أصدرت الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي (GPAI) تقريرًا جديدًا يتناول تداعيات الملكية الفكرية المرتبطة بكيفية جمع المؤسسات للبيانات واستخدامها في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على ممارسات استخلاص البيانات. ويستعرض هذا التحليل المناهج المتبعة والحلول المحتملة لمعالجة اعتبارات الملكية الفكرية في تطوير الذكاء الاصطناعي. وقد وافقت الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي على التقرير وأصدرته في 30 يناير 2025، مستفيدًا من إسهامات فريق عمل حوكمة الذكاء الاصطناعي التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (AIGO)، إضافة إلى مراجعات وورش عمل نظمتها الشراكة، ولا سيما تلك التي قادها مشروع الملكية الفكرية في GPAI برئاسة مشتركة لكل من لي تيدريش ويان دييتريش. ويأتي هذا العمل ضمن فريق العمل المعني بالابتكار والتسويق في GPAI، الذي يترأسه كل من روبرت كروبلفسكي ولورنس ليو، إلى جانب إسهامات من كارولين بلانكنشيب وتاغوي إيتشيكاوا من جامعة هيتوتسوباشي في اليابان. وقد نشر مشروع الملكية الفكرية في GPAI تقارير سابقة في عامي 2023 و2022، تتضمن مجتمعة معلومات عن أعضاء هذا المشروع.
فهم التحدي
يعتمد تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ولا سيما نماذج اللغة الكبيرة، بشكل كبير على الوصول إلى مجموعات بيانات ضخمة. وتعد طريقة ""استخلاص البيانات"" من أكثر الأساليب استخدامًا لجمع هذه البيانات، حيث تشير إلى الاستخراج الآلي للمعلومات من مواقع إلكترونية أو قواعد بيانات أو منصات تواصل اجتماعي تابعة لأطراف ثالثة. ويمكن لاستخلاص البيانات أن يمس عدة أنواع من حقوق الملكية الفكرية والحقوق المشابهة، بما في ذلك حقوق النشر، وحقوق قواعد البيانات، والعلامات التجارية، والأسرار التجارية، وحقوق الدعاية، والحقوق المعنوية. ويزداد تعقيد هذا الوضع بسبب اختلاف قوانين الملكية الفكرية بين الدول، وهي قوانين يعود كثير منها إلى فترات سبقت ممارسات الذكاء الاصطناعي الحديثة. وليس من المستغرب أن تشهد الدعاوى القضائية المتعلقة باستخلاص البيانات تصاعدًا عالميًا، مع بروز قضايا بارزة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرها من المناطق. كما أثارت المخاوف بشأن مخرجات الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك التي تحاكي أسلوب أو صوت أو مظهر الأفراد دون إذن، ردودًا قانونية متباينة تهدف إلى حماية الحقوق ومنع إساءة الاستخدام. ويشير التقرير العلمي الدولي الصادر حديثًا حول سلامة الذكاء الاصطناعي المتقدم إلى أن حماية حقوق الملكية الفكرية تعد أحد المخاطر التي تطرحها هذه الأنظمة المتقدمة.
يعد استخلاص البيانات ممارسة واسعة الانتشار تشمل أساليب متعددة، إلا أنه يفتقر إلى تعريف موحد عالميًا. كما يواجه الفاعلون المختلفون في منظومة استخلاص البيانات تحديات قانونية متباينة. ورغم أن هذه الممارسة تحظى باهتمام كبير بسبب استخداماتها التجارية، فإنها تستخدم أيضًا لدعم البحث العلمي وغيرها من الأنشطة، ما يستدعي أدوات سياسات مصممة خصيصًا لتناسب اختلاف حالات الاستخدام.
أثر استخلاص البيانات على أصحاب المصلحة
يسلط التقرير الضوء على تأثير استخلاص البيانات على مختلف الأطراف ضمن منظومة الذكاء الاصطناعي، ومن بينهم:
يواجه صناع المحتوى وأصحاب الحقوق تحديات في حماية ملكيتهم الفكرية وحقوقهم الأخرى مع استخلاص أعمالهم لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
تعتمد المؤسسات البحثية والجامعات على استخلاص البيانات لدعم التقدم العلمي.
يقوم مجمّعو بيانات الذكاء الاصطناعي بإتاحة البيانات المستخلصة لأطراف ثالثة، إما دون مقابل أو مقابل رسوم، وقد يشمل ذلك جهات غير ربحية أو تجارية.
يحتاج مطورو الذكاء الاصطناعي إلى الوصول إلى مجموعات بيانات ضخمة لتدريب نماذجهم.
يمكن لشركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية أن تكون في الوقت ذاته مصادر للبيانات المستخلصة وجهات تقوم بعملية الاستخلاص نفسها.
ما الذي يمكن القيام به؟
يوصي التقرير بعدد من التدابير لمعالجة هذه التحديات، من بينها اعتماد مدونات سلوك طوعية، ووضع شروط تعاقدية موحدة، وتطوير أدوات تقنية تسهم في تحقيق توازن أفضل بين الابتكار وحماية حقوق الملكية الفكرية.
يقترح التقرير عدة مقاربات سياساتية لمعالجة هذه التحديات، ويمكن استخدام هذه المقاربات بشكل متكامل، وتشمل:
أ) مدونة سلوك طوعية لاستخلاص البيانات،
ب) أدوات تقنية موحّدة،
ج) شروط تعاقدية معيارية،
د) مبادرات لرفع الوعي.
ورغم أن التقرير يركز أساسًا على حقوق الملكية الفكرية والحقوق المشابهة، فإن المقاربات السياساتية المقترحة تتيح لصانعي السياسات قدرًا من المرونة لمعالجة قضايا الملكية الفكرية والخصوصية وغيرها من الإشكاليات المرتبطة باستخلاص البيانات بشكل شامل ومنسق دوليًا، مع مراعاة القيود والاستثناءات ذات الصلة واختلاف السياسات القانونية بين الولايات القضائية. كما يمكن تصميم هذه الأدوات السياساتية بطريقة تسمح لها بالتكيّف والتطور بمرور الوقت.
وعلاوة على ذلك، يمكن لصانعي السياسات أخذ هذه المقاربات المحتملة بعين الاعتبار عند النظر في تعديل القوانين المعمول بها. ومن المهم الإشارة إلى أن عملية تطوير هذه الأدوات السياساتية بحد ذاتها قد تساعد صانعي السياسات على معالجة القضايا الجوهرية، من خلال السعي إلى توحيد المصطلحات الرئيسية، ووضع تعريفات وتدابير معيارية تدعم الابتكار مع ضمان حماية فعالة للملكية الفكرية وغيرها من الحقوق، وذلك انسجامًا مع مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للذكاء الاصطناعي وغيرها من الجهود متعددة الأطراف ذات الصلة، مثل عملية هيروشيما للذكاء الاصطناعي التابعة لمجموعة السبع. ويمكن أن تكون هذه المقاربات أكثر فاعلية إذا تم تطويرها بمشاركة عالمية ومتعددة أصحاب المصلحة، بما في ذلك مختلف أطراف منظومة البيانات، لضمان تمثيل وجهات النظر المتنوعة بشكل مناسب.
1. مدونة سلوك طوعية
يعد تطوير مدونة سلوك طوعية لاستخلاص البيانات من أبرز التوصيات، بحيث تضع أحكامًا عامة قابلة للتطبيق على نطاق واسع، إلى جانب إرشادات محددة لمختلف الفاعلين في منظومة الذكاء الاصطناعي. ويمكن لهذه الأحكام أن تعالج الأدوار المختلفة لمجمّعي بيانات الذكاء الاصطناعي ولمستخدمي البيانات المستخلصة. ولتعزيز الاتساق، يمكن أن تتضمن المدونة مصطلحات معيارية تضمن فهمًا مشتركًا لأنشطة استخلاص البيانات بين جميع الأطراف المعنية. كما يمكن أن تشمل آليات لمراقبة الالتزام، مثل أنظمة التسجيل، وتقديم توصيات تتعلق بالشفافية وممارسات التوثيق، إضافة إلى إدراج شروط تعاقدية معيارية.
2. حلول تقنية معيارية
يشدد التقرير على أهمية تطوير أدوات تقنية موحّدة تسهم في حماية حقوق الملكية الفكرية وتمكّن أصحاب الحقوق من إدارة الوصول إلى بياناتهم بسهولة أكبر. وقد تشمل هذه الأدوات آليات للتحكم في الوصول إلى البيانات، وأنظمة آلية لمراقبة الالتزام بالعقود، ونظم دفع مباشرة. ويمكن لمثل هذه الأدوات المعيارية أن تبسّط الامتثال بالنسبة للمؤسسات، وفي الوقت نفسه تسهّل حماية حقوق أصحابها عبر منصات متعددة.
3. شروط تعاقدية معيارية
يمكن للشروط التعاقدية المعيارية أن تعالج القضايا القانونية والتشغيلية المرتبطة باستخلاص البيانات، وأن تسهم في تبسيط المفاوضات وتقليل تكاليف المعاملات. وقد تشكل هذه الشروط نقاط انطلاق اختيارية، مع ترك المجال للمؤسسات للتفاوض حول شروطها الخاصة. وكما أوضحت تقارير حديثة أخرى ومنشورات متخصصة وتقارير سابقة للشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي، فإن تطوير هذه الشروط سيستفيد من التعاون بين عدة أطراف معنية، ويمكن تكييفها لتناسب حالات استخدام مختلفة، تتراوح بين البحث غير الربحي والتطبيقات التجارية.
4. مبادرات رفع الوعي
يؤكد التقرير على أهمية رفع مستوى الوعي لدى جميع الأطراف المعنية بشأن استخلاص البيانات وتداعياته القانونية، بهدف تمكينهم من المعلومات اللازمة لحماية حقوقهم وإدارتها. ويشمل ذلك مساعدة أصحاب الحقوق على فهم سبل الحماية المتاحة لهم، وتوعية مستخدمي أنظمة الذكاء الاصطناعي بممارسات الاستخدام المسؤول، وضمان إدراك جميع المشاركين في منظومة بيانات الذكاء الاصطناعي لأدوارهم ومسؤولياتهم.
ويقر التقرير بأن تحديث قوانين الملكية الفكرية قد يكون هدفًا مرغوبًا فيه على المدى الطويل لدى بعض الولايات القضائية، غير أن التدابير المرنة والطوعية يمكن أن تسهم في معالجة التحديات الفورية مع استيعاب التنوع في المقاربات القانونية بين الدول. وتنسجم هذه التوصيات مع مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للذكاء الاصطناعي، التي تشجع على الابتكار المسؤول مع حماية أصحاب الحقوق، وكذلك مع مدونة هيروشيما لقواعد السلوك الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي.
ومع استمرارنا في التعامل مع هذا المشهد سريع التطور، يقدم هذا التقرير إرشادات مهمة لصانعي السياسات والمطورين وأصحاب الحقوق وغيرهم من أصحاب المصلحة. ويمثل خطوة أساسية نحو بناء إطار يحترم حقوق الملكية الفكرية وغيرها من الحقوق، وفي الوقت نفسه يعزز التقدم التكنولوجي.
