في 12 فبراير 2025، نظّمت كلٌّ من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) ومعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات (IEEE) فعالية على هامش قمة العمل الفرنسية للذكاء الاصطناعي، جمعت خبراء من خلفيات متنوعة لمناقشة التحديات البيئية المتزايدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتناولت الجلسات الثلاث الرئيسية قضايا استدامة محورية: الكلفة البيئية لمرحلة الاستدلال، وتأثير مراكز البيانات على شبكات الكهرباء، وبصمة الذكاء الاصطناعي المائية.
وستُسهم أبرز خلاصات هذه الجلسات في أعمال فريق العمل IEEE P7100 الهادف إلى تطوير معيار تقني لقياس الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي. وفيما يلي ملخص للنقاشات التي شهدها اليوم، علما بأن تسجيل الجلسات متاح للمشاهدة عبر البث.
الجلسة الأولى: الكلفة البيئية لمرحلة الاستدلال
على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي أحدث ثورة في عدد لا يُحصى من القطاعات، فإن أثره البيئي بات قضية ملحّة. وغالبا ما تحظى مرحلة تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي كثيفة الاستهلاك للطاقة بالاهتمام، إلا أن الكلفة البيئية طويلة الأجل تتضح بشكل متزايد خلال مرحلة الاستدلال، أي عند تشغيل النماذج المدرّبة واستخدامها فعليا. وتركّزت النقاشات على أن الاستدلال، ومع التوسّع في الاستخدام وعلى نطاق واسع، قد يستهلك طاقة أكبر بمرور الوقت مقارنة بمرحلة التدريب، ما يشكّل تحديا متناميا للاستدامة.
تنامي استهلاك الطاقة الناتج عن الاستدلال
أقرّ المشاركون بالمتطلبات العالية للطاقة في مرحلة الاستدلال، لا سيما مع توسّع النماذج وزيادة تعقيدها. وأشار أحد المتحدثين إلى أن كلفة الاستدلال في بعض النماذج باتت تتجاوز كلفة التدريب بعد نحو 50 مليون استخدام، وأن الحوافز الحالية لا تشجّع الشركات على تحسين كفاءة استهلاك الطاقة في الذكاء الاصطناعي. ويؤدي هذا النقص في الحوافز إلى تفضيل المكاسب المالية على الاستدامة، ما يبرز الحاجة إلى أطر تنظيمية أقوى توازن بين التقدم التكنولوجي والمسؤولية البيئية. كما شدّد مدير الجلسة على أن تحسين عملية الاستدلال يمكن أن يقلّل استهلاك الطاقة عبر الحد من العمليات الحسابية غير الضرورية على مستوى النموذج.
دور المطوّرين في تقليص البصمة الكربونية للاستدلال
يلعب المطوّرون دورا محوريا في الحد من الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي. ودعا أحد المتحدثين إلى إجراء تقييمات نقدية لاختيارات تطوير البرمجيات وإعطاء الأولوية لنماذج أصغر وأكثر كفاءة. وأشار أحد المشاركين إلى أن هذا التوجّه يرتبط بالطلب المتزايد على “المهارات الخضراء” في المهن المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل إدارة الطاقة والكفاءات في سياسات الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، والتي أصبحت ذات قيمة متزايدة في تقليل البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي.
تقييم ادعاءات كفاءة الطاقة
ذُكر أيضا أن بعض النماذج، مثل DeepSeek، تُعد أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة خلال مرحلة التدريب، غير أن هناك شكوكاً حول كفاءتها في مرحلة الاستدلال، خاصة عندما تقدّم زمنا أطول للتفكير قبل الإجابة عن الاستفسارات. ولا تزال الأبحاث حول الأثر البيئي لهذه التطورات الحديثة محدودة، ما يستدعي إجراء تقييمات شفافة لقياس الكلفة البيئية للذكاء الاصطناعي بصورة واقعية.
الجلسة الثانية: تأثير مراكز البيانات على شبكات الكهرباء
مع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي، تزداد الضغوط على شبكات الكهرباء العالمية بفعل مراكز البيانات التي تشكّل العمود الفقري لهذه الأنظمة. إذ تستهلك هذه المرافق الضخمة كميات هائلة من الطاقة، ما يثير مخاوف تتعلق بالاستدامة واستقرار الشبكات وموثوقيتها.
مراكز البيانات كمستهلك رئيسي للطاقة
أشار مدير الجلسة إلى صعوبة الحصول على تقديرات موثوقة لاستهلاك مراكز البيانات من الطاقة، وكذلك إلى صعوبة تحديد الحصة المنسوبة تحديدا إلى الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يعقّد فهم حجم المشكلة بدقة. ومع ذلك، أوضح المتحدثون أن الذكاء الاصطناعي، رغم مساهمته في زيادة الطلب على الطاقة، ليس العامل الأكبر في استهلاك الكهرباء عالميا. فعلى سبيل المثال، يتجاوز قطاع النقل من حيث وتيرة زيادة استهلاك الكهرباء نتيجة التحول إلى الكهربة. كما شدّد أحد المشاركين على أهمية تتبّع استهلاك الطاقة في السحابة بشكل آني لتقليل عدم اليقين في حساب الانبعاثات.
الطاقة المتجددة وجهود التعويض الكربوني
التزمت بعض الشركات، مثل Google، بالاعتماد على كهرباء نظيفة في مراكز البيانات بحلول عام 2030. إلا أن أحد المتحدثين حذّر من أن إمدادات الطاقة المتجددة قد لا تكون كافية لتلبية الطلب بحلول عام 2025. ونظرا لاحتياجات الذكاء الاصطناعي المستمرة على مدار الساعة، فقد يظل معتمدا على الوقود الأحفوري ما لم تُعتمد سياسات شاملة. وأشار أحد المشاركين إلى أن دور الطاقة النووية، بما في ذلك المفاعلات النووية الصغيرة، غالبا ما يتم تجاهله رغم إمكاناته في دعم استدامة الذكاء الاصطناعي. كما تناولت مبادرات أوسع إعادة استخدام الحرارة الناتجة عن مراكز البيانات، مثل مشاريع AWS في أيرلندا، غير أن توسيع نطاق هذه الجهود بطريقة مسؤولة لا يزال تحديا كبيرا.
تنظيم الطلب على الطاقة
تم التطرق أيضا إلى عوامل أخرى، مثل اختيار مواقع مراكز البيانات واستخدام الأجهزة المحمولة في مرحلة الاستدلال، ما قد يساعد في تخفيف الضغط على الطاقة، خاصة مع شحن الهواتف المحمولة خلال الليل.
الجلسة الثالثة: استخدام المياه في الذكاء الاصطناعي
لا تستهلك مراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة فحسب، بل تتطلب أيضا مقادير كبيرة من المياه لأغراض التبريد، فضلا عن استخدام المياه في مراحل أخرى من دورة حياة الذكاء الاصطناعي، مثل تصنيع العتاد المتخصص أو توليد الكهرباء كثيف الاستهلاك للمياه. وفي المناطق التي تعاني من شح المياه، يزيد ذلك من الضغط على الموارد المحلية ويثير مخاوف جدية. وأشار مدير الجلسة إلى أن استهلاك المياه لم يحظَ بالاهتمام نفسه الذي حظي به استهلاك الطاقة، كما أن حساباته معقدة وتفتقر إلى مقاييس متفق عليها، ولا تُدرج عادة ضمن متطلبات الامتثال التنظيمي، ما يفسر بقائه دون قياس كافٍ.
البصمة المائية الخفية للذكاء الاصطناعي
شرح أحد المتحدثين أن نماذج الذكاء الاصطناعي، خاصة واسعة النطاق، تتطلب كميات كبيرة من المياه لتبريد الخوادم. وغالبا ما تستخدم مراكز البيانات المياه العذبة لهذا الغرض، ما يؤدي إلى فقدان كبير للمياه بسبب التبخر، ويؤثر سلبا على البيئة ويهدد المجتمعات التي تعتمد على هذه الموارد للشرب والزراعة. ويزداد الأمر تعقيدا بسبب البصمة المائية غير المباشرة للذكاء الاصطناعي، مثل استهلاك المياه في صناعة أشباه الموصلات وتوليد الكهرباء اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
قياس البصمة المائية للذكاء الاصطناعي
يُعد غياب أدوات معيارية لقياس استهلاك المياه تحديا رئيسيا. وأوضح أحد المتحدثين أن استخدام المياه في مراكز البيانات ينقسم إلى استخدام متجسّد واستخدام تشغيلي. فالاستخدام المتجسّد، أي المياه المستخدمة في تصنيع العتاد، يمثل نحو 30% من الاستهلاك المرتبط بالذكاء الاصطناعي، بينما يمثل الاستخدام التشغيلي، أي المياه المستخدمة في التبريد ومعالجة النماذج، نحو 70%. غير أن أحد المشاركين أشار إلى أن العديد من الشركات تستخدم استهلاك الطاقة كمؤشر بديل لاستهلاك المياه، رغم أن هامش الخطأ في هذه الطريقة قد يصل إلى 500%، ما يجعل الشركات غير مدركة للحجم الحقيقي لاستهلاكها من المياه.
الاعتبارات الجغرافية والأخلاقية
لفت أحد المتحدثين إلى أن تخصيص المياه عالميا غير مستدام بالفعل، وأن العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالمياه. ويُعد استهلاك الذكاء الاصطناعي للمياه عاملا يزيد من تفاقم المشكلة، كما يمثل قضية عدالة اجتماعية، إذ تقع العديد من مراكز البيانات في مناطق تعاني من شح المياه، ما يفاقم الندرة المحلية ويخلق منافسة على الموارد. وأجمع المتحدثون على أن قضية المياه بطبيعتها محلية.
مفارقة التسعير: المياه كموارد مُقلَّل من قيمتها
طرح أحد المشاركين سؤالا جوهريا: هل ينبغي تسعير المياه بشكل مختلف لتحفيز الحفاظ عليها؟ ورأى المتحدثون أن المياه غالبا ما تُعامل كموارد “مجانية”، وهو تصور لا يعكس المخاطر المرتبطة بندرتها. وهنا يبرز الفرق بين كلفة المياه وقيمتها الفعلية، إذ يمكن لتعديل تسعير المياه بما يعكس كلفتها الحقيقية أن يشجّع الشركات والمستهلكين على استخدامها بكفاءة أكبر.
الشفافية والمساءلة
لمعالجة مسألة استهلاك المياه في الذكاء الاصطناعي، اقترح أحد المتحدثين أن تفصح الشركات عن استهلاكها من المياه ضمن تقارير الاستدامة. وأشار ممثل عن القطاع الصناعي إلى أن مراكز البيانات الجديدة باتت تستخدم مصادر مياه غير صالحة للشرب، مثل مياه القنوات أو مياه البحر، للحد من الاعتماد على المياه العذبة، بينما تعتمد مراكز أخرى على أنظمة معالجة مياه الصرف في الموقع لتقليل استهلاك المياه العذبة.
الطريق إلى الأمام: التعاون هو المفتاح
تكررت الدعوة إلى التعاون بين مختلف القطاعات طوال الحدث. وأكدت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الحاجة إلى تعاون متعدد أصحاب المصلحة يشمل الحكومات المحلية، والصناعات، والأوساط الأكاديمية، والمواطنين، والشعوب الأصلية، وهيئات وضع المعايير مثل IEEE، لضمان توافق تطوير الذكاء الاصطناعي مع أهداف الاستدامة. وشارك IEEE هذا التوجه، مشددا على أهمية وجود مقاييس معيارية لقياس وإدارة الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي بشكل شامل، وداعيا المشاركين إلى الانخراط في جهود إعداد معيار IEEE P7100.
اختُتمت النقاشات مع إدراك التقدم المحرز وما لا يزال يتعين القيام به. فتعقيد التحديات البيئية والطاقة والمياه المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يتطلب بحوثا مستمرة، وابتكارا في السياسات، وتقدما تكنولوجيا. والخبر الجيد هو أن فهمنا للبصمة البيئية للذكاء الاصطناعي يتطور بالتوازي مع تطوره. ومن خلال العمل المشترك، يمكننا بناء مستقبل يكون فيه الذكاء الاصطناعي مبتكرا ومستداما في آن واحد.
إن الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي قضية ملحّة تتطلب جهودا جماعية. ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في تشكيل المستقبل، يجب أن تكون الاستدامة أولوية في كل مرحلة من دورة حياته، من تطوير النماذج إلى نشرها. ومن خلال تنسيق الجهود وتبادل المعرفة، يمكننا الحد من التكاليف البيئية للذكاء الاصطناعي وبناء مستقبل أكثر اخضرارا واستدامة للجميع.
