خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، ترك الذكاء الاصطناعي التوليدي بصمته بوضوح على مختلف جوانب الحياة، وكان تأثيره في الكتابة البشرية أشد عمقًا من غيره. فالنماذج اللغوية الضخمة التي تقف خلف أدوات مثل ChatGPT، والمدرَّبة على كمّ هائل من النصوص، باتت قادرة على إنتاج كتابات متماسكة ومعقدة تبدو، ظاهريًا على الأقل، عالية الجودة.
غير أن هذا الانتشار الواسع رافقه ظهور ظاهرة مقلقة، هي التدفق الكثيف لما يمكن تسميته «نفايات الذكاء الاصطناعي»: نصوص كثيرة، سهلة الإنتاج، ضعيفة القيمة، تُولَّد بأقل قدر من الجهد البشري أو من دونه تمامًا.
انصبّ النقاش حتى الآن على تأثير هذه الكتابة في التعليم وسوق العمل والثقافة. لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى: ماذا عن العلم نفسه؟ هل يسهم الذكاء الاصطناعي في الارتقاء بالكتابة الأكاديمية، أم أنه يضخ في الحقل العلمي كمًّا متزايدًا من النصوص المنمّقة الخاوية؟
دراسة حديثة لباحثين من جامعتي بيركلي وكورنيل، نُشرت في مجلة Science، تميل إلى الإجابة الثانية: النصوص الرديئة هي التي تكسب الجولة.
إنتاجية أعلى… لكن بأي ثمن؟
اعتمد الباحثون على تحليل ملخصات أكثر من مليون بحث منشور على منصات ما قبل التحكيم العلمي بين عامي 2018 و2024. وهي أبحاث متاحة للجمهور لكنها لم تمر بعد بمرحلة مراجعة الأقران. وكان الهدف معرفة ما إذا كان استخدام الذكاء الاصطناعي يرتبط بزيادة الإنتاج العلمي، وتحسن جودة الأبحاث، وتوسيع دائرة المراجع المستخدمة.
اعتُبر عدد الأبحاث التي ينشرها الباحث مؤشرًا على إنتاجيته، بينما عُدّ قبول البحث لاحقًا في مجلة علمية معيارًا للجودة.
وأظهرت النتائج أن الباحثين الذين بدأوا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي شهدوا قفزة واضحة في عدد الأبحاث التي ينشرونها شهريًا، إذ تراوحت الزيادة بين نحو الثلث وأكثر من النصف، تبعًا للمنصة المستخدمة.
وكان الأثر أوضح لدى غير الناطقين بالإنجليزية، ولا سيما الباحثين الآسيويين، حيث وصلت الزيادة في بعض الحالات إلى ما يقارب الضعف. أما الباحثون المنتمون إلى مؤسسات ناطقة بالإنجليزية، فكانت مكاسبهم أقل نسبيًا. ويشير ذلك إلى أن الذكاء الاصطناعي أدى دورًا عمليًا في تحسين الصياغة اللغوية لمن لا يتقنون الإنجليزية بطلاقة.
لغة أجمل… وجودة أضعف
على مستوى الأسلوب، بدت المقالات المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا لغويًا في المتوسط. لكن المفارقة أن هذا التعقيد، حين يكون نتاجًا بشريًا خالصًا، يرتبط بفرص أعلى للنشر، لأنه يُفهم بوصفه علامة على عمق فكري وقيمة علمية.
أما حين يكون التعقيد صنيعة الذكاء الاصطناعي، فإن الصورة تنقلب: فكلما ازدادت اللغة تزويقًا وتعقيدًا، قلت فرص قبول البحث للنشر. ويعني ذلك أن اللغة المصقولة آليًا تُستخدم أحيانًا كقناع يخفي هشاشة المحتوى العلمي نفسه.
تنوع أكبر في المصادر
كما تناولت الدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي في محركات البحث العلمية، من خلال مقارنة سلوك مستخدمي «غوغل» و«بينغ». فمنذ أن أطلقت مايكروسوفت ميزة Bing Chat المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن قياس نوعية المصادر التي تقترحها أنظمة البحث المعززة بالذكاء الاصطناعي.
وتبيّن أن مستخدمي «بينغ» اطّلعوا على مصادر أكثر تنوعًا وحداثة مقارنة بمستخدمي «غوغل». ويُعزى ذلك إلى تقنية «التوليد المعزز بالاسترجاع»، التي تمزج بين نتائج البحث التقليدية وقدرات الذكاء الاصطناعي في التوصية.
وبذلك، لم تتحقق المخاوف من أن يؤدي البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي إلى إعادة تدوير المصادر القديمة والمألوفة فقط.
تحديات المرحلة المقبلة
أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أصيلًا من منظومة الكتابة العلمية والنشر الأكاديمي، ولا سيما لدى الباحثين غير الناطقين بالإنجليزية. ومع اندماجه المتسارع في أدوات الكتابة اليومية، سيغدو تجنّبه شبه مستحيل.
غير أن التحدي الأكبر أمام العلم اليوم هو تآكل الاعتماد على جودة اللغة وتعقيدها بوصفهما مقياسًا للقيمة العلمية. فالتقييم السريع للنصوص على أساس الأسلوب لم يعد كافيًا ولا موثوقًا.
ومع ازدياد استخدام اللغة المنمّقة لإخفاء ضعف المنهجيات أو ضآلة الإسهام العلمي، تصبح مراجعة الأقران المتعمقة، التي تركز على جوهر البحث لا على مظهره، ضرورة لا غنى عنها.
وقد يكون الحل، على نحو متناقض، في استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه لمواجهة هذه المشكلة، عبر أدوات مراجعة آلية مثل تلك التي طرحها مؤخرًا أندرو نغ في جامعة ستانفورد. ومع تزايد أعداد الأبحاث المقدمة للنشر وضغط العمل الهائل على محرري المجلات، قد لا يكون هذا الخيار مجرد ترف تقني، بل حاجة عملية لا بد منها.
