هل يمكن أن يكون أحد أعلى الاستثمارات عائدًا على مستوى العالم ليس في الذكاء الاصطناعي، بل في الهواء النظيف؟
يمحو تلوث الهواء بهدوء نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي كل عام، أي ما يعادل تقريبًا ثلاثة إلى ستة أضعاف النمو الاقتصادي السنوي المتوقع من الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، ورغم أن هذا الخطر يسلب البشر سنوات من أعمارهم أكثر مما يفعله فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والملاريا مجتمعين، فإن أقل من 0.1% من العمل الخيري العالمي يُوجَّه لمعالجة تلوث الهواء.
تُظهر تحليلاتنا الجديدة الصادرة عن معهد سياسات الطاقة في جامعة شيكاغو أن استثمارات سنوية صغيرة نسبيًا، في حدود 50 ألفًا إلى 100 ألف دولار، يمكن أن تُغيّر مسار جودة الهواء على المستوى الوطني في ما لا يقل عن 83 دولة، إذا وُجِّهت إلى قادة محليين ذوي قدرة عالية وقريبين من المشكلة.
توجد بعض أكبر فرص التأثير غير المتناسب في مجال الهواء النظيف في بنغلادش، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغواتيمالا.
يعيش ما يقرب من 3 مليارات شخص في هذه الدول الـ83 وهم يتنفسون هواءً يتجاوز إرشادات منظمة الصحة العالمية بأكثر من أربعة أضعاف في المتوسط.
وتُبيّن تحليلاتنا أيضًا أن مشهد العمل العالمي من أجل الهواء النظيف أصبح أكثر هشاشة هذا العام. ففي أوائل عام 2025، أوقفت وزارة الخارجية الأميركية برنامجها لمراقبة جودة الهواء في الخارج، ما أدى فورًا إلى إزالة 97% من محطات الرصد المرجعية في الدول ذات الفرص الأعلى التي حددناها.
وفقدت 36 دولة، تضم 3.4 مليارات نسمة، إمكانية الوصول العام إلى مصدرها الوحيد عالي الجودة لبيانات تلوث الهواء بين ليلة وضحاها.
البيانات: عنق الزجاجة أمام الهواء النظيف عالميًا
إن مراقبة الهواء وحدها لا تجعله أنظف. لكنها شرط أساسي لأي سياسة جادة لمعالجة تلوث الهواء، من صياغة السياسات إلى تنفيذها. فبدون البيانات، يصعب على الحكومات إعطاء الأولوية للمشكلة، فضلًا عن وضع المعايير وتطبيقها وفهم مدى التقدم في إجراءات التخفيف.
ولا تستطيع النظم الصحية تتبّع مستويات التعرّض، كما لا يستطيع المواطنون رؤية التلوث الذي يضرّهم، ناهيك عن التحرك لمواجهته.
وعند النظر إلى حجم التفاوت العالمي في مراقبة جودة الهواء، يتضح لماذا يمكن حتى لجهد واحد مُحكم أن يُحدث فرقًا. ففي دول مثل النرويج، يكاد تلوث الهواء لا يتسبب في أي خسارة في سنوات العمر مقارنة بإرشادات منظمة الصحة العالمية. ووفقًا لأحدث إحصاء لدينا استنادًا إلى بيانات OpenAQ، يوجد في النرويج 66 محطة عالية الجودة لمراقبة جودة الهواء.
في المقابل، تخسر بنغلادش وغواتيمالا وجمهورية الكونغو الديمقراطية مجتمعة نحو 1.3 مليار سنة من العمر بسبب تلوث الهواء مقارنة بإرشادات منظمة الصحة العالمية. ومع ذلك، لا تمتلك أي من هذه الدول الثلاث، التي يعيش فيها نحو 300 مليون شخص، محطة رصد مرجعية واحدة تُقدّم بيانات مفتوحة بالكامل للجمهور.
ومع هذا الاتساع الكبير بين حجم الضرر ومستوى القياس، يصبح من البديهي كيف يمكن لجهد واحد يولّد بيانات أن يبدأ في تغيير مسار الهواء النظيف على المستوى الوطني.
أين تُحدث الاستثمارات الصغيرة أكبر أثر؟
سعينا في تحليلنا للإجابة عن سؤال عملي: في أي الدول يمكن لمبلغ تمويل متواضع أن يفتح الباب أمام تقدم وطني كبير في مجال الهواء النظيف؟ ولتحقيق ذلك، دمجنا ثلاثة عوامل رئيسية:
العبء الصحي الناتج عن تلوث الهواء في الدولة.
غياب البيانات والبنية التحتية للسياسات القائمة.
مؤشرات على وجود انخراط محلي فعّال.
