أسهمت مائدة مستديرة للسياسات في طوكيو وورشة عمل في بانكوك في تعميق الحوار بين جنوب شرق آسيا و**منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية**، بما عزز التعاون في حوكمة الذكاء الاصطناعي عبر الدول والقطاعات ومجتمعات السياسات.
حوار تعززه ديناميكيتان أساسيتان
تبرز منطقة جنوب شرق آسيا بسرعة كمركز نابض للذكاء الاصطناعي. فمن إندونيسيا وتايلاند إلى سنغافورة وفييت نام، أطلقت الحكومات استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، كما نشرت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) دليلاً لحوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز اتساق الأطر التنظيمية عبر الولايات القضائية المختلفة.
وفي الوقت نفسه، يتعزز انخراط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مع جنوب شرق آسيا. فقد أبرز اجتماع المجلس الوزاري لعام 2024 المنطقة كأولوية في العلاقات العالمية للمنظمة، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لبرنامج جنوب شرق آسيا الإقليمي (SEARP) وبدء إجراءات الانضمام لكل من إندونيسيا وتايلاند.
وتفتح هاتان الديناميكيتان معاً آفاقاً جديدة للتعاون العملي من أجل ذكاء اصطناعي موثوق وآمن ومأمون.
في عام 2025، تُرجمت هذه الزخم إلى مبادرتين ملموستين: مائدة مستديرة للسياسات في طوكيو في شهر مايو، وورشة عمل تشاركية لتطوير «مجموعة أدوات سياسات الذكاء الاصطناعي» لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في بانكوك في شهر أغسطس. وقد أسهم الحدثان في تشكيل الحوارات الإقليمية حول حوكمة الذكاء الاصطناعي وسد الفجوة بين الخبرة التقنية وتصميم السياسات.
وقدمت اليابان دعماً نشطاً لكلا المبادرتين، في دلالة على التزام قوي بحوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى الإقليمي. وخلال منتدى برنامج جنوب شرق آسيا الإقليمي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في بانكوك، أعربت اليابان عن أملها في أن يصبح الذكاء الاصطناعي ركناً جديداً للتعاون بين المنظمة وجنوب شرق آسيا، مشيرة إلى مائدة طوكيو المستديرة كأولى سلسلة من المبادرات المماثلة. ولاحقاً، دعمت اليابان ورشة العمل التشاركية في بانكوك في أغسطس، بما ساعد على ضمان تركيز إقليمي ومشاركة رفيعة المستوى من مختلف دول جنوب شرق آسيا.
مائدة طوكيو المستديرة: نقاشات حول الذكاء الاصطناعي في الزراعة وإدارة الكوارث والاستراتيجيات الوطنية
في 26 مايو 2025، عقدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومكتبها في طوكيو مائدة مستديرة إقليمية للسياسات جمعت أكثر من 80 خبيراً وصانع سياسات من اليابان وكوريا وجنوب شرق آسيا وأمانة آسيان، إلى جانب مشاركة عدد أكبر عبر الإنترنت. وسلط الحدث الضوء على أهمية ربط الخبرة التقنية بالسياسات لضمان تحقيق فوائد الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، بالاستناد إلى مبادئ المنظمة للذكاء الاصطناعي ومرصد سياسات الذكاء الاصطناعي. وشارك متحدثون من آسيان وتايلاند وسنغافورة التقدم المحرز في تنفيذ استراتيجياتهم الوطنية للذكاء الاصطناعي.
كما قدمت الرؤى البحثية صورة أوضح عن كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالين يُعدان من أولويات المنطقة: الزراعة والوقاية من الكوارث وإدارتها.
الزراعة: يمكن للذكاء الاصطناعي دعم استجابات قابلة للتوسع للتحديات العالمية مثل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وانعدام الأمن الغذائي. ومن الأمثلة على ذلك استخدام نماذج تنبؤية قائمة على الذكاء الاصطناعي في تحسين السلالات الزراعية. فعند تدريب هذه النماذج على بيانات من توليفات هجينة سابقة، وهي عملية تتطلب عادة تجارب يدوية طويلة، يمكن تسريع تحديد أفضل التوليفات لتعظيم الغلال والقيمة الغذائية في ظل ظروف مناخية وتربوية متغيرة.
وإلى جانب تحسين السلالات، يمكن للذكاء الاصطناعي تسهيل العمل اليومي للمزارعين عبر تطبيقات تتراوح بين التعرف الآلي على أصناف المحاصيل وتقديم إرشادات زراعية مخصصة. وللاستفادة الكاملة من هذه الفرص، ستحتاج الحكومات والجهات المعنية إلى استثمارات مستدامة في البنية التحتية الرقمية، ومجموعات بيانات عالية الجودة، وتنمية رأس المال البشري.
الوقاية من الكوارث وإدارتها: في منطقة معرضة بطبيعتها للمخاطر الطبيعية، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي تعزيز الوقاية والاستعداد والاستجابة. إذ يتيح الذكاء الاصطناعي تحسين نماذج المخاطر عبر دمج مصادر متنوعة من البيانات التاريخية والآنية، بما في ذلك أجهزة الاستشعار الأرضية وصور الأقمار الصناعية وبيانات الاتصالات المجمعة. ومع توافر مجموعات بيانات كبيرة وموثوقة، يمكن للتنبؤ المدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يوفر توقعات أكثر دقة وفي توقيت أفضل. ومن الأمثلة البارزة دمج الذكاء الاصطناعي في تقنيات «التوأم الرقمي» التي تجمع بين تدفقات البيانات في الوقت الحقيقي ونماذج الذكاء الاصطناعي لمحاكاة سيناريوهات الكوارث مثل أمواج التسونامي والأعاصير، ما يسمح بتقييم أدق للمخاطر، بما في ذلك تأثيرها على السكان وحجم الأضرار، وتحليل السيناريوهات بكفاءة أعلى، وبالتالي تحسين تخصيص موارد الطوارئ.
ومع تفاقم الضغوط الزراعية بفعل تغير المناخ وازدياد تواتر وحدة بعض الكوارث الطبيعية، تُظهر هذه الحالات كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحقق فوائد مجتمعية ملموسة. كما تؤكد في الوقت نفسه الحاجة إلى حوكمة قوية وتعاون إقليمي، تدعمه مبادرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مثل «مجموعة أدوات سياسات الذكاء الاصناعي» المرتقبة.
وقدمت المنظمة أيضاً عرضاً لأنشطتها في حوكمة الذكاء الاصطناعي الدولية، بما في ذلك مرصد سياسات الذكاء الاصطناعي، ومرصد حوادث ومخاطر الذكاء الاصطناعي، وإطار الإبلاغ الخاص بمدونة سلوك عملية هيروشيما التابعة لمجموعة السبع لمطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
ورشة بانكوك التشاركية: اختبار مجموعة أدوات سياسات الذكاء الاصطناعي
عقب مائدة طوكيو المستديرة، استضافت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بدعم من وزارتي خارجية اليابان وتايلاند، أول ورشة عمل تشاركية لتطوير «مجموعة أدوات سياسات الذكاء الاصطناعي» في 6 أغسطس 2025 في بانكوك. وشارك عشرون من كبار صناع السياسات وخبراء الذكاء الاصطناعي من مختلف أنحاء المنطقة بوجهات نظر إقليمية لتشكيل الأداة، التي ستتضمن وحدة للتقييم الذاتي لتحديد الأولويات والفجوات، إلى جانب مستودع للسياسات والممارسات المثبتة. وتقود هذه المبادرة كوستاريكا بصفتها رئيسة اجتماع المجلس الوزاري لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025، وقد حظيت بالفعل بدعم قوي من حكومات ومنظمات عدة، من بينها وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات في اليابان.
نقاشات تطبيقية حول التحديات الرئيسية والحلول العملية
أتاحت ورشة العمل التشاركية مساحة للمشاركين للعمل ضمن مجموعات فرعية ومناقشة تحديات ملموسة، واستكشاف حلول عملية، وتصميم سياسات فعالة للذكاء الاصطناعي في مجالات رئيسية.
وحدد المشاركون عدداً من التحديات الملحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي في جنوب شرق آسيا، من بينها صعوبة تصميم برامج تمويل عامة للبحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي في ظل وتيرة تطور تقني أسرع من دورات السياسات، إلى جانب الحاجة المتزايدة إلى استثمارات واسعة النطاق.
كما أن ندرة البيانات عالية الجودة باللغات المحلية، وضعف أطر الحوكمة، ومحدودية آليات تبادل البيانات، والاعتماد على مزودي قدرات حوسبة أجانب، كلها عوامل تقيد التقدم، إضافة إلى نقص النماذج المحلية للذكاء الاصطناعي المصممة لتلبية احتياجات القطاعات المختلفة.
وركز المشاركون أيضاً على تحولات سوق العمل، والفجوات الرقمية، والحاجة إلى تعزيز الثقافة والوعي بالذكاء الاصطناعي على جميع مستويات المجتمع، من المواطنين إلى صناع السياسات، لتعزيز فهم الفرص والمخاطر على حد سواء.
كما استعرض المشاركون مبادرات وطنية واعدة، شملت أطر مشاركة بيانات مسؤولة، وحوافز استثمارية لمراكز البيانات ورأس المال المخاطر، ومنصات بيانات قطاعية، ونماذج لغوية كبيرة باللغات المحلية. وتعمل الدول كذلك على إطلاق برامج لبناء القدرات لتعزيز اعتماد الذكاء الاصطناعي والرقابة عليه، مع السعي إلى تحقيق التوازن المناسب بين التنظيم والابتكار من أجل ذكاء اصطناعي موثوق.
واتفق المشاركون عبر مختلف المجموعات على ضرورة تعزيز التفاعل والتعاون وتهيئة الظروف الممكنة للنشر العملي للذكاء الاصطناعي، وبناء القدرات، وتبادل المعرفة.
وستُدرج الأدوات التي نوقشت خلال ورشة العمل ضمن مستودع السياسات في مجموعة الأدوات، بما يتيح لدول أخرى الاستفادة من هذه التجارب وتكييفها مع سياقاتها الوطنية.
من التوجيهات العالمية إلى التطبيق المحلي لحوكمة الذكاء الاصطناعي
شكلت مائدة طوكيو المستديرة وورشة بانكوك محطتين رئيسيتين في بناء حوار إقليمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي مع دول جنوب شرق آسيا. ومن خلال الجمع بين الأطر السياساتية والعروض التقنية، ركزت النقاشات على تحويل التوجيهات الدولية إلى تدابير عملية ومصممة محلياً. وتُسهم جنوب شرق آسيا بالفعل في صياغة كيفية ترجمة المبادئ العالمية إلى أفعال، ومع استمرار التعاون، ستوفر مجموعة أدوات سياسات الذكاء الاصطناعي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للحكومات في المنطقة وخارجها أدوات ملموسة لتصميم وتنفيذ ذكاء اصطناعي موثوق.
