تُعدّ البنية التحتية للقدرة الحاسوبية الخاصة بالذكاء الاصطناعي أصلًا استراتيجيًا لدى الدول، غير أنّ توزيعها وتوافرها وإمكانية الوصول إليها لا تُتَابَع بشكل منهجي. وتقدّم ورقة عمل جديدة صادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) منهجية تهدف إلى سدّ هذه الفجوة، من خلال تتبّع وتقدير مدى التوافر والتوزيع الفيزيائي العالمي للقدرات الحاسوبية السحابية العامة المخصّصة للذكاء الاصطناعي.
لماذا تُعدّ القدرة الحاسوبية مهمة لسياسات الذكاء الاصطناعي
تُشكّل البنية التحتية للحوسبة عنصرًا أساسيًا في تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره، إلى جانب البيانات والخوارزميات. ويشير مصطلح «القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي» إلى العتاد والبرمجيات المتخصّصة اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. ومع ازدياد تعقيد أنظمة الذكاء الاصطناعي، تنمو حاجتها إلى هذه القدرة الحاسوبية بوتيرة متسارعة وبشكل أُسّي.
مزوّدو السحابة العامة: محور استراتيجي
توجد القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي داخل مراكز البيانات، وتتكوّن من عناقيد تضم أشباه موصلات متخصّصة، أو ما يُعرف بمسرّعات الذكاء الاصطناعي. وبوجه عام، تتولّى تشغيل هذه العناقيد ثلاثة أنواع من المزوّدين: مرافق حوسبة ممولة من الحكومات، وعناقيد حوسبة خاصة، ومزوّدو السحابة العامة (انظر الشكل 1).
وتشير القدرة الحاسوبية السحابية العامة للذكاء الاصطناعي إلى خدمات تُقدَّم عند الطلب من قبل مزوّدين تجاريين، وتكون متاحة لعامة المستخدمين.
الشكل 1. الأنواع المختلفة للقدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي ونطاق تركيز هذا التحليل
تركّز هذه الورقة على القدرة الحاسوبية السحابية العامة للذكاء الاصطناعي، وهي محور ذو أهمية خاصة لصانعي السياسات للأسباب التالية:
إتاحتها لشريحة واسعة من الفاعلين، بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة، والمؤسسات الأكاديمية، والهيئات العامة.
دورها المركزي في تطوير ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تنتشر بسرعة في الاقتصادات والمجتمعات.
تمتّعها بدرجة أعلى من الشفافية وقابلية القياس مقارنة بعناقيد الحوسبة الخاصة أو المرافق الممولة حكوميا، والتي غالبا ما تفتقر إلى بيانات متاحة للجمهور.
ورغم أن القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي يمكن الوصول إليها عن بُعد عبر الخدمات السحابية، فإن موقعها الفيزيائي يظل ذا أهمية للأسباب التالية:
ضمان نشر أنظمة ذكاء اصطناعي بزمن استجابة منخفض: فالقرب الجغرافي من البنية التحتية الحاسوبية يقلّل من زمن التأخير، وهو عامل حاسم للتطبيقات التي تتطلب استجابة آنية.
تحقيق الإمكانات الاقتصادية لمراكز البيانات: إذ يسهم استضافة مراكز البيانات في خلق فرص عمل محلية، وجذب الاستثمارات، وتحفيز منظومات الابتكار.
تأمين الوصول إلى القدرة الحاسوبية عبر حوكمة الحوسبة: فامتلاك الولاية القضائية الفيزيائية على البنية التحتية يتيح للحكومات فرض المعايير التنظيمية وإدارة آليات الوصول.
نهج عملي للقياس
يُعدّ الوصول إلى بيانات موثوقة حول القدرة الحاسوبية المحلية للذكاء الاصطناعي تحديا قائما منذ فترة طويلة. وتعتمد هذه المنهجية الجديدة مقاربة عملية وشفافة من خلال الاستفادة من المعلومات المتاحة للعامة لرسم خريطة مواقع البنية التحتية ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي.
وترتكز المنهجية على إحصاء «مناطق السحابة» التابعة لتسعة من كبار مزوّدي الخدمات السحابية، والذين يمثّلون مجتمِعين أكثر من 70% من الإنفاق العالمي على السحابة العامة. ويتم جمع البيانات مباشرة من المواقع الإلكترونية العامة لهؤلاء المزوّدين ومن واجهات استخدام العملاء، مع تسجيل مدى توافر أنواع مختلفة من مسرّعات الذكاء الاصطناعي (رقائق الذكاء الاصطناعي) في كل منطقة سحابية. وبعد ذلك تُجمَّع البيانات لتوليد تقديرات حول توافر القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي حسب الموقع الجغرافي.
وتتميّز هذه المنهجية بمزايا قوية من حيث الموثوقية، وتوافر البيانات، والشفافية، وانخفاض التكلفة مقارنة بالبدائل الأخرى. غير أنّ محدوديتها الرئيسية تكمن في أنها تقدّم صورة جزئية فقط، إذ تُظهر توافر أو عدم توافر أنواع معيّنة من الموارد الحاسوبية (الرقائق) في كل موقع، دون تحديد كمياتها. وتشمل الخطط المستقبلية أتمتة جمع البيانات، وتوسيع نطاق أنواع رقائق الذكاء الاصطناعي المتتبَّعة، وإضافة مزوّدين جدد وبنى تحتية أخرى ذات صلة بالذكاء الاصطناعي.
انعكاسات على الاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي
عند تطبيق هذه المنهجية بالكامل، يمكن للبيانات الناتجة أن تساعد صانعي السياسات على مقارنة البنية التحتية المحلية وتحديد الفجوات في جاهزية الدول للذكاء الاصطناعي. كما يمكن إدراج هذه البيانات في مرصد سياسات الذكاء الاصطناعي وفي مؤشر الذكاء الاصطناعي المزمع إطلاقه.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير النتائج بوصفها مقياسا نهائيا للنجاح. إذ قد تعطي الاستراتيجيات الوطنية الأولوية لنهج مختلفة بحسب السياقات والاحتياجات، مثل الاستثمار في حواسيب فائقة سيادية للذكاء الاصطناعي، أو إقامة شراكات مع مزوّدي السحابة العامة، أو تأمين الوصول إلى قدرات حاسوبية خارجية عبر شراكات إقليمية.
وبناء على ذلك، تتنوّع انعكاسات هذه النتائج، بدءا من توسيع القدرة الحاسوبية لدعم تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، وصولا إلى نشرها على نطاق أوسع لتسهيل الوصول إليها في مجالات التعليم والبحث والابتكار.
دروس مستخلصة من الدراسة التجريبية
طبّقت دراسة تجريبية أُجريت عام 2023 هذه المنهجية على نطاق أصغر. وقدّمت نتائجها أول لمحة تجريبية عن التوزيع الفيزيائي العالمي للقدرة الحاسوبية السحابية العامة للذكاء الاصطناعي:
تم تحديد 187 منطقة سحابية عبر ستة مزوّدين رئيسيين، موزّعة على 39 اقتصادا.
من بينها، كانت 101 منطقة تقع في دول أعضاء.
استضافت 13 دولة قدرة حاسوبية سحابية عامة ملائمة لكل من تطوير ونشر أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، أي القادرة على دعم أعباء تدريب النماذج.
استضافت أربع دول إضافية قدرة حاسوبية مناسبة لنشر الذكاء الاصطناعي، لكنها غير ملائمة لتدريب النماذج واسعة النطاق.
أما بقية الدول الأعضاء فلم تكن تستضيف قدرة حاسوبية سحابية عامة للذكاء الاصطناعي وقت إجراء الدراسة.
وتُعدّ هذه النتائج أول عملية رسم منهجية لمواقع القدرة الحاسوبية السحابية العامة للذكاء الاصطناعي، إذ توفّر رؤى قيّمة حول التوزيع العالمي للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وتمثّل هذه الدراسة التجريبية برهانا على المفهوم، مؤكدة قابلية تطبيق هذا النهج وجدواه، فيما ستعمل النسخ المستقبلية على تحسين المنهجية، وتوسيع نطاق التغطية، وتعزيز دقة البيانات.
