عادةً ما يُقدَّم أمام الاقتصادات متوسطة الحجم خياران فقط للوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم: الاعتماد على الأنظمة الأمريكية أو الصينية، أو التخلف عن الركب. لكن كلا الخيارين لا يحافظ على السيادة التكنولوجية التي باتت الدول تعتبرها أساسية. هنا يظهر خيار ثالث، وهو التعاون الدولي بين الدول خارج هيمنة الولايات المتحدة والصين، إذ تمتلك هذه الدول معًا قدرات حوسبية كبيرة، وغالبية الباحثين البارزين عالميًا، وإرادة سياسية متزايدة لإنجاح هذا المسار. السؤال: هل يمكن لهذه الدول توحيد جهودها لتحقيق ذلك؟
معضلة الاعتماد
اليوم، يقتصر تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم على دولتين أساسيتين فقط: الولايات المتحدة والصين. فقد أعلنت الشركات الأمريكية الكبرى عن استثمارات تتجاوز 300 مليار دولار هذا العام، بينما تتجه الشركات الصينية نحو استثمارات تقترب من 100 مليار دولار. وتسيطر الشركات الأمريكية على نحو ثلاثة أرباع قوة الحوسبة العالمية للذكاء الاصطناعي، فيما تأتي الصين في المركز الثاني بنسبة 15%، وأوروبا بنسبة 5%.
هذا التركيز يخلق فجوتين: الأولى بين الدول، والثانية بين الجامعات والمختبرات الخاصة داخل تلك الدول. حتى في الدول ذات القدرة الحوسبية الكبيرة، غالبًا ما يفتقر الباحثون الجامعيون إلى الموارد التي تستخدمها المختبرات الخاصة بشكل روتيني.
الاعتماد على أنظمة أجنبية يعني قبول احتمال تقييد الوصول أو سحبه، واعتماد حماية البيانات على قوانين خارجية، وأن طريقة معالجة البيانات والنماذج الفكرية فيها تعكس قرارات تصميم اتخذت في بكين أو سان فرانسيسكو. كما أن الانقطاعات الأخيرة في خدمات السحابة أظهرت هشاشة الاعتماد على أنظمة رقمية مركزة حتى في أوقات السلم.
لكن الامتناع عن تبني الذكاء الاصطناعي لتجنب الاعتماد يحمل مخاطره أيضًا، إذ أن التأخر قد يؤدي إلى فجوات في القدرات تتراكم مع الوقت. إذًا، الاعتماد يعرّض للسيطرة والاستغلال، والامتناع يعرّض للضعف. وبالنسبة للدول خارج دائرة المطورين الكبار، لا يحافظ أي خيار على السيادة والاستقلال الاستراتيجي.
الموارد موجودة لخيار ثالث
الجانب الإيجابي هو أن الاقتصادات متوسطة الحجم تمتلك معًا إمكانيات كبيرة لتطوير الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الكفاءات أو البنية التحتية.
الكفاءات البشرية: من بين 100 باحث في الذكاء الاصطناعي الأكثر استشهادًا عالميًا، 87 منهم ينتمون أو يعملون في دول خارج الولايات المتحدة والصين. وكثير من هؤلاء العلماء أعربوا عن تحفظهم على نموذج التطوير السريع المغلق الذي يخضع لمصالح المساهمين بدلًا من الصالح العام. مشروع دولي كبير مدعوم بالموارد والتزام أخلاقي قد يجذب مواهب كبيرة كانت ستتوجه إلى وادي السيليكون.
البنية التحتية: هناك قدرات حوسبية هائلة يتم تشغيلها حاليًا، وقد التزمت أوروبا بأكثر من 20 مليار يورو لتطوير الذكاء الاصطناعي. المصانع الأوروبية والحواسيب العملاقة العامة توفر موارد ضخمة، مثل الحاسوب العملاق ""جوبيتر"" في ألمانيا، و""أليس ريكوك"" في فرنسا المتوقع وصوله في 2026، إلى جانب إنتاج أكثر من 100 ألف شريحة متخصصة في خمس مصانع ضخمة بحلول 2027.
لا يمكن لدولة واحدة متوسطة الحجم منافسة مشاريع ضخمة مثل مشروع ""ستارغيت"" لشركة OpenAI، لكن تنسيق استخدام القدرات الموجودة والمخطط لها عبر عدة دول قد يتيح تطوير الذكاء الاصطناعي على نطاق عالمي. البنية التحتية موجودة، والسؤال: هل ستُستخدم جماعيًا أم ستبقى مجزأة؟
التعاون الدولي في الذكاء الاصطناعي ممكن
المبادرات الحالية تثبت أن التعاون الدولي قابل للتطبيق.
مثال ذلك ""اتحاد تريليون بارامتر""، الذي يضم مراكز حوسبة فائقة ومختبرات بحثية حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، لتطوير واستخدام نماذج ضخمة للذكاء الاصطناعي لأغراض علمية وهندسية. بدلاً من بناء قدرات معزولة، يجمع الأعضاء خبراتهم وبنيتهم التحتية للتعامل مع تحديات لا يمكن لمؤسسة واحدة مواجهتها وحدها. هذا نموذج للتعاون الذي يمكن أن يدعم تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم دون التصادم مع القوى الكبرى.
مثال آخر هو التعاون بين وكالة GENCI الفرنسية وجامعة بريستول، باستخدام تقنيات التعلم الموزع والاتحادي. يسمح هذا النهج لمراكز الحوسبة الوطنية بالمساهمة في عمليات التدريب المشتركة مع الحفاظ على السيطرة الكاملة على بياناتها وبنيتها التحتية، ما يثبت أن التعاون الدولي لا يستلزم مشاركة البيانات الحساسة خارج الحدود الوطنية.
الاقتصاد وراء الذكاء الاصطناعي
تدريب نموذج ذكاء اصطناعي يشبه كتابة كتاب: يتطلب جهدًا مكثفًا ومركزًا مقدمًا، بينما استخدام النموذج (الاستدلال) يشبه نسخ الكتاب؛ حيث تتناسب التكاليف مع عدد المستخدمين ويمكن توزيعها بين الدول. مشاركة تكلفة التدريب مع الحفاظ على استقلالية الاستدلال يمنح الدول فوائد الحجم دون فقدان السيطرة على التطبيقات الحساسة.
الجودة أهم من الحجم
التجارب الحديثة أظهرت أن التفوق في الذكاء الاصطناعي يعتمد على كيفية استخدام الموارد وليس حجمها فقط. مشاريع مثل DeepSeek وMistral حققت أداءً ممتازًا بموارد أقل، بفضل ابتكارات في البنية والتركيز الاستراتيجي. الشراكات متعددة الجنسيات يمكن أن تركز على السيادة والموثوقية والأخلاقيات بدل السباق المحموم للوصول لكل مؤشرات الأداء.
الاستفادة من التجارب السابقة
التعاون الدولي الكبير نجح سابقًا في مجالات أخرى:
CERN أثبت أن الموارد الأوروبية يمكن أن يقود العالم في فيزياء الجسيمات.
Airbus أظهر أن التعاون يمكن أن يتحدى الهيمنة الأمريكية في الطيران.
ITER يسعى لتكرار التجربة في الطاقة النووية الاندماجية.
هذه التجارب توضح أهمية الهيكل شبه الموزع، والتوزيع العادل للتكاليف والفوائد، والحوكمة المرنة لضمان نجاح المشاريع الدولية في الذكاء الاصطناعي.
التوقيت الحاسم
فرصة العمل الجماعي قد لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. تكاليف التدريب المتقدم لا تزال ضمن متناول الاقتصادات المتوسطة المتناغمة، لكن حواجز مثل احتكار الحوسبة، وتركيز الكفاءات، والنفوذ الجيوسياسي ستزداد. التأخر قد يعني البقاء خارج السباق بشكل دائم.
