلاقة المباشرة بين الأموال المصروفة وتأثير الفريق بمرور الوقت.
التغيير أمرٌ صعب ومعقد، والتحول إلى منظمة أكثر تطوعًا وإبداعًا يستغرق وقتًا طويلًا، فننصح من يخوض هذه الرحلة بالصبر. ستختلف وتيرة التغيير، تبعًا لحجم المؤسسة وتوسع عملها وتعقيد هيكلها، بالإضافة إلى ثقافتها وإرثها. عليك أن تبقى على المسار الصحيح، فتجاربنا العديدة علمتنا أن المؤشرات الرئيسة النوعية قد تنبئُك بأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وتطمئنك لتثابر وتجتهد ولا تستعجل جني الثمار، مع أهمية تطبيق التعديلات المناسبة وأنت تسير على الطريق، فابحث عن المؤشرات التالية:
– زيادة الطاقة والحيوية بين الموظفين: تقييم هذا المؤشر يتطلب قربًا من الموظفين وإنصاتًا طويلًا لآرائهم، وحرصًا على نصحهم وإسداء الرأي لهم.
– إمكانية قياس زيادة التنوع في العناصر الموهوبة بالمؤسسة، والنجاح في استبقائها وعدم تركها للعمل.
– كثرة تفاعل الموظفين وبروز مشاركتهم، وظهور هذا الأمر تحديدًا في درجات التقييم التي تشير إلى مدى شعور الموظفين بالتوافق والترابط مع رؤية المؤسسة وهدفها، ومدى اعتقادهم بأهمية عملهم. يمكن أن يساعد إجراء استطلاعات قصيرة ومنتظمة؛ شهرية أو ربع سنوية، في تحقيق هذا التفاعل، بدلًا من انتظار الاستطلاعات السنوية.
– نمو الشعور بالاندماج والانتماء والأمان النفسي الذي يشعر به الموظفون، ويمكن قياس ذلك من خلال الاستطلاعات واستكشافه بتتبع مجموعات موارد الموظفين، وأن يمحّص ويُختبر بانخراط الموظفين في جميع المستويات في النقاش والحوار ومبادرتهم في أمور مهمة.
لا شك في أن تحديات الأعمال التي صادفناها قبل الشروع في رحلتنا للتحول القائم على مكامن القوة، قد يواجهها قادة كُثر يعملون في منظومة عالمية ذات تركيبة متزعزعة وتقلبات عديدة وتغيرات مفاجئة لا نظير لها. ونؤمن بأن تمكين القدرات والمواهب المتنوعة، ضمن بيئة احتواء متوازنة، هو السبيل لإطلاق طاقاتها الحقيقية، فالتحولات التي تبرزها مفتاح أساسي لتحقيق الابتكار التعاوني والمستمر الذي نحتاج إليه لمواجهة التحديات العصيبة في الوقت الراهن؛ فالتحول الناجح للأعمال واستدامتها أمران يحتاجان إلى تفاعل كبير وشمولية لجميع الموظفين، ويمكن تحقيق هذا التحول بدعم جميع الأطراف، لإدراك ما يجب عليهم من أعمال مهمة، وما لديهم من قدرات فريدة يمكن إكمالها وتحسينها بقدرات الآخرين وتعاونهم.
في هذا الفيديو القصير، تحدثنا (ليندا هيل) من كلية هارفارد للأعمال، عن رؤى ونصائح لتعزيز الابتكار من الألف إلى الياء.
