القائمة الرئيسية

مع وصول شرائح الذكاء الاصطناعي القوية من نفيديا إلى الصين: تحول الولايات المتحدة من الأمن إلى التجارة

مع وصول شرائح الذكاء الاصطناعي القوية من نفيديا إلى الصين: تحول الولايات المتحدة من الأمن إلى التجارة
ملخص المقال

يتحدث المقال عن تحول جذري في سياسة الولايات المتحدة تجاه تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بعد موافقة الرئيس دونالد ترامب على السماح بتصدير شرائح نفيديا H200 إلى الصين، بعد أن كانت محظورة سابقًا، مقابل حصة مالية تصل إلى 25٪ للحكومة الأمريكية. ويستعرض المقال أهمية هذه الشرائح في توجيه الأسلحة المستقلة والطائرات المسيرة وأنظمة الاستهداف في ميادين القتال الحديثة، ويبرز التحول من اعتبارات الأمن القومي الصارمة إلى التعاملات المالية والتجارية. كما يناقش المقال التداعيات المحتملة لهذا القرار على حلفاء الولايات المتحدة، لا سيما أستراليا، التي تجد نفسها أمام معضلة بين الالتزام بالشراكات الدفاعية والاعتماد الاقتصادي الكبير على الصين، مؤكدًا أن استخدام الرقابة على الصادرات كأداة تفاوضية أو مصدر للإيرادات يمكن أن يقوض السيادة الوطنية ويزيد من التعقيدات الاستراتيجية.

وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع على السماح بتصدير شرائح الذكاء الاصطناعي القوية H200 من شركة نفيديا إلى الصين، بعد أن كانت محظورة سابقًا. وفي مقابل هذه الصفقة، ستحصل الحكومة الأمريكية على 25٪ من عائدات المبيعات، في خطوة تعكس أسلوب إدارة ترامب في تحويل صفقات الشركات الخاصة إلى مصدر إيرادات للدولة.

تعتبر شريحة H200 ثاني أقوى معالج ذكاء اصطناعي لدى نفيديا، وقوتها تفوق الشرائح السابقة H20 بست مرات تقريبًا. وهذه الشرائح ليست أجهزة استهلاكية لتشغيل برامج بسيطة، بل هي القلب النابض للأنظمة الذكية التي تُستخدم في الأسلحة المستقلة، مثل الطائرات المسيرة، وأنظمة إطلاق الأسلحة التلقائية، وخوارزميات الاستهداف على ميادين القتال الحديثة. ما نشهده اليوم يشبه أكثر الواقع العسكري على الأرض، لا أفلام الخيال العلمي، فأنظمة الاستهداف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تُستخدم بالفعل في أوكرانيا وغزة.

قرار السماح بتصدير هذه الشرائح يأتي بعد عام شهد تصعيدًا كبيرًا في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، حيث وصلت الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية إلى 145٪ في بعض الفترات. هذه الخطوة تمثل انعطافًا حادًا في سياسة الرقابة على الصادرات، وتطرح تساؤلات كبيرة بالنسبة لحلفاء أمريكا مثل أستراليا، الذين يجدون أنفسهم بين الاعتماد الاقتصادي على الصين والتقارب الدفاعي مع الولايات المتحدة المتقلبة سياسياً.

كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟

الوصول إلى شرائح أشباه الموصلات المتقدمة أمر حيوي في السباق العالمي نحو الذكاء الاصطناعي. ففي أكتوبر 2022، فرضت إدارة بايدن قيودًا صارمة على تصدير الشرائح المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين، في ما عرف بنهج ""ساحة صغيرة، سياج مرتفع"". الهدف كان حماية مجموعة محدودة من التقنيات الحساسة، مع السماح باستمرار التجارة العامة مع الصين.

وضعت الإدارة الأمريكية 140 كيانًا صينيًا على القوائم السوداء، وقيّدت 24 نوعًا من معدات التصنيع، ومنعت المهندسين الأمريكيين من دعم مصانع الشرائح المتقدمة في الصين. ونتيجة لذلك، واجهت الشركات الصينية صعوبة في الوصول إلى القدرات الحاسوبية المطلوبة، واضطرت للابتكار باستخدام أجهزة قديمة.

نهج ترامب مختلف

أسلوب ترامب يعتمد على الصفقات والتنازلات التجارية أكثر من الرقابة الصارمة. ففي يوليو، سمحت إدارته ببيع شرائح H20 للصين مقابل 15٪ من الإيرادات، وكان يُنظر إلى ذلك على أنه تنازل مرتبط بمفاوضات المعادن النادرة. أما الآن، فإن السماح بتصدير شرائح H200 الأكثر قوة يعكس تحوّل القرار الاستراتيجي من الأمن إلى المعاملة المالية، حيث أصبح كل شيء له ثمن.

الحرب بالذكاء الاصطناعي أصبحت حقيقة

تُستخدم شرائح الذكاء الاصطناعي الآن في توجيه الذخائر، واتخاذ القرارات اللحظية على ميادين القتال، وتوجيه الطائرات المسيرة. فالطائرات الأوكرانية المجهزة بالذكاء الاصطناعي قادرة على توجيه نفسها بدقة نحو الأهداف، حتى في البيئات المشوشة، ما رفع دقة الضربات من 30–50٪ إلى حوالي 80٪. كما كشفت تقارير أن النظام الإسرائيلي ""لافندر"" حدد 37 ألف هدف محتمل مرتبط بحركة حماس، ما سرّع الهجمات الجوية لكنه أدى إلى وقوع ضحايا مدنيين. وجيش التحرير الشعبي الصيني يستخدم الذكاء الاصطناعي لتنسيق أسراب الطائرات المسيرة والتعرف على الأهداف بشكل مستقل واتخاذ القرارات في الوقت الفعلي. حتى مشروع ""مافين"" التابع للبنتاغون يعتمد على دمج بيانات الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار لتحديد أهداف يمكن للقوات الأمريكية تدميرها لاحقًا.

استخدام شرائح مزدوجة الاستخدام

أشباه الموصلات الحديثة هي تقنيات ""ثنائية الاستخدام""، فالشرائح نفسها التي تدرب روبوتات الدردشة يمكن أن توجه الصواريخ، وأجهزة التحكم الدقيقة المستخدمة في الغسالات المنزلية يمكن أن تعمل في الطائرات المسيرة. وقد كشف باحثون أن عددًا كبيرًا من المكونات الأجنبية في الطائرات الروسية في أوكرانيا جاءت من الولايات المتحدة وأوروبا، وبعضها تم استخراجه حرفيًا من الأجهزة المنزلية، حيث كانت الشبكات الروسية تشتري شرائح إصلاح الغسالات وتزيل أسمائها وتضعها في الطائرات الانتحارية، مرورًا بدول ثالثة مثل الهند وكازاخستان قبل الوصول إلى المصنعين الروس.

هذه الحقيقة تجعل من الصعب منع تصدير أجهزة معينة دون التأثير على الاقتصاد الاستهلاكي، لكن في الوقت نفسه، يمكن استخدام هذه المكونات لأغراض عسكرية. تصبح الرقابة على الصادرات لعبة معقدة، حيث يؤدي كل حظر إلى طرق بديلة للتحايل.

المأزق الأسترالي

انضمام أستراليا إلى شراكة AUKUS الأمنية جعلها تعيد هيكلة نظام الرقابة على الصادرات بما يتماشى مع أولويات الولايات المتحدة. لكن أستراليا تواجه معضلة حقيقية، فالصين تشكل حوالي 30٪ من تجارة السلع الأسترالية، بينما تتطلب الولايات المتحدة محاذاة السياسات كشرط للوصول إلى تقنياتها الدفاعية.

السؤال المطروح الآن: هل يجب على أستراليا اتباع تخفيف القيود الأمريكية على شرائح الذكاء الاصطناعي؟ أم أن هذا يعني التخلي عن جزء من سيادتها لشريك تتسم قراراته بالاعتباطية أحيانًا؟

عندما يتحول الأمن إلى ورقة مساومة

تنجح الرقابة على الصادرات عندما تكون واضحة ومتسقة ومرتبطة بالأمن القومي. لكنها تفشل عندما تصبح وسيلة للمساومة أو مصدرًا للإيرادات. صفقة ترامب لشريحة H200 حولت ""السياج المرتفع"" حول التقنيات الحساسة إلى بوابة مالية يمكن تمرير أي شيء من خلالها مقابل السعر المناسب، وهذا يضع حلفاء الولايات المتحدة مثل أستراليا أمام تحديات حقيقية تتعلق بالمصالح الوطنية والسيادة.

المصدر

مقالات ذات صلة