عندما بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي بالانتشار خارج الأوساط التقنية لتصل إلى أيدي المستخدمين العاديين، رأيت في ذلك فرصة حقيقية لفهم هذا التحول العميق وتسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي بما يخدم مصر دولةً ومجتمعًا. وفي الوقت نفسه، راودتني أسئلة جوهرية: هل يُعد الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية حقيقية لمصر؟ وهل نحتاج إلى إطار قانوني ينظم استخدامه؟ وهل يوفر هذا الإطار حماية كافية للمواطنين؟ وهل هو آمن بما يكفي للفئات الأكثر هشاشة، مثل النساء والأطفال؟
لم تكن هذه الأسئلة بلاغية، بل كانت الدافع الرئيسي لقراري العمل على إعداد مقترح تشريعي لحوكمة الذكاء الاصطناعي. كان هدفي صياغة إطار وطني قائم على الشمول والحوار والتنمية، إطار لا يكتفي باتباع التوجهات العالمية، بل يساهم في تشكيلها بما يخدم مصالح مجتمعنا. إن التجربة التي خاضتها مصر يمكن أن تكون مصدر إلهام لدول أخرى تسعى إلى رسم سياسات رقمية عادلة وشاملة.
مسيرة مصر في تطوير الذكاء الاصطناعي
على مدى السنوات الخمس الماضية، سرّعت مصر التزامها بالذكاء الاصطناعي بوصفه ركيزة أساسية ضمن «رؤية مصر 2030» للتنمية المستدامة. ففي مايو 2021، أطلقت الحكومة أول استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، ركزت على بناء القدرات، ودمج الذكاء الاصطناعي في القطاع العام، وتعزيز التعاون الدولي. كما تم إنشاء المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي تحت إشراف وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية.
وفي يناير 2025، كشف الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي (2025–2030)، التي ترتكز على ستة محاور رئيسية: الحوكمة، والتكنولوجيا، والبيانات، والبنية التحتية، وتطوير المنظومة البيئية، وبناء القدرات.
ومنذ ذلك الحين، أطلقت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عدة مبادرات، من بينها تدريب 100 ألف شاب ضمن برنامج «مستقبلنا رقمي»، والتعاون مع اليونسكو لتقييم جاهزية مصر في مجال الذكاء الاصطناعي، ودمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية. واليوم، تضم مصر مراكز أبحاث متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وأقسامًا جامعية، وشراكات مع شركات تكنولوجية عالمية، ما يعزز موقعها كمركز إقليمي للابتكار.
إصلاح التعليم بقيادة الذكاء الاصطناعي
لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على الشركات الناشئة أو المستشفيات فقط. ففي مايو 2025، وجّه الرئيس السيسي الحكومة بدراسة إدراج الذكاء الاصطناعي كمادة إلزامية في مرحلة التعليم قبل الجامعي. وفي أبريل 2025، تقدمتُ رسميًا بطلب برلماني وآخر إلى نائب رئيس الوزراء، اقترحت فيه إدراج تعليم الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية شاملة لإعداد الأجيال القادمة، كما ورد في الاستراتيجية الوطنية الأولى للذكاء الاصطناعي.
وقد أظهر دعم القيادة السياسية لهذا المقترح أهمية التناغم بين صناع القرار والمجتمع المدني. وتعمل وزارتا التربية والتعليم والاتصالات حاليًا على دراسة كيفية إدماج مفاهيم الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته وأساسيات البرمجة ضمن المناهج الدراسية.
من الحوار إلى التشريع: رحلتي في صناعة سياسات الذكاء الاصطناعي
بصفتي نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، أؤمن بأن صناعة سياسات الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تقتصر على الغرف المغلقة، بل يجب أن تشمل جميع الأصوات. وخلال صياغة سياسة الذكاء الاصطناعي في مصر، جمعنا أطرافًا متعددة، من بينها:
القطاع الخاص، من الشركات الناشئة إلى متعددة الجنسيات، للمساهمة بآرائها حول التنظيم وحماية البيانات والابتكار.
المجتمع المدني، للتأكيد على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والعدالة الخوارزمية وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
المنظمات الدولية، مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واليونسكو، لتبادل أفضل الممارسات والخبرات العالمية.
المؤسسات الأكاديمية، حيث شاركت في استضافة حوارات سياساتية مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة وغرفة التجارة الأمريكية (AmCham) لمناقشة معايير الحوكمة وبناء القدرات.
من التوصيات إلى التنفيذ: جلسة الاستماع الحكومية
لتحويل الحوار إلى سياسة فعلية، تقدمتُ بطلب رسمي إلى وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لعقد جلسة استماع مخصصة للقطاع الخاص فقط. حضر الجلسة أكثر من 70 شركة وخبيرًا، وقدموا توصياتهم مباشرة إلى المسؤولين الحكوميين.
وشكلت هذه الجلسة نقطة تحول مهمة، إذ انتقلت المبادرة من جهد برلماني إلى تعاون تشاركي عابر للقطاعات.
صياغة القانون: الأهداف والشفافية والتصنيف القائم على المخاطر
استنادًا إلى هذه المشاورات، تم إعداد مقترح تشريعي يرتكز على الشفافية والعدالة والشمول. ويشمل المقترح الأهداف الأساسية التالية:
دعم التعليم والبحث العلمي في مجال الذكاء الاصطناعي.
توفير حماية خاصة للأفراد والفئات الأكثر عرضة للمخاطر المحتملة لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
حوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي بما يتماشى مع التزامات مصر الدولية وإطارها القانوني الوطني.
تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي ودولي للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي، بالشراكة مع مؤسسات التنمية.
دعم وتشجيع استثمارات القطاع الخاص في الذكاء الاصطناعي، خاصة الشركات الناشئة والصغيرة.
تعزيز التحول نحو اقتصاد رقمي قائم على التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي.
ولتفعيل هذه الأهداف، يتضمن مشروع القانون ما يلي:
تعريفات واضحة لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
تدابير لحماية البيانات متوافقة مع قانون حماية البيانات الشخصية الصادر عام 2020.
إلزامية العدالة الخوارزمية والشفافية وقابلية التدقيق.
حوافز للابتكار، مثل حاضنات الذكاء الاصطناعي ومراكز البحث والتطوير.
إنشاء لجان أخلاقيات وبرامج تدريب لموظفي القطاع العام.
كما يقدم مشروع القانون إطارًا للتصنيف القائم على المخاطر، يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية، ويقسم أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى ثلاث فئات:
أنظمة الذكاء الاصطناعي المحظورة: تُحظر كليًا بسبب مخاطر غير مقبولة، تشمل الإضرار بالسلامة أو الحقوق أو النظام العام.
أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر: تتطلب موافقة مسبقة، وتوثيقًا مفصلًا، وشفافية، ورقابة تنظيمية مستمرة، مثل الأنظمة المستخدمة في الصحة، وإنفاذ القانون، والبنية التحتية الحيوية، والتعليم.
أنظمة الذكاء الاصطناعي منخفضة أو محدودة المخاطر: يُسمح بها مع ضمانات محدودة، مثل شفافية المستخدم، ووضع علامات على المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي، وإتاحة خيار الموافقة للمستخدم، مثل أنظمة التوصية وروبوتات المحادثة.
يضمن هذا التصنيف التناسب في التنظيم، بما يحمي المصلحة العامة دون كبح الابتكار.
اعتراف دولي: إشادة الاتحاد البرلماني الدولي بالنموذج المصري
أشاد الاتحاد البرلماني الدولي، الذي يمثل أكثر من 179 برلمانًا وطنيًا، بمشروع قانون الذكاء الاصطناعي المصري بوصفه نموذجًا للحوكمة الشاملة. وأكد أن إشراك جميع أصحاب المصلحة يعزز ثقة الجمهور في السياسات الرقمية ويقوي شرعية القوانين التكنولوجية.
الدروس المستفادة
الشمول يبني الثقة: المشاركة متعددة الأطراف تؤدي إلى سياسات أكثر واقعية واستدامة.
الإرادة السياسية ضرورية: دعم الرئيس السيسي رفع الذكاء الاصطناعي من موضوع تقني إلى أولوية وطنية.
القوانين تتطور مع التجربة: صُمم مشروع القانون ليكون قابلًا للتحديث مع تطور المجال.
التعليم هو البنية التحتية الأهم: سد الفجوة الرقمية المستقبلية يبدأ من الفصل الدراسي.
الأخلاقيات أولًا: منذ البداية، تم ترسيخ قيم العدالة والشفافية وعدم التمييز.
التحديات المقبلة
مع انتقال مشروع القانون إلى مرحلة التشريع النهائي والتنفيذ، تبرز عدة تحديات، من بينها:
تدريب الجهات التنظيمية على أساسيات الذكاء الاصطناعي.
تمكين المؤسسات العامة من اعتماد ذكاء اصطناعي أخلاقي.
تقليص الفجوة الرقمية بين المناطق الحضرية والريفية.
ضمان السيادة الوطنية على البيانات.
تعزيز الدور العالمي لمصر كصانعة سياسات، لا مجرد متلقية لها.
ضمان التمثيل في سياسات الذكاء الاصطناعي
بوصفي مشرّعة تقود هذا الجهد، كان من المهم بالنسبة لي إعطاء أولوية لتمثيل النساء والشباب والفئات المهمشة في صنع السياسات التكنولوجية. فإذا بُني الذكاء الاصطناعي على بيانات متحيزة، فإنه سيعيد إنتاج هذه التحيزات. ولهذا يجب أن تكون طاولة صنع القرار مستديرة، متنوعة، وتمثيلية.
رؤية للمنطقة
أتطلع إلى أن ترى مصر مستقبلًا:
شراكات إقليمية متقدمة في سياسات الذكاء الاصطناعي عبر الشرق الأوسط وأفريقيا.
دمج أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في جميع مراحل التعليم.
استثمارات قوية في الذكاء الاصطناعي من أجل الصالح العام.
لأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يخدم الإنسان، لا أن يسيطر عليه.
قوانين أفضل لمستقبل أفضل
علمتني هذه الرحلة أن حوكمة الذكاء الاصطناعي تتطلب شجاعة التشريع قبل معرفة جميع الإجابات، وتواضع الاستماع إلى كل الأصوات. إن تجربة مصر لا تتعلق بالتكنولوجيا فقط، بل ببناء الثقة والملكية المشتركة. وربما يكون ذلك هو أهم بنية تحتية على الإطلاق.
