القائمة الرئيسية

الذكاء الاصطناعي يصنع أخبارنا… ويعيد تشكيل آرائنا

الذكاء الاصطناعي يصنع أخبارنا… ويعيد تشكيل آرائنا
ملخص المقال

المقال يوضح أن الاعتماد المتزايد على نماذج اللغة الكبيرة في الأخبار والمحتوى الرقمي لا يقتصر على نقل الحقائق، بل يؤثر في تأطير المعلومات وإبراز وجهات نظر محددة، ما يعرف بـ«التحيز في التواصل»، حيث تُكيّف النماذج الردود حسب شخصية المستخدم حتى مع دقة المعلومات. السياسات التنظيمية الحالية تعالج الدقة فقط ولا تكشف عن هذه التحيزات الخفية، ما يجعل تعزيز المنافسة، وزيادة الشفافية، ومشاركة المستخدمين في تصميم واختبار النماذج ضروريًا، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح بوابة أساسية لتشكيل فهمنا للمعلومات والعالم.

في الآونة الأخيرة، أثار إعلان شركة «ميتا» عن إيقاف برنامجها المتخصص للتحقق من الحقائق موجة واسعة من الجدل والنقد في أوساط الإعلام والتكنولوجيا. فقد حذّر المنتقدون من أن التخلي عن الرقابة المهنية قد يقوض الثقة في المعلومات الرقمية، خصوصًا عندما تترك المنصات الموجهة بالربح لتراقب نفسها بنفسها.

لكن جزءًا كبيرًا من النقاش غاب عن الرؤية: اليوم، تُستخدم نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في كتابة ملخصات الأخبار، وصياغة العناوين، وصنع المحتوى الذي يجذب انتباه القارئ قبل أن تتمكن آليات المراجعة التقليدية من التدخل. والمشكلة ليست في المعلومات الخاطئة الصريحة أو المحتوى الضار الذي قد يمر دون رصد، بل في الطريقة التي يُختار بها المحتوى المقدم، وكيف يُؤطَّر ويُبرز بطريقة تشكل الإدراك العام للقراء.

هذه النماذج تؤثر تدريجيًا في تشكيل آراء الناس، من خلال المحتوى الذي تقدمه روبوتات الدردشة والمساعدات الافتراضية، كما أنها بدأت تُدمج في المواقع الإخبارية، ومنصات التواصل الاجتماعي، وخدمات البحث، لتصبح البوابة الأساسية التي يلجأ إليها المستخدمون للحصول على المعلومات.

تحيز التواصل الخفي

الدراسات تشير إلى أن نماذج اللغة الكبيرة لا تقتصر على نقل المعلومات فحسب، بل قد تُبرز وجهات نظر معينة وتقلل من شأن أخرى، غالبًا من دون أن يلاحظ المستخدم ذلك. ففي دراسة قادمة قُبِل نشرها في مجلة Communications of the ACM، أوضح زميلي عالم الحاسوب ستيفان شميد، وأنا كباحث في قانون وسياسات التكنولوجيا، أن هذه النماذج تظهر ما نسميه «تحيزًا في التواصل». فالنماذج تميل أحيانًا إلى التركيز على منظورات معينة مع إهمال أو تقليل الأخرى، وهو ما يمكن أن يؤثر في طريقة تفكير المستخدمين أو مشاعرهم، بغض النظر عن صحة المعلومات نفسها.

كما كشفت أبحاث تجريبية خلال السنوات الأخيرة عن تباينات في مخرجات نماذج اللغة الكبيرة بحسب مواقف الأحزاب السياسية قبل الانتخابات وأثناءها، مما يظهر أن هذه النماذج، حسب السياق أو الشخصية التي يُعرّف بها المستخدم نفسه، قد تميل إلى تبني مواقف معينة حتى عندما تظل الوقائع صحيحة. ويعكس هذا ما يمكن تسميته «قابلية التوجيه حسب الشخصية»؛ أي ميل النموذج إلى تعديل نبرته وتركيزه بما يتماشى مع ما يعتقد أنه توقعات المستخدم. فعلى سبيل المثال، قد يجيب النموذج عن سؤال واحد حول قانون مناخي جديد بطريقة مختلفة لشخص ناشط بيئي، وبطريقة أخرى لشخص صاحب عمل، مع إبراز مخاوف مختلفة لكنها جميعها دقيقة.

وقد يُفهم هذا التكيّف الخفي على أنه نوع من التملق، حيث يبدو أن النموذج يقول للمستخدم ما يريد سماعه. لكن التحيز في التواصل أعمق من مجرد المجاملة؛ فهو يعكس من يصمّم هذه الأنظمة، ومصادر البيانات المستخدمة، والحوافز التي توجه تطويرها. وعندما يهيمن عدد محدود من المطورين على سوق نماذج اللغة الكبيرة، ويعرض النظام وجهات نظر معينة بصورة أفضل من غيرها، فإن الفروقات الصغيرة في السلوك قد تتحول إلى تشوهات كبيرة في المعلومات التي يصل إليها الجمهور.

الحدود التنظيمية

المجتمع المعاصر يعتمد بشكل متزايد على نماذج اللغة الكبيرة كبوابة أساسية للوصول إلى المعلومات. وقد أطلقت حكومات عدة سياسات لمعالجة مخاطر تحيز الذكاء الاصطناعي، مثل «قانون الذكاء الاصطناعي» و«قانون الخدمات الرقمية» في الاتحاد الأوروبي، اللذين يحاولان فرض الشفافية والمساءلة. لكن هذه السياسات لم تُصمَّم لمعالجة مشكلة التحيز الخفي في التواصل.

فالتحيز هنا ليس مجرد مسألة دقة، بل يتعلق بكيفية توليد المحتوى وتأطيره. فعندما يسأل المستخدم عن قانون مثير للجدل، فإن إجابة النموذج تتشكل ليس فقط بالحقائق، بل بطريقة عرضها، والمصادر التي يسلط الضوء عليها، والنبرة التي يتبنّاها. وهذا يعني أن حل المشكلة لا يقتصر على تصحيح بيانات التدريب أو المخرجات المنحازة، بل يتطلب النظر في هياكل السوق التي تشكّل تصميم التكنولوجيا نفسها. فكلما قل عدد نماذج اللغة الكبيرة المتاحة للوصول إلى المعلومات، زادت مخاطر التحيز في التواصل.

ما بعد التنظيم

من المغري الاعتقاد بأن القوانين وحدها يمكنها القضاء على كل أشكال التحيز في الذكاء الاصطناعي، لكن هذا ليس كافيًا. فالحل الأكثر استدامة يكمن في تعزيز المنافسة، وزيادة الشفافية، وتمكين المستخدمين من المشاركة الفاعلة في تصميم واختبار ونشر نماذج اللغة الكبيرة.

فالذكاء الاصطناعي لن يحدد فقط نوع الأخبار والمعلومات التي نستهلكها يوميًا، بل سيؤثر بشكل عميق في تشكيل مجتمع المستقبل، وكيفية فهمنا للعالم من حولنا، وما نتوقعه من المؤسسات والمجتمع ككل.

المصدر

مقالات ذات صلة