أصبحت دول جنوب شرق آسيا اليوم مركزًا رئيسيًا لصناعة الاحتيال الإلكتروني العالمية، وفقًا للأمم المتحدة، حيث تخسر الضحايا مليارات الدولارات سنويًا. في قلب هذه الشبكة، تدير عصابات الجريمة الصينية عملياتها من مجمعات محصنة في دول مثل ميانمار، التي تشهد صراعًا مسلحًا منذ عام 2021.
على الرغم من الحملات الأمنية المستمرة، بما في ذلك مداهمات مشتركة لقوات من عدة دول، فإن هذه العمليات لم تنتهِ فعليًا. فقد تم تحرير عشرات الآلاف من العمال المُستعبَدين، لكن مراكز الاحتيال تستمر في العمل أو الانتقال إلى مواقع جديدة.
في أكتوبر الماضي، اقتحمت القوات العسكرية ميانمار أحد أكبر مراكز الاحتيال في ولاية كارين جنوب شرق البلاد، وأعلن المتحدث العسكري العميد زاوا مين تون أن الجيش سيسعى إلى ""استئصال هذه الأنشطة من جذورها"". ومع ذلك، بعد أيام قليلة، أفادت تقارير محلية بأن العمل استمر بلا انقطاع في مجمعات أخرى.
الحدود الصينية: رقابة مشددة
على الحدود الشمالية مع الصين، تفرض السلطات رقابة صارمة. قبل الوصول إلى الحدود، يجب على المسافرين المرور عبر نقاط تفتيش داخلية على الطرق الرئيسية المؤدية إلى مقاطعات يونان الحدودية. تقوم الشرطة بفحص بطاقات الهوية، وتطلب توضيح سبب الزيارة من الأشخاص المسجلين خارج يونان. ولافتات الطرق ومكبرات الصوت في القرى تكرر رسالة واحدة: ""لا تعبر الحدود للعمل في مراكز الاحتيال"".
وصف ضباط محليون أن عبور الحدود من الصين إلى ميانمار أصبح شبه مستحيل، خاصة بعد تشديد القيود في أواخر 2023 نتيجة تصاعد الصراع. كما تفرض الصين رقابة على الاتصالات والتحويلات المالية، بما في ذلك تسجيل الأسماء الحقيقية لبطاقات SIM وتثبيت تطبيقات لمكافحة الاحتيال، مما يزيد من صعوبة تشغيل مراكز احتيال كبيرة بالقرب من أراضيها.
الحدود التايلاندية: مرونة أكبر
على الحدود مع تايلاند، الوضع مختلف تمامًا. هذه الحدود لطالما كانت ممرًا للتجارة والهجرة وملاذًا للاجئين الفارين من النزاع. أدت سنوات طويلة من عدم الاستقرار إلى انتشار كثيف لمخيمات اللاجئين والمعابر غير الرسمية والبنية التحتية للمساعدات.
مدن مثل ماي سوت في غرب تايلاند، القريبة من ولاية كارين، أصبحت مراكز حيوية للتجارة ودعم اللاجئين، لكنها تُستخدم أيضًا لنقل العمال المستعبَدين. وعلى الرغم من وجود نقاط تفتيش وضوابط هجرة، فإن السلطات التايلاندية تتعامل معها وفقًا للاعتبارات الإنسانية والعلاقات الاجتماعية العابرة للحدود، ما يجعل الوصول إلى ميانمار من هذه الحدود أسهل.
تراكم مراكز الاحتيال في ولاية كارين
تساعد الفروقات في نقاط التفتيش على تفسير تركيز مراكز الاحتيال في ولاية كارين، حيث يقدر عدد العاملين في هذه المراكز بما يصل إلى 100 ألف شخص، بينما أغلقت العديد من المجمعات القريبة من الصين.
نقاط التفتيش المتحركة داخل ميانمار
في المناطق الحدودية المتنازع عليها، لا تدار نقاط التفتيش من سلطة واحدة، بل يديرها مزيج من الجماعات المسلحة العرقية وقوات حرس الحدود، كل منها يسيطر على طريق أو نهر معين. هذه النقاط لا توفر الأمن فقط، بل تعد مصدر دخل أيضًا من خلال فرض رسوم على البضائع والمركبات والأشخاص، وتتغير مواقعها أو سيطرتها حسب التحالفات والمصالح المالية.
هذا النظام المجزأ يتيح لمشغلي مراكز الاحتيال الاستمرار في تشغيل مجمعاتهم أو نقل العمال والمعدات عند تصاعد الضغوط، خصوصًا إذا كانوا يشاركون أرباحهم مع المسؤولين عن نقاط التفتيش.
شبكات الاحتيال تتنقل قبل الحملات الأمنية
تشير مقابلاتي مع وسطاء الاحتيال وضباط الشرطة في الصين وتايلاند إلى أن معلومات عن المداهمات القادمة غالبًا ما تنتشر عبر شبكات المعابر والميليشيات والمسؤولين المتواطئين قبل أيام أو أسابيع. وفي ولاية كارين، ساعدت ميليشيات عرقية العمال الصينيين على مغادرة المجمعات قبل المداهمات مقابل رسوم لضمان مرورهم بأمان إلى مدن مثل يانغون وماندالاي.
صناعة الاحتيال في جنوب شرق آسيا تحت الضغط لكنها لا تنهار
رغم الضغوط، تواصل نقاط التفتيش الداخلية والحدودية تحديد مسار العمليات بدلًا من إنهائها، فهذه القيود لا توقف تجارة الاحتيال بل توجهها إلى أماكن جديدة، ما يجعلها صناعة مستمرة ومرنة على نحو مقلق.
