حدد خبراء المنتدى العالمي للتكنولوجيا التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) دعم الذكاء الاصطناعي لتطوير تقنيات الكم كأحد أبرز أوجه التآزر العملية بين المجالين. ويستعرض هذا المقال دور الذكاء الاصطناعي عبر الفروع الثلاثة الأساسية لتقنيات الكم: الحوسبة الكمومية، وأجهزة الاستشعار الكمومية، والاتصالات الكمومية.
المقال قدّم لمحة عن تقنيات الكم واستعرض تكاملها مع الذكاء الاصطناعي. أما هذا المقال، فيركز على كيفية مساهمة الذكاء الاصطناعي في تطوير الأنظمة والتطبيقات الكمومية.
الحواسيب الكمومية: ليست نوعًا واحدًا فقط
توجد أنواع متعددة من الحواسيب الكمومية. فبينما تبقى الحواسيب الكمومية الشاملة كبيرة النطاق والتي يمكنها تنفيذ أي خوارزمية كمومية هدفًا طويل الأمد، هناك بالفعل وحدات معالجة متخصصة قائمة. فمثلاً:
الـQuantum Annealers متخصصة في حل مشاكل التحسين.
المحاكيات الكمومية أجهزة مخصصة لنمذجة ظواهر كمومية محددة، مثل الكيمياء، والتي يصعب دراستها على الحواسيب التقليدية.
المحاكيات الكمومية على الحواسيب التقليدية تتيح تشغيل الخوارزميات الكمومية على أجهزة عادية، من الحواسيب المحمولة إلى الحواسيب العملاقة، مما يسمح للعلماء باختبار وتطوير الخوارزميات دون الحاجة لمعدات كمومية فعلية.
يمكن للحواسيب العملاقة التقليدية محاكاة أنظمة كمومية حتى حوالي 50 كيوبت، وهي الوحدة الأساسية للمعلومات في الحوسبة الكمومية. ورغم هذا الحد، تلعب المحاكاة دورًا حاسمًا في تطوير البرمجيات الكمومية، إذ تمكّن الباحثين من تجربة المنطق الكمومي، وتصحيح الأخطاء، واستكشاف التطبيقات المحتملة في بيئة مضبوطة.
كيف يجعل الذكاء الاصطناعي الحوسبة الكمومية أكثر كفاءة وموثوقية
مع زيادة استخدام الخوارزميات لتحسين عمليات المحاكاة الكمومية، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة قوية. على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي:
تحديد أفضل الطرق لتمثيل الحالات الكمومية على الأجهزة التقليدية.
تقليل العبء الحسابي لمحاكاة التشابك الكمومي.
التنبؤ بسلوك الأنظمة الكمومية تحت ظروف مختلفة.
كما يساعد الذكاء الاصطناعي في أحد أكبر التحديات في الحوسبة الكمومية واسعة النطاق: تصحيح الأخطاء.
فالكيوبتات حساسة للغاية للضوضاء، أي العوامل البيئية مثل الحرارة والتداخل، مما يؤدي إلى أخطاء متكررة في الحسابات. على سبيل المثال، تعاني شرائح الكم الفائقة المتقدمة من أخطاء في العمليات ثنائية الكيوبت كل 100 إلى 1000 عملية، أي بمعدل خطأ بين 1٪ و0.1٪. لتحقيق تطبيقات مفيدة في الكيمياء الكمومية أو علوم المواد، يجب خفض معدل الأخطاء بما يصل إلى ثلاثة أصفار إلى حوالي 0.0001٪.
ويتم استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة تصحيح الأخطاء بعدة طرق:
تخفيف الأخطاء (Error mitigation): خوارزميات تراقب الدوائر الكمومية في الوقت الفعلي، وتعدل معلمات النظام لاستقرار سلوك الكيوبت وتقليل احتمالية حدوث الأخطاء.
تصحيح الأخطاء الكمومية (Quantum error correction): يتم ترميز المعلومات عبر عدة كيوبتات فعلية لتشكيل كيوبتات منطقية. ويقوم الذكاء الاصطناعي بالكشف عن الأخطاء وتصحيحها استنادًا إلى أنماط الضوضاء المرصودة، بطريقة تشبه سماعات إلغاء الضوضاء.
كما يُستكشف استخدام التعلم التعزيزي لتكييف تصحيح الأخطاء ديناميكيًا استجابةً لتغير الضوضاء البيئية، ما يمكّن الأنظمة الكمومية من أن تصبح أكثر مرونة وربما قادرة على تصحيح نفسها بمرور الوقت.
الذكاء الاصطناعي يساعد أيضًا في تصميم رموز تصحيح أخطاء جديدة وأكثر كفاءة تتناسب مع البنى التحتية الكمومية، ما يسرّع التقدم نحو الحوسبة الكمومية الخالية من الأخطاء. وفي بعض الحالات، يستخدم التعلم التعزيزي لتكييف الدوائر الكمومية مع خصائص أجهزة محددة، نظرًا لأن لكل كمبيوتر كمومي ضوضاء وخصائص تشغيل فريدة.
الذكاء الاصطناعي يجعل الحوسبة الكمومية أكثر سهولة
أصبح الذكاء الاصطناعي لا غنى عنه لجعل الحوسبة الكمومية أكثر موثوقية وقابلية للتوسع وجدوى تجارية. فهو يعمل كواجهة بين المستخدمين والأجهزة الكمومية، حيث تطور بعض الشركات أنظمة تشغيل تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحويل مشاكل اللغة الطبيعية إلى خوارزميات كمومية، واختيار أفضل توليفة بين الموارد الكمومية والتقليدية، وتنفيذ المهام تلقائيًا. هذا الأسلوب قد يجعل الحوسبة الكمومية متاحة لغير المختصين ويسرّع اعتمادها في الصناعات المختلفة.
تمكين شبكات واتصالات كمومية بالذكاء الاصطناعي
يُعد مجال الاتصالات الكمومية سريع التقدم، ويمكنه تعزيز أمان نقل البيانات باستخدام خصائص كمومية لتشفير ونقل المعلومات. قدرات مثل توليد الأرقام العشوائية الكمومية (QRNG) وتوزيع المفاتيح الكمومية (QKD) تعزز التشفير وتمنع محاولات اعتراض الاتصالات، ما يجعلها جذابة جدًا للأمن السيبراني.
لكن بناء وإدارة الشبكات الكمومية معقد تقنيًا ويستهلك الموارد. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل هذه الشبكات أكثر عملية وقابلية للتوسع من خلال:
رصد الأخطاء وفقدان الإشارات على مسافات طويلة وتطبيق التصحيحات في الوقت الفعلي.
إدارة الموارد وتحسين مسارات الشبكة، خصوصًا مع المكونات المحدودة والمكلفة مثل المكررات الكمومية ووحدات الذاكرة.
تصميم ومحاكاة بروتوكولات اتصالات كمومية فعالة، واقتراح تكوينات أكثر كفاءة قبل تطبيقها فعليًا.
باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن تنسيق الشبكات الكمومية والتقليدية بشكل سلس، ما يمكّن من التوسع التجاري وحماية البنية التحتية المعقدة.
الاستشعار الكمومي الذكي بالذكاء الاصطناعي
تستطيع أجهزة الاستشعار الكمومية كشف تغييرات دقيقة للغاية في الحقول المغناطيسية أو الجاذبية أو الضوء بدقة متناهية، مع تطبيقات في الرعاية الصحية والملاحة ومراقبة البيئة. لكن البيانات الناتجة غالبًا ما تكون معقدة في التحليل.
الذكاء الاصطناعي يساعد على معالجة هذه التحديات عبر:
تنقية الضوضاء وتحسين وضوح الإشارة.
اقتراح التكوينات المثلى لتجارب الاستشعار الكمومي.
تحويل البيانات الكمومية المعقدة إلى رؤى قابلة للاستخدام، مثل تحليل مسح الدماغ للكشف المبكر عن الأمراض العصبية، أو دراسة تأثير الأدوية على الخلايا.
كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في الملاحة الكمومية كبديل لنظام GPS، عبر تفسير التغيرات الدقيقة في المجال المغناطيسي للأرض لتحديد الموقع بدقة، سواء للطائرات أو الغواصات أو المركبات الأرضية في مناطق يصعب فيها الاعتماد على الأقمار الصناعية.
شراكة رابحة: كيف يدعم الكم الذكاء الاصطناعي
مع تطور تقنيات الكم، يصبح دمج الذكاء الاصطناعي ضروريًا لتحويل الإمكانات الناشئة إلى تطبيقات واقعية. وسيُناقش المقال الثالث في هذه السلسلة منظورًا معاكسًا: كيف يمكن لتقنيات الكم أن تسرّع وتطور الذكاء الاصطناعي نفسه، موضحًا الطبيعة التبادلية لهذه الشراكة الناشئة.
