القائمة الرئيسية

تحذيرات إنفلونزا الطيور تُهمَل

تحذيرات إنفلونزا الطيور تُهمَل
ملخص المقال

يحاجج المقال بأن تجاهل تحذيرات إنفلونزا الطيور اليوم يكرر الخطأ نفسه الذي سبق جائحة كوفيد، حين ضاعت إشارات الإنذار المبكر داخل البيروقراطيات وضعف الاستعداد، رغم وضوح المؤشرات العلمية. فالفيروس، وإن كان انتقاله المستدام بين البشر لا يزال منخفض الاحتمال، يتمدد على نحو مقلق بين الطيور والثدييات، ويجري اختباره مرارًا عبر القفز بين الأنواع في بيئات زراعية مكتظة، بينما تتراجع قدرات المراقبة والجاهزية بسبب تقليص الميزانيات وتآكل الخبرات وضعف تبادل البيانات. ويرى الكاتب أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الفيروس ذاته، بل في هشاشة «سلسلة التحذير» التي تربط الاكتشاف بالقرار، إذ تخفت الإشارات كلما صعدت داخل المؤسسات وتغيب عن وعي الجمهور، ما يخلق شعورًا زائفًا بالأمان. ومع أن العالم اليوم يمتلك أدوات أفضل مما كان عليه قبل كوفيد، فإن الاحتمال المنخفض لا يعني انعدام الخطر، وتجاهل التحذيرات الآن قد يعني أن الإنذار التالي سيصل متأخرًا، بعد فوات الأوان.

يقال إن في عالم النشر قاعدة غير مكتوبة: لا تكتب عن كوفيد. فقد استُهلك انتباهنا الجماعي حتى التخمة خلال تلك الأشهر الطويلة من العزلة، حين كنا محاصرين في علّيات البيوت وزوايا الشقق الضيقة، نحدّق في عالم انقطعنا عنه. وبعد أن انقضى الأسوأ، نشأت لدينا رغبة عارمة في إغلاق ذلك الفصل بإحكام، كأنه لم يكن.

لكن إغلاق الفصل لا يطوي المعاناة وحدها؛ بل يطوي معها الدروس القاسية التي تعلمناها: كيف يمكن للأنظمة أن تتداعى بسرعة مذهلة، وكيف تراكمت تحذيرات فيروسات كورونا على مدى عشرين عامًا دون استعداد حقيقي، وكيف تتحول الأدوات التي نعتمد عليها للحماية إلى أعمدة تسند الكارثة التالية بدل أن تمنعها.

وهذا الدرس يفرض نفسه اليوم، فيما يتشكل تهديد جديد في الأفق: إنفلونزا الطيور شديدة الإمراض.

صحيح أن احتمال انتقال إنفلونزا الطيور بين البشر بشكل مستدام لا يزال منخفضًا، لكن ذلك لا يجعل الفيروس بلا خطر. فسلالات H5 مدمّرة للطيور على نحو غير مسبوق؛ فقد نفق ملايين الطيور، وأُعدم مئات الملايين في محاولات الاحتواء. والأشد إثارة للقلق أن الفيروس وسّع دائرة ضحاياه ليطال الثدييات: أكثر من سبعين نوعًا، من فقمات الفيل إلى الدببة القطبية، شهدت حالات نفوق جماعي.

هذه ليست حوادث متفرقة، بل مؤشرات على تحوّل أعمق. فمزارع الدواجن المكتظة تهيّئ بيئة مثالية لعبور الفيروس بين الأنواع. وفي الولايات المتحدة وحدها، أُصيب أكثر من ألف قطيع ألبان خلال عامين، بل رُصدت آثار فيروسية في الحليب نفسه — مسار مقلق لانتقال العدوى. وكل انتقال من نوع إلى آخر هو تجربة جديدة يخوضها الفيروس بحثًا عن موطئ قدم.

وأوروبا ليست بمنأى عن ذلك. فبين مطلع سبتمبر ومنتصف نوفمبر 2025، جرى العثور على أكثر من 1,400 طائر بري مصاب في 26 دولة، أي أربعة أضعاف ما سُجل في الفترة نفسها من العام السابق.

أما الإصابات البشرية فما تزال محدودة العدد، لكنها عالية الخطورة. فمنذ عام 2003، سُجّلت أقل من ألف إصابة مؤكدة بفيروس H5N1 عالميًا، لكن ما يقارب نصف المصابين توفوا. والأرقام، وإن كانت صغيرة، تتصاعد ببطء.

في الأميركيتين، سُجلت عشرات الحالات منذ 2022، وشهدت الولايات المتحدة في نوفمبر أول وفاة بفيروس H5N5 لدى مريض يعاني أمراضًا مزمنة. وفي أوروبا، ورغم عدم تسجيل إصابات بشرية حتى الآن، يحذر خبراء الوقاية من الأمراض من أن الانتشار الواسع بين الحيوانات يرفع احتمالات انتقال العدوى إلى الإنسان.

ينصب عملي البحثي على فهم كيف تنهار التحذيرات قبل وقوع الكوارث: في السياسة الدولية، وفي الاستخبارات، وفي الحوادث الصناعية. والنمط يكاد يكون واحدًا دائمًا: يلتقط من هم في الصفوف الأمامية الإشارة الأولى، لكنها تتلاشى كلما ارتفعت في السلم المؤسسي، فتُخفَّف حدتها بسبب البيروقراطية، أو تضارب التفسيرات، أو ببساطة لأن المؤسسات تنسى.

وحريق هونغ كونغ الأخير مثال صارخ. فقد نبّه سكان أحد المجمعات السكنية مرارًا إلى مخاطر ألواح قابلة للاشتعال، وشباك غير معتمدة، وإشعارات سلامة جرى تجاهلها لسنوات. لكن تلك التحذيرات لم تجد من يصغي إليها، حتى اندلع الحريق.

تتقاسم الإخفاقات الكبرى سمات متكررة: إشارات ضعيفة تضيع وسط الضجيج، وبيروقراطيات تُبطئ نقل الأخبار المزعجة أو تُلطّفها، وغريزة سياسية تميل إلى التقليل من شأن ما يهدد الروايات المستقرة. والتحذير، في جوهره، سلسلة تمتد من الاكتشاف إلى القرار. وغالبًا ما لا تنكسر السلسلة بالكامل، بل تتعطل إحدى حلقاتها في اللحظة الحاسمة.

إنفلونزا الطيور اليوم عالقة داخل مثل هذه السلسلة. فالقدرة العلمية على الرصد موجودة: أطباء بيطريون، وعلماء فيروسات، وأنظمة مراقبة ترصد التفشيات وتفك شيفرة الفيروس. لكن البنية المؤسسية التي يفترض أن تتدخل مبكرًا باتت واهنة. فالمؤسسات التي كانت تراقب أخطار الأوبئة الناشئة جرى إفراغها تدريجيًا: ميزانيات تقلصت، وخبرات غادرت.

حين تضعف المراقبة

كشفت دراسة شملت أكثر من ثلاثين دولة أوروبية أن جائحة كوفيد عرّت «فجوة خطيرة في الجاهزية»، ودعت إلى مؤشرات موحّدة وشفافية في البيانات كأساس لأي استجابة مستقبلية. صحيح أن الاتحاد الأوروبي أطلق خطة جديدة لما قبل الجائحة، لكنها لا تخفي القصور اليومي في الرصد والاستجابة، والذي ما زال يترك الدول مكشوفة.

وفي الولايات المتحدة، أدت التخفيضات إلى إرباك مراكز السيطرة على الأمراض. ويحذر علماء من أن وتيرة التقارير الفيدرالية تباطأت، وأن وزارة الزراعة شاركت بيانات جينية محدودة عن تفشي المرض في الأبقار وغيرها، وبصيغ متأخرة وغير قابلة للاستخدام البحثي. والنتيجة: عجز العلماء عن تتبع تطور الفيروس وانتشاره.

وفي المملكة المتحدة، واجهت المراقبة الصحية ضغوطًا مشابهة، مع تراجع الوصول إلى المعلومات الأوروبية ونقص مزمن في الأطباء البيطريين، ما أضعف الاكتشاف المبكر.

وعندما تخفت الإشارات داخل المؤسسات، فإنها تخفت أيضًا في وعي الجمهور. والتحذير الخافت نادرًا ما يصل بعيدًا.

تُظهر استطلاعات الرأي ذلك بوضوح: معظم الأميركيين لا يرون في إنفلونزا الطيور تهديدًا حقيقيًا. ويزيد الأمر تعقيدًا أن أعراض العدوى لدى البشر قد تكون طفيفة للغاية، كما في حالة عامل ألبان ظهرت عليه أعراض لا تتجاوز التهاب العين.

هذا لا يعني أن جائحة جديدة على الأبواب. فالسلطات الصحية تؤكد أن احتمال انتقال فعال بين البشر لا يزال ضعيفًا، وهذه الفيروسات نادرًا ما تقفز تلك القفزة. ولسنا بلا أدوات: نحن اليوم أكثر استعدادًا مما كنا عليه قبل كوفيد، بفضل لقاحات قيد التطوير، وبروتوكولات أوضح، وخبرات تراكمت عبر الألم.

لكن الاحتمال المنخفض ليس احتمالًا معدومًا. ولو تحقق، فقد تكون العواقب مدمّرة. فمعظم البشر يملكون مناعة جزئية ضد الإنفلونزا الموسمية، لكنهم على الأرجح بلا أي مناعة تجاه H5. ثم إن الإنفلونزا تاريخيًا لا تفتك بالهشّين وحدهم؛ فقد حصدت أوبئة سابقة أرواح أعداد كبيرة من البالغين الأصحاء.

ويزداد القلق حين تتعرض الخبرة الصحية نفسها للتشكيك والهجوم، ما يضعف القدرة على تحويل الإنذار إلى فعل.

فإذا أدرنا ظهورنا لتحذيرات إنفلونزا الطيور لأن أنظمتنا باتت مشتتة، ومُقَلَّصة التمويل، وضعيفة الانتباه، فإننا نخاطر بتكرار السيناريو ذاته. وعندها سيصل الإنذار التالي متأخرًا، بعد أن يصبح من المستحيل على أحد أن يقول: لم نكن نعلم.

المصدر

 

مقالات ذات صلة