ملخص: تناقش هذه المقالة التحوّل الجاري في نماذج العمل في اليابان، حيث لم تعد أنظمة التوظيف التقليدية القائمة على العمل مدى الحياة والأقدمية قادرة على مواكبة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة. وتستعرض كيف تتجه اليابان نحو اعتماد إعادة التأهيل المهني عبر إجازات مدعومة، وأسابيع عمل من أربعة أيام، ونماذج عمل هجينة، استجابةً لتبدّل توقعات العاملين، وتسارع التحول التكنولوجي، ونقص اليد العاملة. كما تبرز المقالة دور هذه الإصلاحات في تعزيز التوازن بين العمل والحياة، ورفع المهارات، وبناء قوة عاملة أكثر مرونة وقدرة على الصمود لدعم مستقبل الاقتصاد والمجتمع الياباني.
- في اليابان، باتت نماذج التوظيف التقليدية القائمة على العمل مدى الحياة والتدرّج الوظيفي الثابت أقل توافقاً مع الواقعين الاجتماعي والاقتصادي اليوم، ما يدفع إلى إعادة التفكير في كيفية تنظيم العمل.
- واستجابةً لهذا التحوّل، يجري تشجيع برامج إعادة التأهيل المهني بأسلوب الإجازات الطويلة، وأسابيع العمل من أربعة أيام، وأنماط العمل الهجين.
- كما يجتمع القادة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 لضمان بقاء القوى العاملة حول العالم قادرة على الصمود، في ظل التغيّرات الكبيرة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
تُعيد التغيرات التكنولوجية السريعة وتحولات القيم الاجتماعية تعريف طبيعة العمل على مستوى العالم. وفي اليابان، تُظهر نماذج التوظيف التقليدية المبنية على العمل مدى الحياة والأقدمية عدم توافق متزايد مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية الراهنة، ما يدفع إلى إعادة نظر تدريجية ولكن مؤثرة في بنية العمل.
ويُعدّ تنامي أهمية رفع المهارات وإعادة تأهيلها أحد المحركات الأساسية لهذا التحوّل. فبحسب استطلاع أجرته شركة Workday، يرى 76% من المديرين في اليابان أن المقاربات القائمة على المهارات يمكن أن تعزّز الإنتاجية والابتكار والمرونة التنظيمية، بما يدعم النمو الاقتصادي الأوسع. وقد بدأت قرابة نصف الشركات اليابانية بالفعل بالتحوّل نحو نماذج إدارة مواهب قائمة على المهارات، ما يشير إلى تغيير هيكلي في إدارة القوى العاملة.
ويظهر هذا التحوّل أيضاً على المستوى الفردي. فقد أظهر استطلاع أجرته شركة Recruit في عام 2025 أن "النمو الشخصي" هو الأولوية القصوى لدى الموظفين الجدد بنسبة 35.1%، في حين لا يزال أكثر من 30% منهم قلقين بشأن قدرتهم على تطوير مهاراتهم في وظائفهم الحالية.
في الوقت نفسه، يتغيّر معنى العمل في اليابان. فوفقاً لاستطلاع رأي عام أجرته رئاسة الوزراء، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يعتبرون "كسب المال" السبب الرئيسي للعمل من نحو 50% في عام 2001 إلى نحو 63% في عام 2024. وعلى النقيض، تراجعت نسبة من يقولون إنهم يعملون "لإيجاد معنى للحياة"، ما يشير إلى أن عدداً متزايداً من الناس بات يبحث عن الإحساس بالغاية خارج نطاق العمل. وينعكس هذا التحوّل أيضاً في تصوّر الوظيفة المثالية، حيث تزداد قيمة "العمل الذي يتيح توازناً جيداً بين الحياة والعمل"، بعد "الدخل المستقر" و"العمل الممتع".
واستجابةً لذلك، تعمل الحكومة اليابانية والسلطات المحلية والشركات على دفع إصلاحات تهدف إلى مواءمة نماذج العمل مع هذه التحولات.
دعم إعادة التأهيل المهني عبر برامج شبيهة بالإجازات الطويلة
اعتباراً من أكتوبر 2025، أطلقت الحكومة اليابانية برنامج دعم مالي يتيح للعاملين أخذ إجازة مؤقتة من وظائفهم للتركيز على اكتساب مهارات جديدة. ويستهدف هذا البرنامج الموظفين الذين لا تتوفر لهم إجازات مدفوعة لإعادة التأهيل من قِبل أصحاب العمل، حيث يوفر بدل إجازة للتعليم والتدريب يعادل من 50 إلى 80% من الأجور خلال فترة الإجازة. ويتم تمويل البرنامج عبر نظام تأمين التوظيف، مع إتاحة المنافع لمدة تتراوح بين 90 و150 يوماً، بحسب سجل مساهمات الفرد.
ويهدف هذا الإجراء إلى تقليل العبء على كل من أصحاب العمل والأفراد، مع تعزيز إعادة التأهيل المهني. كما تتوقع الحكومة أن يسهم أخذ وقت بعيداً عن الوظيفة الحالية لاكتساب خبرات جديدة في دعم المسارات المهنية المستقبلية والتنمية الشخصية طويلة الأمد، وأن يؤدي تقاسم هذه الخبرات مع المجتمع إلى الإسهام في نمو اليابان، من خلال المهارات وبطرق أوسع.
تعزيز التوازن بين العمل والحياة عبر أسابيع العمل من أربعة أيام
تتوسع أيضاً ترتيبات العمل المرنة من خلال اعتماد نماذج أسابيع العمل من أربعة أيام. فقد أطلقت طوكيو هذا النظام في أبريل 2025، بعد محافظات مثل إيباراكي وتشيبا وهيوغو ونارا وأوساكا. وبموجب نموذج طوكيو، يمكن للموظفين الحصول على يوم إجازة إضافي أسبوعياً، شريطة استيفاء متطلب 155 ساعة عمل خلال فترة أربعة أسابيع، من دون خفض إجمالي ساعات العمل أو الأجور.
ومع تفاقم نقص اليد العاملة، تكتسب ترتيبات العمل المرنة زخماً متزايداً بوصفها وسيلة لجذب قوة عاملة أكثر تنوعاً والاحتفاظ بها. وقد اعتمدت عدة شركات، من بينها Fast Retailing وYahoo Japan وSagawa Express، أنظمة مماثلة، فيما تتيح شركات أخرى مثل Mizuho Financial Group خيارات لأسابيع عمل من أربعة أيام. ومن المتوقع أن يشجع الدور الريادي للحكومات المحلية، مثل طوكيو، على انتشار أوسع لهذه النماذج في القطاع الخاص.
ترسيخ العمل المرن عبر النماذج الهجينة
شهد العمل عن بُعد توسعاً سريعاً استجابةً لجائحة كوفيد-19. وعلى الرغم من انتقال العديد من المؤسسات لاحقاً من العمل عن بُعد بالكامل إلى النماذج الهجينة، فقد أصبح العمل المرن جزءاً راسخاً من الواقع. وأظهر استطلاع في عام 2025 أن 22.6% فقط من الشركات اليابانية لا تطبّق العمل عن بُعد ولا تخطط لتطبيقه، بينما أفادت النسبة الأكبر، 32.3%، بأن ما بين 50 و80% من موظفيها يعملون عن بُعد. كما أظهر استطلاع آخر في عام 2025 أن 82.2% من العاملين يرغبون في الاستمرار في العمل عن بُعد، ما يدل على استمرار الدعم القوي لترتيبات العمل المرنة.
تشكيل مستقبل اليابان عبر نماذج عمل مُحدّثة
مع استمرار تطوّر الظروف الاقتصادية والاجتماعية، تتغير المهارات المطلوبة للعمل وكيفية أدائه بشكل ملحوظ. ويتوقع تقرير "مستقبل الوظائف 2025" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن 39% من المهارات الحالية ستتحوّل أو تصبح غير ذات صلة خلال السنوات الخمس من 2025، ما يبرز الأهمية المتزايدة لإعادة التأهيل المهني.
وفي الوقت نفسه، تستمر التوقعات المرتبطة بالتوازن بين العمل والحياة وترتيبات العمل المرنة في الارتفاع. ويعلّق سام غرايلينغ، قائد الرؤى للاقتصاد والمجتمع الجديد في المنتدى الاقتصادي العالمي، قائلاً: "يُظهر أصحاب العمل المحليون رغبة قوية في الاستفادة من القوى العاملة الحالية مع تحوّل نماذج التشغيل. وتشير بياناتنا إلى أن أصحاب العمل في اليابان يركّزون بقوة على الاتجاهات الديموغرافية في البلاد، وهم أكثر ميلاً لإعطاء الأولوية لرفع مهارات موظفيهم ونقلهم بين الأدوار، وأقل ميلاً لتقليص مستويات التوظيف".
ويمثل دعم إعادة التأهيل بأسلوب الإجازات الطويلة، وتوسيع أسابيع العمل من أربعة أيام، وترسيخ العمل الهجين، استجابات ملموسة لهذه التحولات. ومع توسّع نطاق هذه المبادرات، فإنها تمتلك القدرة على تعزيز رفاه الأفراد وإنتاجيتهم، بما يسهم في بناء اقتصاد ومجتمع أكثر مرونة وقدرة على الصمود.
