القائمة الرئيسية

كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل نمو الأطفال: بين الفرص والمخاطر وما لا نعرفه بعد

كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل نمو الأطفال: بين الفرص والمخاطر وما لا نعرفه بعد
ملخص المقال

يتناول المقال أثر الحضور المتزايد للشاشات والتكنولوجيا الرقمية في الحياة اليومية على نمو الأطفال الصغار وعلاقتهم بوالديهم، مؤكدًا أن النمو الإنساني في جوهره عملية اجتماعية تقوم على التفاعل المباشر، والانتباه المتبادل، وبناء المعنى المشترك من خلال النظرات والكلام والإيماءات. ويعرض كيف يمكن للشاشات، رغم قدرتها على دعم التعلم في بعض السياقات، أن تعرقل الانتباه واللعب والنوم، وتضعف لحظات الاكتشاف المشترك التي لا بديل حقيقي عنها في السنوات الأولى. ويخلص المقال إلى أن التكنولوجيا ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا خالصًا، ولا توجد قواعد جاهزة لتنظيم استخدامها، بل إن الأهم هو وعي الكبار بقيمة الانتباه والحضور، والتمييز بين اللحظات التي يمكن أن تؤدي فيها الشاشات دورًا مساعدًا، وتلك التي يجب حمايتها بوصفها أساسًا لبناء العلاقة الإنسانية ونمو الطفل.

في الحافلات والقطارات، يتكرر مشهد بات مألوفًا: أحد الوالدين يمد هاتفه أمام طفل صغير، تعرض شاشته رسومًا كرتونية صاخبة. يضحكان معًا وينشغلان بالمشاهدة، لكن نادرًا ما تلتقي نظراتهما، أو يلتفتان إلى العالم الممتد خلف زجاج النافذة.

هذا المشهد، الذي يعيشه كثير من الآباء، ليس سوى انعكاس لتحول أوسع؛ فقد أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الشاشات الرقمية، ومعها المساعدات الصوتية والروبوتات المنزلية، جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية. وهي لا تغيّر عاداتنا فحسب، بل تعيد تشكيل طرق تفاعلنا مع العالم ومع بعضنا البعض.

السؤال الأهم هو: ماذا يعني ذلك لنمو الأطفال في سنواتهم الأولى؟

النمو الإنساني في جوهره تجربة اجتماعية. فمنذ اللحظات الأولى للحياة، نتعلم من خلال المشاركة مع الآخرين، ومن خلال الاحتكاك بالمواقف الجديدة والثقافات المختلفة، مستعينين بمن هم أكثر خبرة منا. وحين يتفاعل الكبار مع الصغار، لا تنتقل المعرفة في اتجاه واحد؛ بل تُبنى معاني جديدة، ويتعلم الطرفان معًا. الأطفال يكتشفون العالم، والكبار يتعلمون كيف يرونه بعيون طفولية. لكن كيف يمكن لهذا الاكتشاف المشترك أن يحدث إذا كان الانتباه مشتتًا بشاشة؟

تشير عقود من أبحاث علم النمو إلى أن تطور الإنسان يعتمد اعتمادًا عميقًا على تفاصيل دقيقة في التواصل الاجتماعي اليومي. بالنسبة للرضع والأطفال الصغار، التواصل ليس فكرة نظرية، بل خبرة حية تُصنع من لحظات بسيطة: التوقف لمراقبة كائن صغير في الطريق إلى المدرسة، أو تقليب صفحات كتاب على مائدة الإفطار. في مثل هذه اللحظات يتشكل إنساننا.

وما يمنح التفاعل المبكر بين الطفل والبالغ قيمته الخاصة هو أنه يُبنى خطوة بخطوة، عبر الكلام والنظرات والإيماءات والحركة. ففي السنوات الأولى، يتعلم الطفل إيقاع التفاعل الإنساني: متى ينظر، ومتى يتكلم، ومتى يصمت، وكيف ينتظر دوره، وكيف يلفت انتباه الآخر إلى شيء يثير فضوله. هذه الخبرات لا تعلّم الطفل اللغة فحسب، بل تعلّمه كيف يكون مع الآخرين، ولا يوجد بديل حقيقي عنها.

إنسان ما بعد الرقمنة

مع انتشار الأجهزة الذكية ومنصات البث، أصبحت الوسائط الرقمية عنصرًا أساسيًا في الحياة الأسرية. فمعظم الأطفال بين الثانية والخامسة يقضون أكثر من ساعة يوميًا أمام الشاشات، كما أن سن التعرض الأول لها يواصل الانخفاض.

وقد أظهرت دراسات كثيرة خلال العقدين الماضيين أن التكنولوجيا الرقمية تؤثر في الطريقة التي يتعامل بها الأطفال مع حياتهم اليومية: في اللعب، والانتباه، والتذكر، وحتى في النوم. فالانغماس اليومي في الشاشات ارتبط بصعوبات في إنجاز الواجبات، واستكمال المهام، وضبط الانفعالات داخل الأسرة. كما تشير الأدلة إلى أن الشاشات، خصوصًا قبل النوم، تضر بجودة النوم.

بل إن تشغيل التلفاز في الخلفية وحده قد يربك لعب الأطفال الصغار، فيقلل من تركيزهم ويقصر مدة انغماسهم في النشاط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال الصورة في الجانب السلبي فقط. فالأبحاث العصبية تؤكد أن أدمغتنا تتغير بفعل التكنولوجيا، لكن هذا التغير ليس كله مقلقًا. فالمحتوى الجيد، مثل بعض الرسوم التعليمية أو التطبيقات المصممة بعناية، قد يساعد الأطفال على فهم مشاعرهم وتنمية مهاراتهم اللغوية.

وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل نصنع جيلًا أكثر ذكاءً عبر هذه الوسائط؟ وهل الطفل الذي يتجول بحرية في عوالم رقمية تعليمية يصبح أذكى بالفعل؟

يرى بعض المفكرين أن التحول ليس بالضرورة خسارة. ففكرة “الإنسان ما بعد البشري” تُطرح بوصفها مرحلة جديدة في تطورنا الطبيعي، حيث نتغير ونتكيف، لا إلى الأفضل ولا إلى الأسوأ، بل إلى شكل مختلف.

في المحصلة، تملك التكنولوجيا القدرة على دعم نمو الأطفال في مجالات معينة، لكنها في الوقت نفسه قد تعرقل انتباههم، ولعبهم، ونومهم. أما تأثيرها في العلاقة بين الطفل ووالديه، فلا يزال غير واضح تمامًا. ولهذا يعمل باحثون، من بينهم فريقنا في مختبر الروبوتات بجامعة لوند، على دراسة كيفية فهم الأطفال للتكنولوجيا، وكيف تعيد الممارسات الرقمية تشكيل التفاعل داخل الأسرة والمدرسة المبكرة.

لا حلول جاهزة

قبل أكثر من مئة عام، قالت ماريا مونتيسوري إن أعظم ما يمكن أن يقدمه البالغ للطفل هو الانتباه. والانتباه هنا ليس مجرد حضور جسدي، بل استعداد لمرافقة الطفل في طريقته الخاصة لاكتشاف العالم، ومشاركة هذا الاكتشاف معه.

حين ينصرف انتباه الطفل والبالغ معًا إلى شاشة منفصلة عن السياق المحيط، قد نفقد فرصة ثمينة للتعلم المشترك. ففي لحظات الانتباه المتبادل، يختبر الطفل تأثيره في الآخرين، ويتعلم متى يقترب ومتى يبتعد، وكيف ينخرط في العلاقة وكيف ينسحب منها.

ومع تسارع التطور التقني، يصبح من الضروري أن نسأل: إلى أي حد تغيّر التكنولوجيا هذا النوع من التواصل الإنساني الأساسي؟

كثير من الآباء اليوم يشعرون بالقلق من الوقت الذي يقضيه أطفالهم أمام الشاشات، وغالبًا ما يكون تنظيم هذا الوقت معركة يومية. لكن بدل البحث عن وصفات جاهزة أو إلقاء اللوم، ربما الأجدى هو الاعتراف بأنه لا توجد قاعدة واحدة تصلح للجميع. الأهم هو التمييز بين اللحظات التي يمكن أن نترك فيها التكنولوجيا تؤدي دورها، وتلك التي ينبغي أن نحميها من الشاشات.

فكل وقت يُقضى معًا دون وسائط رقمية هو وقت ثمين، حتى لو بدا بسيطًا أو عابرًا. قراءة قصة قبل النوم، تأليف حكايات أثناء القيادة، التجول في الطريق وجمع أشياء صغيرة، أو حتى مشاركة الملل—كلها لحظات تبني علاقة وتعلّم الطفل معنى الحضور.

احتفظوا بهذه اللحظات، واختاروا بحكمة متى يمكن للشاشة أن تكون بديلًا مؤقتًا، خاصة حين تكون طاقة الكبار مستنزفة. لا يوجد نموذج مثالي، بل ما يناسب كل أسرة على حدة.

وربما، بعد سنوات، سنكتشف أن طريقتنا البطيئة في التعلم مع الآخرين ومن خلالهم قد تغيرت جذريًا. والتكنولوجيا، في حد ذاتها، ليست شرًا مطلقًا ولا خيرًا خالصًا، لكن فهمنا الأعمق لكيفية استخدام الأطفال للأدوات الرقمية، ومشاهدتهم ولعبهم وتفاعلهم من خلالها، بات ضرورة لا غنى عنها.

المصدر

مقالات ذات صلة