مع تصاعد الضغوط على النظم الصحية حول العالم، يبرز سؤال محوري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في تمكين 8 مليارات إنسان من الوصول إلى نتائج صحية أفضل؟
أحد أهداف التنمية المستدامة يتمثل في ضمان حياة صحية وتعزيز الرفاه للجميع وفي جميع الأعمار. ولتحقيق هذه الرؤية، يحتاج الأفراد إلى قدر أكبر من التحكم في نتائجهم الصحية، مدعومين ببياناتهم الصحية ومسترشدين بالمهنيين الصحيين. وفي عالم تتسم موارده بالندرة، حيث تواجه النظم الصحية ضغوطاً متزايدة نتيجة تحديات جسيمة، يصبح تمكين المرضى ضرورة أساسية لتحقيق هذا الهدف.
لقد كشفت جائحة كوفيد-19 عن هشاشة النظام الصحي العالمي، مؤكدة أهمية البنية التحتية المتينة، وتوافر الكوادر البشرية الكافية، واستخدام التقنيات المتقدمة للقدرة على الصمود أمام الأزمات. ومع ذلك، لا تزال النظم الصحية في مرحلة ما بعد الجائحة تعاني من نقص حاد في القوى العاملة. فعلى سبيل المثال، يوجد في تركيا طبيبان فقط لكل ألف شخص، بينما يقل عدد الممرضين في كولومبيا عن ممرضين لكل ألف شخص، وفقاً لبيانات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وتنذر التوقعات المستقبلية بزيادة حدة هذه التحديات، في ظل تفاقم نقص القوى العاملة، والقيود الميزانية، وارتفاع الطلب الناتج عن شيخوخة السكان، وتزايد مشكلات الصحة النفسية، واحتمال تفشي أوبئة جديدة، إضافة إلى آثار التغير المناخي. وتؤدي هذه الضغوط مجتمعة إلى رعاية صحية دون المستوى الأمثل، وطول فترات الانتظار، ووجود احتياجات طبية غير ملبّاة، وضعف التغطية في المناطق النائية، وتراجع مستوى رضا المواطنين عن الخدمات الصحية. ولا تقتصر تداعيات هشاشة النظم الصحية على قطاع الصحة وحده، بل تمتد لتشمل ارتفاع الإنفاق العام وتراجع الإنتاجية الاقتصادية.
إن تمكين المرضى من الإسهام الفعّال في تحسين نتائجهم الصحية يُعد أمراً حتمياً للتخفيف من الضغط الواقع على النظم الصحية. ويتطلب ذلك الانتقال من دور المتلقي السلبي للخدمة إلى دور الفاعل المبادر في تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض.
وعد الذكاء الاصطناعي في تخفيف الضغط عن النظم الصحية
يمكن أن تصبح رؤية تمكين الأفراد من عيش حياة صحية وتعزيز رفاههم واقعاً ملموساً من خلال الاستخدام الاستراتيجي للعلم والتكنولوجيا. فاعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بطريقة إنسانية ومسؤولة ومنصفة ومستدامة، يمكن أن يُحدث تحولاً كبيراً في أداء النظم الصحية. إذ يتيح الذكاء الاصطناعي أتمتة المهام الإدارية، مما يوفر وقتاً ثميناً لمقدمي الرعاية الصحية للتركيز على المرضى. كما يمكنه توسيع نطاق الخدمات الصحية ليشمل المناطق النائية أو المحرومة، وتحسين الوصول إلى الرعاية لملايين الأشخاص الذين يعيشون على بُعد ساعات من أقرب منشأة صحية. إضافة إلى ذلك، يمكن للمساعدين الشخصيين المدعومين بالذكاء الاصطناعي تعزيز الثقافة الصحية، وتقليص فجوة المعلومات بين المرضى ومقدمي الرعاية، ودعم اتخاذ القرار المشترك، وتمكين المرضى في نهاية المطاف.
حلول قابلة للتوسع لتحقيق الأثر
إذا جرى تنفيذها بشكل مسؤول ومنصف، يمكن للحلول القابلة للتوسع أن تحول دون تعميق أوجه عدم المساواة الصحية، وأن تمكّن النظم الصحية من الاستفادة الكاملة من إمكانات الذكاء الاصطناعي في تخفيف الضغوط. ومع ذلك، ورغم توفر التكنولوجيا، لا تزال حلول الذكاء الاصطناعي غير مطبقة على نطاق واسع في القطاع الصحي. ويختلف مستوى اعتمادها بشكل كبير، وغالباً ما تُنفذ ضمن مبادرات معزولة. ويهدد هذا النهج المجزأ بتحويل الفجوات الرقمية الحالية إلى هوّات أعمق. ونظراً لحساسية قطاع الصحة، يُعد الحذر أمراً مفهوماً، غير أن تكلفة التأخر في اعتماد تقنيات مفيدة قد تكون باهظة. فعدم استخدام تكنولوجيا قادرة على إنقاذ الموارد والأرواح يُعد ضرراً ناتجاً عن التقاعس. ومن ثم، ينبغي توجيه الجهود نحو تعظيم المنفعة العامة من الذكاء الاصطناعي بسرعة وكفاءة، مع الحد من المخاطر. ويتطلب ذلك سياسات توفق بين التنظيم وإدارة المخاطر من جهة، والابتكار وقابلية التوسع من جهة أخرى.
تُعد البيانات المكوّن الأساسي لنجاح جميع حلول الذكاء الاصطناعي. ولذلك، فإن بناء أساس متفق عليه للبيانات والبنية الرقمية أمر بالغ الأهمية لنشر الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة بنجاح. فلا يمكن للحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تتوسع بفعالية وعدالة دون جمع البيانات واستخدامها ومشاركتها بشكل كافٍ. إلا أن البيانات على المستوى العالمي لا تزال مجزأة، ويعاني التشغيل البيني من ضعف، كما أن تبادل البيانات محدود.
وإلى جانب تجزؤ الموارد البيانية، تشمل أبرز العوائق أمام توسيع نطاق حلول الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية على المستويين الوطني والإقليمي: عدم توافق الأطر التنظيمية، وانخفاض الثقة في حلول الذكاء الاصطناعي، وغياب توحيد المعايير، ونقص الكفاءات البشرية المتخصصة، وضعف البنية التحتية.
مجموعة خبراء الذكاء الاصطناعي في الصحة التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
في مايو 2024، شكّلت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مجموعة خبراء مؤقتة معنية بالذكاء الاصطناعي في الصحة، لتكون منصة للتبادل والتعلم المشترك، ولمواجهة تحديات تطبيق الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع بطريقة إنسانية ومسؤولة ومنصفة ومستدامة. وتضم المجموعة أكثر من 60 عضواً من 27 دولة، إضافة إلى 13 منظمة دولية، ومجموعات مناصرة، وممثلين عن المرضى. ويمثل ذلك خطوة مهمة نحو تسخير الذكاء الاصطناعي لتمكين 8 مليارات إنسان عبر البيانات، ومساعدتهم على تحقيق النتائج الصحية التي يطمحون إليها.
وستركز أعمال مجموعة الخبراء على تطوير سياسات متوافقة لتطوير الذكاء الاصطناعي وتنفيذه وتوسيعه خارج نطاق المبادرات المعزولة، بما يجعله متاحاً ومفيداً على المستوى العالمي. كما ستعمل على بلورة رؤى تدعم مستقبلاً تمكّن فيه البيانات والذكاء الاصطناعي مقدمي الرعاية الصحية، وتعزز دور المرضى. ويشمل ذلك معالجة تحديات محورية تتعلق بتوافق الأطر التنظيمية، وتوحيد المعايير، وبناء الثقة في التكنولوجيا، وتوفير الحوافز المناسبة، وحوكمة البيانات.
ونتطلع إلى تعاون الحكومات والمنظمات الدولية والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني وممثلي المرضى لتبادل المعرفة والخبرات، سعياً إلى إطار مشترك يحقق نظم صحية حديثة وفعالة ومنصفة، مدعومة بالبيانات والذكاء الاصطناعي.
