مع اقتراب فصل الشتاء، تواجه طرق كندا وجسورها وأرصفة المشاة ومبانيها المشكلة ذاتها التي تتكرر كل عام: تشققات ناتجة عن التغيرات الكبيرة في درجات الحرارة. هذه الشقوق تُضعف البنية التحتية وتكلّف ملايين الدولارات سنويًا لإصلاحها.
لكن ماذا لو كانت الخرسانة قادرة على شفاء نفسها كما يفعل جلد الإنسان؟ ماذا لو استطاعت المباني والطرق والجسور أن تحافظ على قوتها ذاتيًا، وتوفّر في الوقت نفسه مبالغ طائلة؟
الخرسانة هي أكثر مواد البناء استخدامًا في العالم، وتشتهر بمتانتها وقلة حاجتها إلى الصيانة. ومع ذلك، فهي ليست بمنأى عن التشقق.
تُصنع الخرسانة من خلط الإسمنت والماء والركام ومواد كيميائية إضافية لتحسين خصائصها. وعندما يتفاعل الإسمنت مع الماء، يتكوّن معجون يربط المكونات معًا. وخلال هذه العملية، قد تؤدي التغيرات الحجمية، أو سوء الصبّ والتشطيب، أو العوامل البيئية لاحقًا، إلى ظهور شقوق. ومع الوقت، تسمح هذه الشقوق بتسلل الماء والغازات والمواد الكيميائية الضارة، ما يضعف الخرسانة تدريجيًا.
هذا التحدي دفع الباحثين إلى التساؤل: هل يمكن معالجة هذه الشقوق بدل الاكتفاء بإصلاحها؟ وفي أبحاثنا، نعمل على استكشاف كيف يمكن للخرسانة ذاتية الشفاء أن تجعل البنية التحتية أكثر صلابة وطول عمر.
الخرسانة ذاتية الشفاء
عندما يُصاب جلد الإنسان بجرح، يبدأ فورًا في إصلاح نفسه. واستلهامًا من هذه القدرة الطبيعية، بدأ الباحثون يتخيلون خرسانة تمتلك خاصية مشابهة.
الخرسانة التقليدية قادرة بالفعل على ترميم الشقوق الصغيرة جدًا عندما يتفاعل الماء مع بقايا الإسمنت غير المتفاعل، في عملية تُعرف بالشفاء الذاتي الطبيعي. لكن هذه العملية بطيئة للغاية ومحدودة بشقوق دقيقة جدًا. وبما أن الخرسانة مادة مصنّعة، فإن قدرتها على “الشفاء الذاتي” محدودة من دون تدخل إضافي. ومن هنا ظهر مفهوم الشفاء الذاتي المستقل.
هذا النوع من الشفاء يحاكي الطبيعة عبر إضافة مواد خاصة إلى الخرسانة، مثل المعادن أو البوليمرات أو الكائنات الدقيقة أو عوامل شفاء أخرى. وعند حدوث تشققات، تتفاعل هذه المواد كيميائيًا أو فيزيائيًا لملء الفراغات وإغلاق الشقوق.
أول تصور حديث للخرسانة ذاتية الشفاء قدّمته الباحثة الأميركية كارولين دراي في أوائل التسعينيات. وفي عام 2006، طوّر عالم الأحياء الدقيقة الهولندي هندريك يونكرس خرسانة تعتمد على البكتيريا لمعالجة الشقوق.
لاحقًا، لفت يونكرس، بالتعاون مع مهندس الهندسة المدنية إريك شلانغن، الأنظار إلى ما عُرف بـ«الخرسانة الحيوية»، التي تحتوي على بكتيريا في صورة أبواغ خاملة. وعندما يتسلل الماء إلى شق في الخرسانة، تنشط هذه الأبواغ وتنتج كربونات الكالسيوم، وهي مادة مناسبة جدًا لملء الشقوق.
وتُعرف هذه العملية باسم الترسيب الحيوي للكالسيت، ويمكنها معالجة شقوق يصل عرضها إلى مليمتر واحد. غير أن هذه الطريقة بطيئة وتعتمد على توفر الرطوبة والكالسيوم داخل الخرسانة، ما يجعل تطبيقها على نطاق واسع أمرًا صعبًا.
ما بعد البكتيريا
دفعت محدودية الحلول المعتمدة على البكتيريا الباحثين إلى استكشاف آليات قائمة على التفاعلات الكيميائية. ففي هذه الحالة، تُضاف مواد شفاء تتفاعل مع الماء أو الهواء أو الإسمنت أو مواد المعالجة، فتغلق الشقوق بسرعة أكبر.
تعمل هذه المواد بطريقتين: بعضها يعتمد على مادة واحدة فقط، مثل سيليكات الصوديوم، بينما يحتاج البعض الآخر إلى مادتين تتفاعلان معًا. وفي هذا النوع الأخير، لا بد من إطلاق المادتين في الوقت نفسه عند حدوث التشقق حتى تبدأ عملية الإصلاح.
تمتاز هذه الطريقة بقدرتها على إصلاح شقوق أكبر وبسرعة أعلى مقارنة بالحلول الحيوية، لكنها تطرح تحديًا أساسيًا: كيف نضمن بقاء مادة الشفاء سليمة أثناء خلط الخرسانة، وألا تتحرر إلا عند تشكل الشقوق؟
ولحل هذه المعضلة، يلجأ الباحثون إلى تخزين مواد الشفاء داخل أوساط واقية، إما عبر شبكات دقيقة تشبه الأوعية الدموية، أو داخل كبسولات صغيرة. تحمي هذه الأوساط مادة الشفاء حتى يتكون الشق، وعندها تنفجر الكبسولات أو تتمزق الشبكات، فتُطلق المادة وتسدّ الشق.
لكن الشبكات الوعائية تتطلب خزانات خارجية لتزويدها بمادة الشفاء، ما يجعل صبّها معقدًا، ويجعلها عرضة للتلف أو التسرب. ولهذا السبب، برزت تقنية التغليف بالكبسولات بوصفها خيارًا أكثر واعدية.
التغليف بالكبسولات كحل محتمل
تعتمد هذه التقنية على تغليف مادة الشفاء بقشور بوليمرية لتكوين كبسولات مجهرية. ورغم آفاقها الواعدة، لا تزال تواجه تحديات عدة. إذ يستخدم الباحثون طرقًا مختلفة لصناعة هذه الكبسولات واختبارها، ولا يوجد حتى الآن معيار موحّد لمقارنة النتائج أو قياس الفاعلية. كما أن تماسك الكبسولات مع الخرسانة المحيطة بها يمثل تحديًا إضافيًا يحتاج إلى مزيد من البحث.
في مختبرنا بجامعة ماكماستر، نعمل على تحديد الخصائص الهندسية والميكانيكية المثلى للكبسولات بحيث تكون متوافقة مع الخرسانة. يجب أن تتحمل هذه الكبسولات ظروف الخلط القاسية، لكنها في الوقت نفسه يجب أن تنفجر عند تشكل الشقوق.
كما نطوّر طرق اختبار موحّدة لقياس نسبة بقاء الكبسولات سليمة أثناء الخلط، وأخرى لتقييم كفاءة نظام الخرسانة ذاتية الشفاء. ونبحث كذلك في إمكانية الجمع بين الكبسولات الحيوية والكيميائية لتحقيق شفاء قصير وطويل الأمد معًا.
لا يزال الطريق طويلًا لتحديد أي من هذه الأساليب هو الأفضل: الخرسانة الحيوية، أو المعتمدة على التفاعلات الكيميائية، أو ربما مزيج منهما.
في النهاية، فإن دمج هذه الحلول في البنية التحتية سيعود بالنفع على المجتمعات حول العالم. فالتشققات في الخرسانة لا تسيء إلى المظهر فقط، بل تقود مع الوقت إلى تدهور خطير وتكاليف إصلاح باهظة. ولهذا السبب، فإن تطوير خرسانة تقاوم التشقق أو تعالج نفسها ذاتيًا ليس رفاهية علمية، بل ضرورة هندسية للمستقبل.
