القائمة الرئيسية

قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي وما بعدها: ثلاث خطوات لتعزيز التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي

قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي وما بعدها: ثلاث خطوات لتعزيز التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن لقمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي، التي تبني على مسار قمم بلتشلي بارك وسيول وباريس، أن تتحول من حدث دولي مؤقت إلى منصة مستدامة لتعزيز الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، وذلك عبر ثلاث ركائز أساسية تتمثل في وضع أجندة واضحة للعمل الجماعي تركز على الأثر، وتوسيع الحوار ليشمل طيفا متنوعا من الحكومات والخبراء والمجتمع المدني وخاصة من الجنوب العالمي، واختيار دول مضيفة تمتلك التزاما فعليا وخبرة دولية في حوكمة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن تنسيقا دوليا أكثر عدلا وفعالية في مواجهة المخاطر والفرص المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.

ابتداءً من بلتشلي بارك في عام 2023 وسيول في عام 2024، وصلت سلسلة قمم الذكاء الاصطناعي إلى لحظة مفصلية. وستوفر قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي المرتقبة في باريس، يومي 10 و11 فبراير، منصة فريدة للتنسيق متعدد الأطراف، وقد تُحدث تقدما ملموسا في الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي.

لقد جمعت هذه القمم قادة العالم لمعالجة بعض أكثر التحديات إلحاحا في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد التزموا معا بتطوير ذكاء اصطناعي آمن يخدم المصلحة العامة، وأطلقوا مخرجات عملية لتحقيق أهداف مشتركة، وفي مقدمتها إنشاء معاهد لسلامة الذكاء الاصطناعي. وتشكل قمم الذكاء الاصطناعي وسيلة فعالة أخرى لخلق الحوار بين الأطراف الرئيسية، وتكمل قنوات التعاون الأكثر رسمية مثل مجموعة السبع ومجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والأمم المتحدة.

لكن كيف يمكن الحفاظ على هذا الأثر الإيجابي وتعزيزه؟ إن الزخم المحيط بقمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي في الشهر المقبل يمثل فرصة لضمان بقاء هذا النموذج ملائما على المدى الطويل.

ولتحقيق ذلك، نقترح ثلاث خطوات أساسية لتحويل قمة هذا العام إلى نجاح مستدام:

  1. إعطاء الأولوية للأثر من خلال أجندة للعمل الجماعي،

  2. توحيد الأصوات عبر حوار شامل،

  3. وضع الأسس الصحيحة عبر اختيار دولة مضيفة ملائمة.


إعطاء الأولوية للأثر من خلال أجندة للعمل الجماعي

لكي تؤدي القمم غرضا واضحا، يجب أن تمتلك أجندات محددة بدقة، يتم تصميمها عبر عملية مدروسة وشاملة.

ينبغي أن تتمتع الأجندة بنطاق واضح وواقعي يكمل مهام الكيانات الأخرى ويتجنب توسع الأهداف بشكل غير مدروس. كما يجب أن تعكس الموضوعات ما يعتبره أصحاب المصلحة جماعيا أكثر تحديات حوكمة الذكاء الاصطناعي إلحاحا. ونظرا لسرعة التطورات والاختراقات التكنولوجية الأخيرة، من المرجح أن تركز القمم المقبلة على الذكاء الاصطناعي العام المتقدم والذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء.

ويفترض أن تتضمن القمة نفسها مسارات متعددة موجهة لفئات مختلفة من أصحاب المصلحة، بما يضمن التركيز والشمول في آن واحد.

وكما هو الحال هذا العام، ينبغي أن تبدأ التحضيرات بتشكيل لجنة توجيهية متنوعة تضم ممثلين عن الحكومات والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والصناعة. وستعمل هذه اللجنة بشكل استباقي على جمع المدخلات من طيف واسع من أصحاب المصلحة لتحديد نطاق القمة وأجندتها ومخرجاتها. إن وضوح الاتجاه والغاية يعزز شرعية القمة ويزيد من انتشارها عبر إدماج وجهات نظر من مناطق ومجتمعات غالبا ما تكون ممثلة تمثيلا ناقصا.

ويجب أن تكون العملية متعددة أصحاب المصلحة تكرارية ومرنة، بما يتيح فرصا متعددة للمشاركة من خلال ورش العمل والمنتديات الافتراضية والاستطلاعات والحوارات الإقليمية. ويضمن ذلك ألا تتحكم مجموعة ضيقة من المصالح في أجندة القمة، وأن تعكس الأولويات والهواجس الفعلية لمجتمع حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمي.


توحيد الأصوات عبر حوار يضم طيفا واسعا من أصحاب المصلحة

تلعب مجموعات العمل التي تُشكّل حول مجالات خبرة متنوعة دورا محوريا في التحضير للقمة، عندما تتقارب لمعالجة قضايا محددة. وفي القمم المستقبلية، ينبغي أن تواصل هذه المجموعات إشراك خبراء من خلفيات متنوعة، بما في ذلك الأوساط الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني.

ولكي تكون هذه المجموعات فعالة، يجب أن تتوافر لديها:

  • ولايات محددة بوضوح،

  • عمليات شفافة،

  • قواعد واضحة للانضمام والمشاركة،

  • تمثيل متوازن عبر المناطق والقطاعات.

كما ينبغي إيلاء اهتمام خاص لإدماج أصوات بلدان الجنوب العالمي، التي غالبا ما تكون ممثلة تمثيلا ضعيفا رغم تأثرها بشكل غير متناسب بالتطورات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.

ويمكن أن تشمل مجالات التركيز الرئيسية لمجموعات العمل المستقبلية ما يلي:

  • تطوير معايير تقنية تضمن سلامة الذكاء الاصطناعي وموثوقيته.

  • تقييم كيفية تكييف حوكمة الذكاء الاصطناعي مع الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء والتطورات المقبلة في القدرات.

  • رسم ملامح منظومة لتدقيق الذكاء الاصطناعي وتحديد دورها وأصحاب المصلحة المعنيين بها والأطر التنظيمية الداعمة لها.

  • تحديد عتبات المخاطر والخطوط الحمراء لتطوير الذكاء الاصطناعي.

  • تقييم الأنظمة التنظيمية الناشئة للذكاء الاصطناعي.

  • استكشاف الآثار الاقتصادية للذكاء الاصطناعي على أسواق العمل ومنظومات الابتكار.

  • تقييم تأثير الذكاء الاصطناعي على توازنات القوة وأوجه عدم المساواة القائمة.

  • تقييم الآثار الاجتماعية الأوسع للذكاء الاصطناعي، خاصة على الفئات المهمشة.

ومن خلال مخرجات واضحة ومحددة زمنيا، يمكن لهذه المجموعات أن تدفع بنتائج عملية تتجاوز إطار القمة نفسها.

ويمكن لمجموعة متنوعة من الفاعلين الإسهام برؤى قيّمة داخل مجموعات العمل. وعلى وجه الخصوص، تستطيع منظمات المجتمع المدني تقديم معارف ميدانية ومنظورات قاعدية تسهم في ربط حوكمة الذكاء الاصطناعي بواقع المجتمعات المتنوعة. وقد اعترفت قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي في فرنسا بأهمية ذلك، حيث حظيت بدعم لإجراء مشاورات مع المواطنين والخبراء، وشكلت منظمات المجتمع المدني نحو ثلث المشاركين في القمة. وينبغي أن تواصل القمم المستقبلية إشراك المجتمع المدني منذ مرحلة الإعداد وحتى انعقاد القمة نفسها.

كما ينبغي أن توفر القمم مزيجا من الحلول لمعالجة عوائق المشاركة، بما في ذلك إرشادات واضحة لكيفية انخراط منظمات المجتمع المدني والأكاديميين، والتواصل المفتوح حول كيفية انعكاس مدخلاتهم على الأجندة، وتخصيص حصص لمنح السفر، وإتاحة المشاركة الافتراضية، والتواصل المبكر بشأن الدعوات، وتوفير الموارد المالية لدعم مشاركة المجتمع المدني.

ويمكن لمنصات المشاركة الهجينة أن تسهم في تجاوز الحواجز الجغرافية عبر تمكين أصحاب المصلحة عن بعد من الانخراط في النقاشات. وتشمل الأمثلة على ذلك الندوات الإلكترونية التي استضافتها قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي لعام 2025 لإبقاء منظمات المجتمع المدني على اطلاع بتطورات التخطيط. كما يمكن للتكنولوجيا أن تدعم هذه الجهود بشكل أوسع، من خلال خدمات الترجمة الفورية وآليات التصويت الآمن وأدوات التعاون المتقدمة داخل مجموعات العمل، بما يضمن ألا تعيق الحواجز اللغوية أو اللوجستية المساهمات الهادفة.

وتسهم البنية التحتية الرقمية أيضا في تعزيز المشاركة ودعم التوثيق الشامل وإدارة المعرفة. ويمكن لمنصة مركزية لتسجيل النقاشات والقرارات ونقاط العمل أن تشكل مستودعا معرفيا حيا، يضمن الاستمرارية والتقدم بين القمم، خاصة في ظل غياب مؤسسة مضيفة مركزية لهذه القمم.


وضع الأسس الصحيحة عبر اختيار دولة مضيفة ملائمة

يبرز سؤال أخير عند التفكير في قمم سلامة الذكاء الاصطناعي المستقبلية: أين ينبغي أن تُعقد القمة المقبلة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن اعتماد معيارين أساسيين لتصفية الدول المرشحة للاستضافة: هل توجد التزامات واضحة بحوكمة الذكاء الاصطناعي؟ وهل تنخرط الدولة بالفعل في حوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي؟

وقد يشمل تقييم التزام الدولة المرشحة بحوكمة الذكاء الاصطناعي النظر في ما إذا كانت تمتلك:

  • منظومة قيد التطوير من السياسات والتنظيمات والمعايير المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، لا سيما تلك التي تهدف إلى معالجة المخاطر النظامية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي المتقدم، مثل الأمن السيبراني، وقابلية إساءة الاستخدام، والتلاعب الديمقراطي، وتعميق أوجه عدم المساواة.

  • أطر أخلاقية للذكاء الاصطناعي تراعي تأثيره على حقوق الإنسان، وتضمن حماية الفئات الضعيفة، وتوفر حماية كافية للبيانات.

  • وجود معهد لسلامة الذكاء الاصطناعي أو لتقييمه، ممول وذي صلة، ومكلف بإجراء تقييمات للنماذج المتقدمة وبناء قاعدة أدلة حول آثار الذكاء الاصطناعي. كما يمكن أن يكون وجود مؤسسات بحثية ذات صلة عاملا إضافيا.

أما على الصعيد الدولي، فقد تشمل العوامل المحددة تقييم ما إذا كانت الدولة المرشحة تظهر:

  • مشاركة نشطة في المنتديات الدولية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، يتجلى ذلك في انخراطها السابق مع الفاعلين العالميين في هذا المجال، سواء عبر قمم الذكاء الاصطناعي السابقة أو من خلال مؤسسات حكومية دولية مثل الأمم المتحدة أو مجموعة السبع أو مجموعة العشرين أو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو اليونسكو.

  • حيادا دبلوماسيا يشجع مشاركة جميع القوى الرئيسية في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين، وهو شرط أساسي لتعزيز حوار عالمي حقيقي. كما أن العلاقات الدبلوماسية القوية مع نطاق واسع من الدول يمكن أن تضمن تمثيل أصوات متنوعة من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الجنوب العالمي.

  • مشاركة في شبكة معاهد سلامة الذكاء الاصطناعي، بما يعكس الخبرة والانخراط في حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية. ورغم أن قائمة الدول المرشحة لا ينبغي أن تقتصر على أعضاء الشبكة، فإن هذا العامل يظل مهما.

إضافة إلى ذلك، يجب أن تتوافر لدى الدول المضيفة البنية التحتية الأساسية اللازمة لتنظيم قمة ناجحة، بما في ذلك مرافق مؤتمرات حديثة مزودة بتقنيات متقدمة، وأمن سيبراني قوي، وروابط نقل دولية موثوقة، واتصال رقمي قوي.

ويمكن لهذه الاعتبارات أن تساعد المنظمين على اتخاذ قرار مدروس بشأن الدولة المضيفة. وقد حدد استطلاع إلكتروني شارك فيه أكثر من 800 مشارك في النسخة السادسة من مائدة أثينا المستديرة حول الذكاء الاصطناعي وسيادة القانون، إلى جانب مشاورات المجتمع المدني والخبراء التي سبقت قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي، عددا من المرشحين المحتملين، من بينهم سنغافورة وكندا وكينيا والبرازيل والهند وسويسرا وبلجيكا.


تحويل سلسلة قمم الذكاء الاصطناعي العالمية إلى منصة مستدامة للتعاون الدولي

إن تطبيق هذه العناصر يمكن أن يمهد الطريق نحو سلسلة قمم أكثر تنظيما، بما يضمن نجاحها واستمراريتها على المدى الطويل. ومع الحفاظ على مرونتها في التفاعل مع مشهد الذكاء الاصطناعي المتغير، قد تشمل ملامح هذه المنصة وجود طاقم دائم، أو ذراع تنسيقية، أو ميثاق يحدد نطاق القمة وأهدافها.

وعند التخطيط لنجاح القمم المستقبلية، يمكن أن يشكل تقييم القمم السابقة نقطة انطلاق مهمة. ولا ينبغي أن تقتصر هذه المراجعة على المخرجات فحسب، بل تشمل أيضا عوامل مثل تنوع المشاركين، وجودة الحوار ومستوى التفاعل، وقوة الشراكات والتعاونات الجديدة، والأثر الملموس على حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية.

إن الحاجة إلى عمل عالمي منسق في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي لم تكن يوما أكثر إلحاحا مما هي عليه اليوم. ومن خلال تطبيق هذه الأفكار بشكل منهجي، يمكن لقمم الذكاء الاصطناعي العالمية المستقبلية أن تتحول إلى منصات ديناميكية للحوار الهادف والتقدم العملي والتعاون الدولي المستدام. وبهذه الطريقة، يمكنها البناء على الزخم الذي أوجدته قمة العمل بشأن الذكاء الاصطناعي وسابقاتها، والمساهمة في رسم مسار نحو مستقبل أكثر عدلا ومسؤولية مع الذكاء الاصطناعي.

المصدر

مقالات ذات صلة