القائمة الرئيسية

تعليم إدارة الأعمال عند مفترق طرق: إمّا التحول… أو التلاشي

تعليم إدارة الأعمال عند مفترق طرق: إمّا التحول… أو التلاشي
ملخص المقال

المقال يسلط الضوء على أزمة تعليم إدارة الأعمال في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، مشيرًا إلى أن الكليات لا تزال تُخرّج قادة مجهزين لعالم قديم، يفصل بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة، ويعظّم الربح الفردي على حساب الاستدامة والعدالة. الطلاب الجدد يأتون بأسئلة كبرى حول المناخ والعدالة الاجتماعية والاقتصاد المستدام، لكن ما يتلقونه في القاعات الدراسية يعزز نماذج تقليدية لا تصلح لعالم مترابط ومهدد بالأزمات. الخلل ليس في أفراد بعينهم، بل في منظومة تعليمية متشابكة تحمي الماضي وتقاوم التغيير، حيث تُكافأ الكفاءة التقليدية والربحية السريعة أكثر من الابتكار والتحول الاجتماعي والبيئي. الحل لا يكمن في إضافات شكلية، بل في إعادة تصميم فلسفة التعليم نفسها: ربط الاقتصاد بالمجتمع والطبيعة، تبني التفكير النظمي، وإعادة تعريف النجاح الأكاديمي، مع دور محوري للعمداء في قيادة التحول وبناء شراكات مع تخصصات البيئة والعلوم الاجتماعية. بدون هذا التحول العميق، سيستمر تعليم إدارة الأعمال في إنتاج قادة غير مؤهلين لمواجهة التحديات الملحة للكوكب والمجتمعات.

لم يعد تعليم إدارة الأعمال مجرد شأن أكاديمي، بل أصبح مسألة مصيرية تمس مستقبل المجتمعات والكوكب بأسره. ففي عالم تتسارع فيه الأزمات البيئية، وتتعمق فيه الفجوات الاجتماعية، وتبلغ اللامساواة مستويات غير مسبوقة، ما زالت كليات إدارة الأعمال تُنتج قادة بعقليات صُممت لعالم لم يعد قائمًا.

يدخل طلاب الجيل الجديد الجامعات وهم محمّلون بأسئلة كبرى: كيف يمكن إنقاذ المناخ؟ كيف نوقف تدهور الطبيعة؟ كيف نبني اقتصادًا عادلًا لا يلتهم موارده ولا يقصي مجتمعاته؟ لكن ما يتلقونه في قاعات الدراسة لا يجيب عن هذه الأسئلة، بل يدربهم على تحسين كفاءة منظومة هي نفسها جزء من المشكلة. وهكذا، يتخرجون وهم مهيؤون لإدارة الانهيار بدل تغييره.

إن الخلل هنا ليس في مقرر أو أستاذ أو نظرية بعينها، بل في منظومة تعليمية كاملة تشكّلت على افتراضات اقتصادية قديمة، تفصل بين الاقتصاد والمجتمع والطبيعة، وتتعامل مع البيئة بوصفها “أثرًا جانبيًا” لا يدخل في جوهر القرار. وبهذا المعنى، لم يعد تعليم إدارة الأعمال محايدًا، بل أصبح عبئًا إضافيًا يفاقم الأزمة بدل أن يسهم في حلها.

منظومة تحمي الماضي وتقاوم المستقبل

تعمل كليات إدارة الأعمال داخل نظام متشابك يعيد إنتاج نفسه باستمرار. هيئات الاعتماد تكافئ البحث التقليدي أكثر مما تكافئ الابتكار التعليمي. التصنيفات العالمية تحتفي بارتفاع رواتب الخريجين، لا بإسهامهم في معالجة أزمات العالم. دور النشر تكرّس نماذج اقتصادية مألوفة لأنها سهلة التسويق والتوحيد. الشركات تبحث عن مهارات تعزز الربحية السريعة، لا عن عقول قادرة على التفكير التحويلي. أما أعضاء هيئة التدريس، فكثير منهم أسرى لما تعلموه قبل عقود، عاجزون—عن غير قصد—عن تخيل بدائل لم يُدرَّبوا عليها.

هذا الجمود الفكري لا ينتج عن سوء نية، بل عن تراكم طويل من الحوافز الخاطئة، يجعل التغيير مخاطرة، والاستمرار في المألوف خيارًا آمنًا. ولهذا، فإن أي إصلاح جزئي يظل محكومًا بالفشل ما لم يمس البنية الكاملة التي تدير التعليم وتقيّمه وتموّله.

ما نعلّمه اليوم… وما يفرضه الواقع

ما زالت مناهج إدارة الأعمال تُدرّس المنافسة وكأنها صراع معزول داخل حدود صناعية واضحة، في عالم تحكمه أزمات مترابطة تتجاوز كل الحدود. تُدرّس المالية وكأن تعظيم الربح هدف مستقل، متجاهلة استنزاف الموارد الطبيعية وتآكل النسيج الاجتماعي. يُحتفى بالنمو الاستهلاكي في كوكب لم يعد يحتمل المزيد. وتُعامل البيئة والمجتمع بوصفهما عوامل ثانوية يمكن تجاهلها أو تعويضها لاحقًا.

لكن الواقع يفرض منطقًا مختلفًا تمامًا. عالم اليوم يحتاج إلى تعليم يعترف بأن الاقتصاد جزء من المجتمع، وأن المجتمع جزء من النظام البيئي، وأن أي نجاح اقتصادي لا يراعي هذا الترابط هو نجاح زائف وقصير العمر. نحن بحاجة إلى انتقال جذري من التفكير التجزيئي إلى التفكير النظمي، ومن إدارة الاستغلال إلى إدارة التجديد، ومن الربح الأحادي إلى القيمة المتعددة الأبعاد.

جيل سبق مؤسساته

الطلاب ليسوا المشكلة. على العكس، هم أكثر من يدرك حجم التحول المطلوب. يصلون إلى الجامعات وهم واعون بتغير المناخ، وبحدود الكوكب، وبزيف وعود النمو اللامحدود. يبحثون عن معنى، وعن دور، وعن معرفة تمكّنهم من إحداث فرق حقيقي. لكنهم يصطدمون بتعليم يطلب منهم تعليق هذه الأسئلة على باب القاعة، والانخراط في نماذج فكرية تتناقض مع ما يرونه يوميًا في العالم.

هذا التناقض يولد شعورًا بالخيانة الفكرية: كيف نطالبهم بإنقاذ المستقبل، ثم نعلّمهم أدوات الماضي؟ كيف نتحدث عن الاستدامة في الخطاب، ثم نغيبها عن جوهر التعليم؟

من الإصلاح إلى التحول

الخروج من هذا المأزق لا يكون بتحديث شكلي أو بإضافة مقرر عن “الاستدامة”، بل بتحول عميق في فلسفة التعليم نفسها. يتطلب ذلك شجاعة أكاديمية تعيد تعريف ما يعنيه “النجاح” في تعليم إدارة الأعمال، وتغيّر ما نكافئه، وما ندرّسه، وما نعدّه معرفة أساسية.

دور العمداء هنا حاسم: ليسوا مديري مؤسسات، بل قادة تحوّل. عليهم إعادة توجيه الحوافز، وبناء تحالفات داخل الكليات وخارجها، وفتح التعليم على تخصصات البيئة والعلوم الاجتماعية، وربط الشراكات مع مؤسسات تسعى فعلًا إلى نماذج أعمال تجديدية. كما يتطلب الأمر ضغطًا جماعيًا لتغيير معايير الاعتماد والتصنيف والنشر.

خيار لا يحتمل التأجيل

كل عام دراسي يمرّ دون تغيير حقيقي يعني تخريج دفعة جديدة من القادة غير المؤهلين لواقع العالم. تعليم إدارة الأعمال يقف اليوم أمام خيار واضح: إما أن يتحول إلى قوة فاعلة في إعادة بناء العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع والطبيعة، أو أن يتحول إلى مؤسسة فقدت معناها وتأثيرها.

الطلاب مستعدون. المعرفة متوفرة. الأزمة لا تنتظر.
ويبقى السؤال الحاسم: هل نملك الجرأة لترك النماذج الفكرية القديمة خلفنا، وبناء تعليم يليق بحجم التحدي الذي نواجهه؟

المصدر

مقالات ذات صلة