القائمة الرئيسية

الصحة القادرة على الصمود: أفق استثماري جديد في مواجهة تغيّر المناخ

الصحة القادرة على الصمود: أفق استثماري جديد في مواجهة تغيّر المناخ
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف أصبح تغيّر المناخ خطرا ماليا ممنهجا تقف آثاره الصحية في صلب التقلب الاقتصادي العالمي، وتبرز في المقابل الصحة القادرة على الصمود كفرصة استثمارية جديدة عالية النمو تجمع بين العائد الاقتصادي والأثر المجتمعي. وتوضح أن تصاعد المخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ يعيد تشكيل الطلب في الأسواق، ويفتح المجال أمام تقنيات وخدمات مبتكرة في الرعاية الصحية، مدعومة بزخم سياسي وتمويلي وتكنولوجي غير مسبوق. كما تؤكد أن الاستثمار في الصمود الصحي لا يخفف المخاطر فحسب، بل يحقق عوائد قوية طويلة الأجل، ما يجعله جبهة استثمارية واعدة لرأس المال الباحث عن النمو والاستدامة في آن واحد.

  • أصبح تغيّر المناخ خطرا ماليا ممنهجا، وتعد آثاره الصحية من أكثر محركات التقلب الاقتصادي العالمي تأثيرا وأقلها تسعيرا حتى الآن.
  • وقد حان الوقت أمام المستثمرين لاقتناص فرصة الاستثمار في الصحة القادرة على الصمود، بما يدعم النمو ويعزز مناعة المجتمعات في آن واحد.
  • ويطلق المنتدى الاقتصادي العالمي مسارا جديدا للعمل بعنوان الاستثمار في الصحة القادرة على الصمود، بهدف توفير معلومات السوق، وتمكين السياسات، وبناء الشراكات اللازمة لإطلاق هذه الفرصة.

وفي حين تخلق المخاطر الصحية الناجمة عن المناخ تعرضا كبيرا على مستوى الاقتصاد الكلي، فإنها ستقود أيضا إلى تحولات جوهرية في احتياجات السوق والطلب. وبالتوازي، تؤدي الالتزامات السياسية والاستثمارات العامة، والتطور السريع للتقنيات، وظهور استثمارات التمويل المختلط إلى توافق نادر بين حاجة السوق، وجاهزية الابتكار، وزخم السياسات، وتنامي قاعدة الشركات المبتكرة. اليوم هو الوقت المناسب للمستثمرين لاغتنام هذه الفرصة من أجل تحقيق النمو وتعزيز صمود المجتمعات.

لقد بات تغيّر المناخ خطرا ماليا ممنهجا، وتشكل آثاره الصحية أحد أكثر محركات التقلب الاقتصادي العالمي تأثيرا وأقلها احتسابا في الأسعار. فهذه المخاطر تؤثر مباشرة في الإنتاجية، والتزامات التأمين، ونفقات الرعاية الصحية، وقدرة الدول على الصمود، واستقرار سلاسل الإمداد، وهي جميعها اعتبارات أساسية للمستثمرين الباحثين عن قيمة طويلة الأجل.

وبحلول عام 2050، قد تتسبب الآثار الصحية المدفوعة بالمناخ في خسائر اقتصادية تصل إلى 12.5 تريليون دولار، إضافة إلى 14.5 مليون حالة وفاة إضافية، في حين قد يؤدي تفاقم مقاومة مضادات الميكروبات إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3.8%. كما قد تتجاوز خسائر إنتاجية القوى العاملة الناتجة عن الآثار الصحية لتغيّر المناخ 1.5 تريليون دولار في قطاعات الأغذية والزراعة، والبيئة العمرانية، والرعاية الصحية فقط. ومن المتوقع أن تواجه شركات الصحة العالمية الكبرى وحدها خسائر سنوية قدرها 31 مليار دولار بحلول 2050، نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، وفقدان الإيرادات بسبب تعطل الأعمال، وتكاليف إصلاح الأصول.

استثمارات الصمود

تسهم هذه التأثيرات في تسريع الطلب وتوسيع نطاق الفرص الاستثمارية نحو تقنيات وخدمات تحمي السكان وتضمن استمرارية الرعاية الصحية. ومن الأمثلة على ذلك:

  • من المتوقع أن ينمو سوق الرعاية الصحية عن بُعد، الذي أصبح ضروريا خلال الاضطرابات الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة، من 161 مليار دولار في 2024 إلى أكثر من 790 مليار دولار بحلول 2032.

  • سيؤدي تغيّر المناخ إلى تبدل الأنماط الجغرافية للأمراض التنفسية والمعدية والمزمنة، ما يرفع الطلب على التشخيصات واللقاحات والعلاجات في الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

  • مع ارتفاع درجات الحرارة وتشديد معايير كفاءة الطاقة، تتوقع مؤسسة التمويل الدولية IFC أن ينمو سوق أنظمة التبريد من 150 مليار دولار في 2024 إلى ما لا يقل عن 600 مليار دولار بحلول 2050.

  • من المتوقع أن تنمو استثمارات البنية التحتية الصحية، خصوصا في الدول الناشئة، بشكل ملحوظ نتيجة الشيخوخة السكانية، وتأثيرات المناخ، والتحضر، والتنمية الاقتصادية.

وتظهر قاعدة متنامية من الأدلة أن استثمارات الصمود تتجاوز التوقعات التقليدية من حيث الأداء. إذ تشير الأبحاث إلى أن كل دولار يُستثمر في صمود المناخ يحقق أكثر من 10 دولارات من المنافع الاقتصادية، مع متوسط عوائد سنوية تتجاوز 20% وقد تصل إلى 79% في خدمات الصحة. كما تقدر مجموعة بوسطن الاستشارية أن يصل سوق التكيف والصمود إلى ما بين 0.5 و1.3 تريليون دولار بحلول 2030، بنسبة منفعة إلى تكلفة تبلغ 7 إلى 1 لشركات الرعاية الصحية وعلوم الحياة.

ويؤكد تحليل البنك الدولي لحلول التكيف المناخي في قطاع الصحة هذا الاتجاه، مع عوائد استثمار مقدرة تشمل وفورات تكاليف الرعاية الصحية على النحو التالي:

  • ما بين 168 و317 دولارا لكل دولار يُستثمر في البنية التحتية الصحية القادرة على الصمود، في حين لا يُخصص حاليا سوى دولار واحد من كل 87 دولارا من استثمارات البنية التحتية لمشاريع تراعي اعتبارات الصمود.

  • 416 دولارا لكل دولار يُستثمر في توصيل الإمدادات الطبية عبر الطائرات المسيّرة.

  • 15 دولارا لكل دولار يُستثمر في خدمات الرعاية الصحية عن بُعد القائمة على الرسائل النصية.

سياسات وتمويل ممكنان

تتغذى هذه الفرص على تطورات تشكل السوق، تشمل تسارع الابتكار التكنولوجي، وتكيف شركات علوم الحياة، وتمكين السياسات العامة، ومستويات كبيرة من الاستثمارات التحفيزية والتيسيرية.

فالتقنيات التي كانت تُعد تجريبية باتت اليوم قابلة للاستثمار وجاهزة للنشر على نطاق واسع. وقد جرى اختبار شبكات توصيل الإمدادات الطبية بالطائرات المسيّرة وإثبات جدواها في الأسواق الناشئة والمتقدمة. كما تُمكّن أنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي شركات التأمين والمستشفيات والحكومات من توقع موجات الحر، وتفشي الأمراض المنقولة بالنواقل، وضغوط البنية التحتية. وأثبتت أجهزة التكييف عالية الكفاءة جدواها الاقتصادية، وأظهرت الأجهزة الشخصية قدرتها على مراقبة المخاطر الصحية بفاعلية، كما جرى نشر منتجات التأمين البارامتري عالميا.

وتعمل شركات علوم الحياة أيضا على تكييف محافظها، حيث تشير تقارير إلى أن ما بين 50% و80% من خطوط البحث والتطوير لديها باتت تتماشى مع الأمراض التي يفاقمها تغيّر المناخ. وتشهد التركيبات الدوائية المستقرة حراريا، واللقاحات المصممة لظروف مناخية متغيرة، وأدوات التشخيص عند نقطة الاستخدام تقدما سريعا.

وفي الوقت ذاته، تتشكل بنية تمويلية جديدة لدفع الابتكار والاستثمار في المراحل المبكرة في مجال الصحة القادرة على الصمود. فقد جمعت مبادرة تحالف ممولي المناخ والصحة أكثر من 35 مؤسسة خيرية، والتزمت بتوفير 300 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات لدعم الابتكار والتوسع المبكر. كما اتفقت بنوك التنمية متعددة الأطراف على خارطة طريق مشتركة للمناخ والصحة، وتعمل على توسيع الاستثمارات مع السعي لجذب رأس المال الخاص. وتُطلق أدوات تركز على احتضان وتوسيع المشاريع ذات الأثر في هذا المجال عبر مناطق مختلفة، بما في ذلك مبادرات تقودها جهات مثل PATH وصندوق الابتكار العالمي، ومؤسسة تيماسيك، وغراند تشالنجز كندا، وAVPN، وZinc وغيرها. وستسهم هذه الآليات خلال السنوات المقبلة في توسيع خط أنابيب الحلول والمشاريع القابلة للاستثمار، وتقليل مخاطر الشركات الناشئة، وخلق نقاط دخول منظمة لمستثمري الأسهم والديون والبنية التحتية.

وأخيرا، ترسل الالتزامات السياسية إشارات سوقية واضحة وقوية، مع تسارع الحكومات في الاصطفاف حول أجندة صمود الصحة. فقد دعا وزراء صحة مجموعة السبع إلى توسيع الاستثمارات من القطاعين العام والخاص، كما التزمت مجموعة العشرين بدعم التقنيات الصحية المتكيفة مع المناخ والبنية التحتية للصحة الرقمية. وخلال يوم الصحة في مؤتمر الأطراف COP28، قدّمت أكثر من 120 دولة وشركائها في التمويل أول التزام سياسي عالمي بهذا الشأن، وتعهدوا بأكثر من مليار دولار في التمويل. كما تتضمن استراتيجية الاتحاد الأوروبي لعلوم الحياة 300 مليون يورو لشراء الابتكارات الصحية القادرة على الصمود، ما يعزز الحوافز التجارية للمطورين.

الاستثمار في الصحة القادرة على الصمود

تتبلور الصحة القادرة على الصمود كحدود نمو عالية لرأس المال طويل الأجل، فهي قابلة للتوسع، وجاذبة للاستثمار، ومخففة للمخاطر، ومتوافقة مع تسارع الزخم السياسي والسوقي عالميا.

وانطلاقا من هذه الأسس القوية، يطلق المنتدى الاقتصادي العالمي مسارا جديدا للعمل حول الاستثمار في الصحة القادرة على الصمود، بهدف تعزيز معلومات السوق، وتمكين البيئات السياسية، وبناء شراكات للحد من المخاطر اللازمة لإطلاق الاستثمارات على نطاق واسع في هذا المجال. وسيعمل هذا المسار على رسم خريطة للحلول القابلة للاستثمار، وإجراء تحليلات للجدوى والمخاطر والعوائد، وعقد حوارات استثمارية تجمع صناع السياسات، والمستثمرين التحفيزيين، والمستثمرين التجاريين.

ويدعو المنتدى المستثمرين الراغبين في التحرك ضمن هذه الفرصة الواعدة في مجال الصحة القادرة على الصمود إلى الانضمام إلى هذه الجهود.

المصدر

مقالات ذات صلة