واصلت قضايا الطاقة تصدّر المشهد في عام 2025، سواء على أجندة الأخبار العالمية أو في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي. ومن تسارع وتيرة التحول في قطاع الطاقة إلى تنامي التركيز على المعادن الحيوية، برزت عدة محاور رئيسية شكّلت ملامح هذا العام.
1. التحول في قطاع الطاقة يكتسب زخماً
يتزايد التقدم نحو بناء نظام طاقة آمن، وعادل، ومستدام، إلا أن تقريراً للمنتدى الاقتصادي العالمي يشير إلى أن هذا الزخم قد يواجه خطر التباطؤ نتيجة تحديات التمويل والتوترات الجيوسياسية.
وبالعودة إلى اتجاهات عام 2024، وجدت منظمات مثل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) ووكالة الطاقة الدولية (IEA) أن العالم شهد إضافات غير مسبوقة في قدرات الطاقة المتجددة، إلى جانب توسع قياسي في قدرات الطاقة الشمسية الكهروضوئية.
واستمر هذا الاتجاه خلال النصف الأول من عام 2025، حيث أنتجت مصادر الطاقة المتجددة كهرباء تفوق تلك المولدة من الفحم للمرة الأولى على الإطلاق، وفقاً لبيانات مركز أبحاث الطاقة ""إمبر"". كما ارتفعت الإضافات في قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بنسبة تجاوزت 60% لكل منهما على أساس سنوي خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025.
ومع الارتفاع المتسارع في الطلب على الكهرباء، أشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي تعزيز التحول الفعّال في قطاع الطاقة 2025 إلى أنه، رغم التوسع المستمر في مصادر الطاقة المتجددة وتحسن كفاءة الطاقة، بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة مستوى قياسياً قدره 37.8 مليار طن في عام 2024.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت الاستثمارات في الطاقة النظيفة لتتجاوز 2 تريليون دولار، أي ضعف مستويات عام 2020، لكنها ما تزال أقل بكثير من 5.6 تريليونات دولار المطلوبة سنوياً حتى عام 2030.
كما أن توزيع الاستثمارات غير متوازن، إذ ذهبت غالبية الاستثمارات في التحول الطاقي خلال السنوات الخمس الماضية إلى الاقتصادات المتقدمة والصين، رغم أن الاقتصادات الناشئة يُتوقع أن تقود نحو 80% من نمو الطلب العالمي على الطاقة في المستقبل.
ويؤكد التقرير أنه في عام 2025 لم تعد الحاجة إلى تسريع التحول الطاقي مرتبطة فقط بتحقيق أهداف المناخ طويلة الأمد، بل أصبحت تتعلق بشكل متزايد بإدارة «مجموعة متنامية من المخاطر المترابطة التي تهدد الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والمرونة الاجتماعية».
وسيكون من الضروري إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة، وتوجيه الاستثمارات إلى حيث تكون الأكثر تأثيراً، ومعالجة اختناقات البنية التحتية للحفاظ على زخم التحول.
ويضم التقرير مؤشر التحول الطاقي (ETI) السنوي، الذي يصنّف أداء أنظمة الطاقة في الدول وفق معايير الأمن والعدالة والاستدامة، وقد أظهر أن النتائج العالمية ارتفعت بنسبة 1.1% على أساس سنوي في عام 2025.
عنوان الفيديو المرافق:
يعرض هذا الفيديو الدول التي تقود مسار التحول في قطاع الطاقة.
ويشير تقرير المنتدى توسيع نطاق التحول الصناعي: القطاعات صعبة الخفض وصافي الانبعاثات الصفرية في 2025 إلى أن دفع التحول الطاقي يتطلب تقدماً في ثمانية قطاعات صناعية ونقل كثيفة الانبعاثات، وهي الطيران، والشحن البحري، والنقل البري الثقيل، والصلب، والإسمنت، والألمنيوم، والكيماويات الأساسية، وقطاع النفط والغاز. وتمثل هذه القطاعات مجتمعة قرابة 40% من انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً.
ويمكن حالياً خفض نحو نصف الانبعاثات الصناعية باستخدام حلول ناضجة تقنياً، إلا أن الابتكار الأعمق، والسياسات القوية، والبنية التحتية الداعمة تبقى ضرورية لتوسيع هذه الحلول عالمياً وبشكل مجدٍ اقتصادياً.
وتُعد العناقيد الصناعية عنصراً محورياً في هذا السياق. إذ يستعرض تقرير آخر للمنتدى إطلاق الإمكانات الكاملة للعناقيد الصناعية: حلول البنية التحتية للطاقة النظيفة كيف يمكن لتجميع الطلب وتشارك الموارد والمعرفة والمخاطر أن يفتح آفاقاً جديدة لنشر حلول الطاقة النظيفة.
2. الصين كقوة كهربائية نظيفة
للمرة الأولى، شهد عام 2025 انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الصين نتيجة نمو توليد الكهرباء النظيفة، رغم الارتفاع السريع في الطلب على الطاقة.
وبحسب تحليل نشره موقع CarbonBrief، انخفضت انبعاثات الصين بنسبة 1.6% على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2025، إذ كان الإمداد الكهربائي من قدرات الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية الجديدة كافياً لتقليص إنتاج الكهرباء من الفحم.
وفي الربع الثالث من عام 2025، بقيت الانبعاثات دون تغيير مقارنة بالعام السابق، ما مدّد الاتجاه المستقر أو المتراجع الذي بدأ مطلع عام 2024.
ويعود هذا الإنجاز، من أكبر مصدر لانبعاثات الكربون في العالم، إلى استثمارات الصين الضخمة في الطاقة النظيفة، التي شكلت نحو 40% من إجمالي الاستثمارات العالمية في عام 2024 وفق تقرير تعزيز التحول الفعّال في قطاع الطاقة.
وتقوم الصين بتركيب قدرات من الطاقة المتجددة تفوق أي اقتصاد آخر، إذ ركبت في عام 2024 وحده نحو 360 غيغاواط من طاقتي الرياح والشمس، أي أكثر من نصف الإضافات العالمية لذلك العام.
وبفضل هذه الاستثمارات وقدراتها الابتكارية القوية، حققت الصين أعلى ترتيب لها على الإطلاق، محتلة المرتبة الثانية عشرة في نسخة عام 2025 من مؤشر التحول الطاقي.
ومع أهدافها المتمثلة في بلوغ ذروة الانبعاثات قبل عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2060، تواصل الصين إعادة تشكيل نظامها الكهربائي بوتيرة سريعة.
3. الطلب المتزايد من مراكز البيانات
تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتجاوز الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات الضعف بحلول عام 2030 ليصل إلى نحو 945 تيراواط ساعة، أي أكثر من إجمالي استهلاك اليابان من الكهرباء اليوم.
وتشير بيانات BloombergNEF إلى أن هذا النمو لا يرتبط فقط بعدد المراكز الجديدة، بل أيضاً بحجمها. إذ يتراوح الطلب الكهربائي لمركز البيانات الواحد بين 5 و10 ميغاواط، بينما قد يتجاوز 100 ميغاواط في المراكز العملاقة.
ومن بين قرابة 150 مشروعاً جديداً لمراكز البيانات بدأت BloombergNEF تتبعها في عام 2025، كان نحو ربعها بسعة تفوق 500 ميغاواط لكل مشروع، أي ما يعادل الاستهلاك السنوي لأكثر من مليوني سيارة كهربائية، وهو ضعف النسبة المسجلة في العام السابق.
ويقف الذكاء الاصطناعي وراء هذا النمو، بما يتطلبه من طاقة لتدريب النماذج وتشغيلها، مثل نماذج اللغات الكبيرة.
وفي المقابل، عززت شركات التكنولوجيا في عام 2025 اهتمامها بتأمين طاقة نظيفة وموثوقة، بما في ذلك الطاقة النووية والحرارية الجوفية وتخزين الطاقة.
وتقود الولايات المتحدة هذا التوسع العالمي في مراكز البيانات، لكن شركات كبرى مثل مايكروسوفت وغوغل توسع استثماراتها أيضاً في الاقتصادات الناشئة والنامية، التي شكّلت أكثر من 80% من نمو الطلب العالمي على الطاقة في عام 2024.
ورغم أن هذا الطلب المتزايد يفرض ضغوطاً على شبكات الكهرباء، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرّع التحول الطاقي بدلاً من أن ينافسه. ويتناول تقرير المنتدى من المفارقة إلى التقدم: إطار طاقة إيجابي صافٍ للذكاء الاصطناعي هذا التحدي، مؤكداً أن إدارة الأثر الطاقي للذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة آنية وليست قضية مستقبلية.
4. المعادن الحيوية في صدارة المشهد بجنوب أفريقيا
احتلت المعادن الحيوية عناوين الأخبار في عام 2025، نظراً لأهميتها في التقنيات الحديثة والنظيفة. ومن المتوقع أن يتضاعف الطلب على معادن مثل الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة ثلاث مرات بحلول 2030، وأربع مرات بحلول 2040، لتحقيق الحياد الكربوني.
كما أصبحت هذه المعادن محوراً للنقاشات المتعلقة بالسياسات والتجارة العالمية. وللمرة الأولى، جرى التفاوض بشأنها في قمة COP30، فيما أعلنت دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند عن خطط جديدة لتعزيز الإنتاج وبناء الشراكات.
وتعمل مبادرة المنتدى الاقتصادي العالمي تأمين المعادن من أجل التحول الطاقي على ضمان توافر الموارد المعدنية اللازمة للتقنيات النظيفة مثل توربينات الرياح وشبكات الكهرباء والمركبات الكهربائية.
وفي عام 2025، أصدر المنتدى تقريراً يركز على فتح آفاق استغلال الموارد المعدنية في جنوب أفريقيا، التي تضم نحو 30% من الاحتياطيات العالمية، بما في ذلك 50% من احتياطي الكوبالت و20% من الغرافيت و10% من النحاس.
ورغم الإمكانات الكبيرة لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، لا تزال الاستثمارات في الاستكشاف محدودة مقارنة بالإنفاق العالمي. وقد اتخذت دول المنطقة إجراءات سياسية عدة، شملت تعديل قوانين التعدين، وفرض متطلبات لتعزيز القيمة المحلية، وحظر بعض الصادرات.
ويمكن لأدوات التمويل المبتكرة، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتطوير العناقيد الصناعية، ومشاركة المجتمعات المحلية أن تسهم في جذب الاستثمارات الضرورية للتحول الطاقي العالمي وتحقيق قيمة اقتصادية محلية مستدامة.
