القائمة الرئيسية

الجميع مطالب بفهم التكاليف البيئية للذكاء الاصطناعي

الجميع مطالب بفهم التكاليف البيئية للذكاء الاصطناعي
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة التكاليف البيئية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، موضحة كيف أدى التوسع السريع في استخدام البيانات والبنى التحتية الحاسوبية إلى ارتفاع كبير في استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية، خاصة مع انتشار النماذج التوليدية العامة. كما تبرز صعوبة قياس الآثار البيئية المباشرة وغير المباشرة للذكاء الاصطناعي، وتؤكد على الدور الحاسم للإدارة المسؤولة للبيانات واختيار النماذج المناسبة لتقليل البصمة البيئية. وفي الختام، تشدد المقالة على أن رفع الوعي وإدماج اعتبارات الاستدامة وإزالة الكربون الرقمي في دورة حياة الذكاء الاصطناعي يشكلان خطوة أساسية لضمان تطوير واستخدام هذه التقنيات بشكل مسؤول ومستدام.

للذكاء الاصطناعي تأثير عميق على المجتمعات حول العالم. فبينما تسهم تطبيقاته في تحسين حياة الكثيرين، يمكنه في الوقت نفسه أن يزيد من أوجه عدم المساواة. وللحماية من الآثار السلبية للذكاء الاصطناعي، يتعين على جميع الأطراف تطويره واستخدامه بطريقة مسؤولة.

غالباً ما يركز الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي على ضمان العدالة والشفافية والمساءلة والسلامة، لكنه نادراً ما يتطرق إلى المسؤولية البيئية. ويعد هذا إغفالاً خطيراً، إذ إن للذكاء الاصطناعي تبعات بيئية جوهرية لا يمكن تجاهلها، لا سيما تلك المرتبطة بتخزين ومعالجة الكم الهائل من البيانات التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي في التدريب والتشغيل وأداء المهام وتوليد المخرجات، مثل بناء تمثيل للبيئة العالمية. وعلى سبيل المثال، تُظهر دراسة أعدّها لوتشيوني وزملاؤه حول تكاليف الطاقة بين نماذج مختلفة أن مهام التصنيف تتطلب ما بين 0.002 و0.007 كيلوواط ساعي لكل ألف عملية استدلال، في حين تتطلب المهام التوليدية طاقة تزيد بنحو عشرة أضعاف للعدد نفسه من عمليات الاستدلال، أي ما يقارب 0.05 كيلوواط ساعي.

تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي يزيد من التكاليف البيئية

تحقق جزء كبير من التقدم الحديث في الذكاء الاصطناعي بفضل زيادات كبيرة في استهلاك البيانات وتوسّع البنى التحتية الحاسوبية.

تُعد البيانات عنصراً أساسياً في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، من حيث إنشاء النماذج واختيارها وضبطها، كما تلعب دوراً محورياً في عمليات الاستدلال، أي العملية التي يستخدم فيها النموذج المدرَّب بيانات جديدة تماماً لاستخلاص النتائج. ويُعد نمو الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً للتوسع السريع في حجم البيانات المُنتجة عالمياً. إذ من المتوقع أن يولّد العالم بحلول عام 2025 نحو 181 زيتابايت من البيانات الجديدة، وأن يرتفع هذا الرقم إلى أكثر من 2000 زيتابايت بحلول عام 2035.

أما البنية التحتية الحاسوبية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، فقد انتقلت من المعالجات العامة إلى معالجات متخصصة مثل وحدات معالجة الرسومات (GPU)، ووحدات معالجة المصفوفات (TPU)، ووحدات المعالجة العصبية (NPU). ومع ذلك، فإن الطلب لا يتباطأ، إذ إن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي العامة يتطلب اليوم قدرة حوسبية تزيد بنحو عشرة مليارات مرة مقارنة بما كان مطلوباً لتدريب أحدث النماذج في عام 2010.

ويثير هذا الاعتماد على التوسع الهائل قضايا الاستدامة بشكل متزايد، ومن المرجح أن تتفاقم هذه المشكلات، لأن الكثير من التقدم المأمول في الذكاء الاصطناعي يعتمد على استمرار هذه الاتجاهات. وللتوضيح، من المتوقع أنه بحلول عام 2026 سيحتاج إجمالي الحوسبة العالمية للذكاء الاصطناعي إلى كمية من الكهرباء السنوية تعادل استهلاك دول مثل النمسا وفنلندا.

في ظل هذا السياق، تصبح الإدارة المسؤولة والكفؤة للذكاء الاصطناعي أمراً حاسماً للحد من الانبعاثات الكربونية في القطاعين العام والخاص. ولا يمكننا الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل مستدام إلا من خلال إدماج اعتبارات إزالة الكربون الرقمي في جميع مراحل دورة حياة الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تقليل الضرر البيئي مستقبلاً.

للذكاء الاصطناعي آثار بيئية مباشرة وغير مباشرة يصعب قياسها

يجب أن تأخذ أي جهود لإدارة الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي في الاعتبار آثاره المباشرة وغير المباشرة. فالآثار المباشرة تنشأ من دورة حياة موارد الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وتشمل مراحل الإنتاج والنقل والتشغيل ونهاية العمر الافتراضي للأنظمة. وترتبط هذه الآثار باستهلاك الموارد، وغالباً ما تؤثر سلباً على المياه والطاقة وانبعاثات غازات الدفيئة، إضافة إلى المواد الخام الأخرى. أما الآثار غير المباشرة، فتنجم عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي نفسها، وتحمل في بعض الأحيان آثاراً إيجابية، مثل الشبكات الذكية والزراعة الدقيقة، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى آثار سلبية، كالتغيرات غير المستدامة في أنماط الاستهلاك.

ولا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب لقياس استدامة أنظمة الذكاء الاصطناعي، لا سيما فيما يتعلق بالآثار غير المباشرة التي يصعب قياسها مقارنة بالآثار المباشرة. ويُعد مجال الحوسبة السحابية الأكثر تقدماً في هذا الجانب، حيث يقوم العديد من مزودي الخدمات الرئيسيين بالإبلاغ عن مؤشرات مثل كثافة الكربون، وانبعاثات الأجهزة، واستخدام السحابة بمرور الوقت، والانبعاثات حسب الخدمة وموقع مركز البيانات. كما أن عدداً كبيراً من مزودي الخدمات السحابية من الموقعين على ميثاق مراكز البيانات المحايدة مناخياً، وهو مبادرة تنظيم ذاتي تهدف إلى جعل مراكز البيانات في أوروبا محايدة مناخياً بحلول عام 2030.

ومع ذلك، لا تزال الشفافية عبر القطاع ككل غير كافية، كما أن التدابير المعتمدة حتى الآن لا تميز بين استخدامات الذكاء الاصطناعي والاستخدامات العامة الأخرى. ويزداد تعقيد مسألة القياس بسبب غياب معيار متفق عليه لاحتساب استهلاك الطاقة المرتبط بحوسبة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تكاليف التخزين والطاقة الشبكية. لذلك، نحتاج إلى إيجاد طريقة دقيقة لتحديد الأثر البيئي الحالي لأنظمة الذكاء الاصطناعي.

الإدارة المسؤولة للبيانات عنصر أساسي لاستدامة الذكاء الاصطناعي

يمكن لممارسات إدارة البيانات المسؤولة أن تلعب دوراً محورياً في تقليل التخزين غير الضروري للبيانات، وبالتالي الحد من الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي. فمجموعات البيانات الضخمة المستخدمة في تدريب الأنظمة، إلى جانب ممارسات التخزين غير الكفؤة، تؤدي إلى زيادة استهلاك الطاقة. ومن أكثر الممارسات ضرراً استخدام البيانات الاصطناعية، التي تُنتج عادة عبر المحاكاة الحاسوبية لسد نقص البيانات المتاحة للتدريب. ورغم فائدتها، فإنها تشكل تهديداً بيئياً لأنها تسرّع من وتيرة إنتاج البيانات عالمياً، فضلاً عن أنها قد تضخم التحيزات وتؤدي إلى سلوكيات غير مرغوبة في نماذج الذكاء الاصطناعي.

ومن خلال اعتماد استراتيجيات تركز على تقليل البيانات، وتحسين كفاءة التخزين، والتخلص المسؤول من البيانات، يمكننا خفض البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي بشكل كبير. وتشير أبحاث حديثة إلى أن ما يصل إلى 80 في المئة من بيانات الأعمال الأساسية المخزنة داخل المؤسسات قد تكون بيانات مظلمة أو زائدة أو قديمة أو غير ذات قيمة، وهو ما يعادل آلاف التيرابايتات.

ويشمل ذلك أيضاً ضرورة توصيف الأثر البيئي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بشكل أدق. فرغم قلة النقاش حول هذا الجانب، يؤكد الخبراء أن “التدريب لا يزال أكثر استهلاكاً للطاقة وإطلاقاً للانبعاثات الكربونية بمراحل مقارنة بعمليات الاستدلال”. وتقدم دراسات لوتشيوني وزملائه تحليلاً شاملاً يبرز الفروق في متطلبات الطاقة بين نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة. فعند مقارنة تكلفة الاستدلال بين نماذج مخصصة لمهمة واحدة ونماذج عامة متعددة المهام في مجال الإجابة الاستخراجية عن الأسئلة، تبين أن النموذج الأكثر كفاءة من النوع الأول يطلق 0.3 غرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، في حين تطلق النماذج العامة نحو 10 غرامات للعدد نفسه من عمليات الاستدلال. ويبرز ذلك أهمية اختيار النموذج المناسب للمهمة لتجنب آثار بيئية سلبية كبيرة.

المفاضلات في تطوير الذكاء الاصطناعي

يتطلب الاستخدام المسؤول بيئياً للذكاء الاصطناعي النظر بشكل شامل في خيارات التصميم والمفاضلات المصاحبة لها. فعند اختيار نماذج الذكاء الاصطناعي، من الضروري تقييم مستوى العمومية المطلوب بعناية. ورغم الإغراء باستخدام أكبر النماذج وأكثرها تعقيداً، ينبغي التساؤل عما إذا كانت هذه النماذج تحقق بالفعل تحسيناً جوهرياً في الأداء، أم أن نماذج أبسط وأقل استهلاكاً للموارد قد تكون كافية.

وعند اعتماد نماذج عامة، يجب أيضاً النظر في كيفية تدريبها. فمثلاً، تساهم مجموعات البيانات مفتوحة المصدر في الحد من تسارع إنتاج بيانات جديدة، مما يقلل من انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بالتدريب. كما أن تقليل انتشار “البيانات المظلمة” الناتجة عن مجموعات التدريب يُعد خطوة مهمة لتجنب تضخم البنى التحتية غير الضرورية أو المكررة.

وتوجد فرص لإدماج الكفاءة البيئية في جميع مراحل التدريب. ويشير تقرير آفاق الاقتصاد الرقمي لعام 2024 إلى إمكانية مساهمة المستخدمين الأفراد في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بيانات موجودة على أجهزتهم الخاصة، ثم نقل النتائج إلى خادم مركزي لدمجها في نموذج محسَّن يُعاد توزيعه على المجتمع. ويسهم هذا النهج في تعظيم الاستفادة من البيانات القائمة بدلاً من الاعتماد على إنتاج بيانات جديدة، ما يحقق كفاءة بيئية أكبر.

رفع الوعي خطوة أولى نحو ذكاء اصطناعي أكثر استدامة

يعني الذكاء الاصطناعي المسؤول تحقيق توازن بين تحسين الأداء ومراعاة المبادئ الأساسية مثل الشفافية والمساءلة والأثر البيئي. ومع تحسن أداء الذكاء الاصطناعي عبر التوسع، يصبح استهلاكه المتزايد للطاقة غير مستدام لعدة أسباب، منها محدودية موارد الحوسبة والبيانات، وتسارع نمو استهلاك الطاقة بوتيرة تفوق قدرة مصادر الطاقة المتجددة، وازدياد الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالبيانات، ما يجعل نماذج الذكاء الاصطناعي جزءاً مهماً من الانبعاثات العالمية.

ولمواجهة هذه التحديات، يجب أن تصبح استدامة تطوير وتشغيل الذكاء الاصطناعي أولوية. فمن خلال مواءمة نمو الذكاء الاصطناعي مع أهداف إزالة الكربون الرقمي، يمكن ضمان دمجه في المجتمع بشكل مستدام ومسؤول. وسيتطلب ذلك تعاوناً وثيقاً بين صانعي السياسات والباحثين وقادة الصناعة لوضع إرشادات تركز على الاستدامة وتطبيقها. كما أن رفع مستوى الوعي لدى ممارسي الذكاء الاصطناعي حول العواقب البيئية لأعمالهم يمثل الخطوة الأولى نحو ترسيخ ثقافة قائمة على الاستدامة داخل مجتمع الذكاء الاصطناعي ودفع تقدم حقيقي وملموس.

المصدر

مقالات ذات صلة