إيمي ليشكه-كاهل
ترجمة: أبرار اللهيبي
يعزز تعريف الثقافة المؤسسية وإنشاؤها وتقويتها الاتساق والترابط وحتى استبقاء الموظفين. لتحقيق هذه الأهداف الكبيرة، تنشئ المؤسسات عادةً برامج معقدة وحملات تواصل لمشاركة تعريف جديد لثقافة الشركة بين الموظفين، يطلَق عليه أحيانًا اسم “الرحلة”، وقد يبقى لعدة سنوات، ولكن بحلول الوقت المحدد لإطلاق هذه الحملة، من المحتمل أن تكون هذه الثقافة قد تغيرت؛ ليس لمرة واحدة فحسب، بل عدة مرات. وعلى الرغم من حسن النية، فإن المشكلة في هذا النهج التقليدي لثقافة العمل هي اتساع نطاق العمل، وتعميم المحتوى بشكل مُفرط، وتنفيذه على مستوى الفريق اختياري.
وعلى الرغم من أهمية الثقافة وبديهية تأثيرها، فإن قلة من المنظمات تنجح في تطبيقها لدرجة تمكّن كل موظف من الاعتماد عليها؛ لأن التجربة الشاملة للعمل ضمن فريق تتفاوت من مجموعة إلى أخرى، بعبارة أخرى؛ إنها مشروطة. تختلف “الثقافة الصغيرة”؛ وهي الثقافة الخاصة التي يمر بها الموظفون في الفريق، عن “الثقافة الكبيرة” للمؤسسة ككل، ولكنها لا تقل أهمية عنها. الثقافة الكبيرة هي التزام تقدمه المؤسسة لكل موظف بشأن تطلعاته لتجربته في العمل ضمن المؤسسة، بغض النظر عن الفريق الذي ينتمي إليه، أو موقعه، أو مكانه في الهيكل التنظيمي. تجسد الثقافة الكبيرة علامة صاحب العمل للمنظمة بعدّها التزامًا، وتجربة موحدة، وتوقعًا، وثقافة غير مشروطة.
أشار بحث أكاديمي أُجري مؤخرًا إلى عدم وجود علاقة إيجابية بين ما تبرزه الشركات من قيم ثقافية خارجيًّا، وما يعتقده الموظفون بأن الشركة بالفعل تجسد هذه القيم. ومن خلال تجربتي في العمل مع قادة الموارد البشرية، وفهم ما يجول في نفس العاملين داخل المؤسسات، وكوني موظفة شركة كذلك، وجدت أنه لكي تكون الثقافة غير مشروطة، لا بد من تخصيصها للشركة، ووضوحها، وأن تكون موثوقة، ومتسقة، مع إفساح المجال للفرق لتطوير أساليبها الخاصة في العمل.
ولتكون الثقافة حقيقية، ومستدامة، وذات مغزًى، لا بد من توافر ما يلي:
التميز؛ من المغري أن تستقي ثقافتك من الآخرين. إنه لمن المثير للاهتمام قراءة الهياكل والعمليات المعقدة، لكنها عادةً ما تبدو مهندسة أكثر من اللازم ومبالغًا في تصميمها، وتحتوي على بنود عامة يمكن أن تنطبق على أي شركة. ثقافة المؤسسات الأخرى ليست ملكك؛ بل هي لهم وحدهم. تقدم منظمة الرعاية الصحية الأمريكية، AdventHealth، مثالًا يُحتذى به في التعبير عن التميز الفريد؛ إذ وصفت أحد مبادئها الثقافية بعبارة “أحبّني”. كلمة الحب هنا ليس كما يتكرر ظهورها في الاتصالات التجارية، وقد يتلقاها البعض بمعناها العاطفي، إلى أن تزور أحد مستشفياتهم؛ فالموظفون يشعرون بالحب، وكذلك المرضى وأفراد أسرهم. لا بد أن تكون الثقافة ذات المغزى مميزة وخاصة بمؤسستك.
الوضوح؛ وصف الثقافة يجب أن يكون جليًّا وسهل الفهم، لا حاجة للتكلُّف، فالعديد من الكلمات التجارية أصبحت مبتذلة وفقدت معناها. شركة كاسكو -شركة تكنولوجيا كبيرة- ضمّنت عبارة “امنح غرورك يوم إجازة” في ثقافتها العملية. لا يحتاج الموظفون إلى شرح لفهم هذه العبارة. اللغة البسيطة أسهل في الفهم والترجمة، سواء إلى لغات أخرى، أو إلى تجربة الموظف الشخصية.
جدير بالثقة؛ نعم، الأفعال أبلغ من الأقوال. الثقافة المشروطة توحي للموظفين بضياع المعنى الحقيقي لثقافة الشركة؛ فلو كنت تتساءل عما إذا كان عنصر ما جزءًا حقيقيًّا من ثقافة الشركة أم لا، وكانت الإجابة “يعتمد على…” إذن فالإجابة لا. شركة كوهلز، وهي من كبار تجار التجزئة في الولايات المتحدة، عبّرت ببساطة: “العميل أولًا”. يترك ذلك حِسًّا بالمسؤولية لدى الموظفين تجاه العملاء ليشعروهم بالأهمية. فوّض موظفي الخط الأمامي، بالتحديد، لمساعدة العملاء في إيجاد طرق للادخار، دون الحاجة إلى طلب الإذن من أي شخص. تمتد هذه الموثوقية للمجال أبعد من عملاء المتجر لتصل إلى عملاء داخليين أيضًا؛ أي الموظفين داخل المنظمة. يمكن للثقافة أن تتحول من كونها حقيقة إلى خرافة بسرعة، ما لم يشعر بها ويدعمها كل موظف في كل فريق.
الاتساق؛ لا يمكن لعنصر من عناصر ثقافة الشركة أن يكون “نوعًا ما، أحيانًا، بحسب الظروف”، بمعنى أن يخوض الموظفون ثقافات مختلفة بحسب الفريق الذي ينتمون إليه. بدلًا من ذلك، لا بد من وجود التزام قيادي حقيقي وغير قابل للنقاش لدعم “الثقافة الكبيرة” المشتركة. وصفت إحدى شركات التكنولوجيا والخدمات تركيزها على العملاء كأولوية تعلو فوق أي اعتبار آخر. كان هذا العنصر أساسيًّا في الشركة؛ ليس مجرد شعار، بل وعد حقيقي. فعندما يطرأ تضارب في جداول الشركة، يأتي العملاء دائمًا في المقام الأول، بغض النظر عن القيمة المحتملة لعميل مُترقب. ومن المثير للاهتمام أن هذا المبدأ الثقافي يغدو نقطة بيع للعملاء المُحتَملين الذين فاتتهم فرصة الاجتماع بخبراء الشركة. يفضّل العملاءُ المُحتَملون الوعود، بأنهم إذا كانوا عملاء فسيعاملون بأولوية. يرغب موظفوك الحاليون والمستقبليون في معرفة ما الذي يمكنهم الاعتماد عليه دائمًا من مؤسستك.
قلة من المؤسسات تمتلك ثقافة “كبيرة” حقيقية تتيح للموظفين تجربة يمكن الاعتماد عليها، على الرغم من العبارات طيبة القصد المستحدثة للترويج لثقافة غير مشروطة. قد تكون لديهم عدة ثقافات “صغيرة” متينة يمكن لأعضائها الاعتماد على بعضهم بعضًا وعلى قادتهم، إلا أن الثقافة الحقيقية ليست خيارًا بين إما/ أو، هي شاملة وتحوي الجميع.
في عالم سريع الوتيرة، حيث الأولويات والأسواق والبيئات الاقتصادية الكبرى تتغير باستمرار، يحتاج الموظفون إلى القدرة على الاعتماد على ثبات بعض جوانب العمل؛ فمعرفة ما يمكن الاعتماد عليه -مثل الثقافة غير المشروطة- تُسهل التأقلم مع المفاجآت التي لا مفر منها.
