- كان الأمن السيبراني موضوعا محوريا في عام 2025، سواء على أجندة الأخبار العالمية أو ضمن اهتمامات المنتدى الاقتصادي العالمي.
- فمن الهجمات السيبرانية التي تصدرت العناوين إلى تأثير الذكاء الاصطناعي ونقص المهارات، نستعرض هنا أبرز القصص التي شكّلت مشهد الأمن السيبراني خلال الاثني عشر شهرا الماضية.
لقد كان عاما مليئا بالمفارقات لمجتمع الأمن السيبراني. ففي الوقت الذي منح فيه الذكاء الاصطناعي المدافعين أدوات قوية للتنبؤ بالتهديدات وتحيدها، ساهم في الوقت نفسه في ارتفاع هجمات التصيد الاحتيالي بنسبة 1200%، وخفّض عتبة الدخول أمام المجرمين السيبرانيين. وسيُذكر عام 2025 باعتباره العام الذي انتقل فيه الحديث عن “الصمود السيبراني” من مستوى التنظير إلى التطبيق العملي. وكما كشف تقرير “التوقعات العالمية للأمن السيبراني 2025” الصادر في يناير، فإننا نعيش عصرا من “التعقيد غير المسبوق”، حيث أدت التوترات الجيوسياسية واعتماد سلاسل التوريد إلى خلق مشهد مخاطر ضبابي. وقد تحوّل التركيز من مجرد الدفاع إلى تحقيق صمود منظومي شامل.
من حماية الحدود النهائية إلى “مواجهة الذكاء الاصطناعي بالذكاء الاصطناعي”، هذه هي القصص التي لا بد من قراءتها والتي عرّفت الأمن السيبراني في عام 2025.
1. الذكاء الاصطناعي: “النفط الجديد” ووباء التصيد الاحتيالي
كان التداخل بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني من أبرز الموضوعات المطروحة خلال الاجتماعات السنوية لمجالس المستقبل العالمي للأمن السيبراني في دبي في أكتوبر. وقد صرّح محمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني في دولة الإمارات العربية المتحدة، بأن “الذكاء الاصطناعي هو نفط جديد” للعديد من القطاعات، باعتباره قوة تحويلية تعيد تشكيل كل من الهجوم والدفاع.
وقد ظهر التأثير الأكثر وضوحا على خطوط المواجهة الأولى للهندسة الاجتماعية. ففي نتيجة لافتة هذا العام، أفادت التقارير بارتفاع هجمات التصيد الاحتيالي بنسبة 1200%، مدفوعة بشكل أساسي بقدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على إنشاء طعوم شديدة الواقعية ومخصصة على نطاق واسع. كما يُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي في سرقة الهوية واستغلال ثغرات “اليوم الصفري” التي تستهدف نقاط ضعف أمنية غير معروفة، وذلك وفقا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان “الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني: موازنة المخاطر والمكاسب”.
وفي هذا السياق، صرّح نيل جيتون، مدير مكافحة الجرائم السيبرانية في الإنتربول، بأن الذكاء الاصطناعي مكّن المجرمين السيبرانيين من استهداف الشركات كل 39 ثانية، مع خسائر اقتصادية يومية تبلغ 18 مليون دولار.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. إذ توصلت إحدى المقالات حول الذكاء الاصطناعي العام إلى أن الذكاء الاصطناعي نفسه يمثل الحل الرئيسي. فالذكاء الاصطناعي العام يمكن أن يكون عاملا مضاعفا للقوة، ينقل الأمن السيبراني “من الاستجابة التفاعلية للأزمات إلى الصمود الاستباقي”، أي مواجهة النار بالنار.
2. الإبحار في عالم الصمود السيبراني
مع استحالة تحقيق أمن بنسبة 100%، شهد عام 2025 تحولا واضحا لدى المؤسسات نحو تبني مفهوم الصمود، أي القدرة على الصمود أمام الهجمات، والتعافي منها، والتكيف معها. ففي أبريل، نشر المنتدى الاقتصادي العالمي، بالتعاون مع جامعة أكسفورد، الورقة البيضاء المرجعية بعنوان “بوصلة الصمود السيبراني: مسارات نحو الصمود”.
وقد نقلت هذه الورقة القطاع إلى ما بعد النصائح العامة، مقدمة إطارا منظما يستند إلى ممارسات واقعية لدى المؤسسات الرائدة. وحددت سبعة محاور أساسية للصمود، تتراوح بين القيادة والثقافة، وصولا إلى التفاعل مع المنظومات والشراكات. وتتمثل أهم خلاصة في التقرير في أن الصمود ليس مواصفة تقنية، بل ثقافة تنظيمية متكاملة. كما يبرز التقرير أن العامل البشري، أي بناء ثقافة يكون فيها كل موظف خط دفاع، لا يزال موردا غير مستغل بالشكل الكافي ضمن منظومة الأمن السيبراني.
بوصلة الصمود السيبراني
الصورة: المنتدى الاقتصادي العالمي
3. تأمين الحدود النهائية
كان عام 2025 أيضا العام الذي انطلقت فيه بقوة النقاشات حول الأمن السيبراني في الفضاء. فمع تسارع نمو اقتصاد الفضاء العالمي ليصل إلى قيمة متوقعة تبلغ 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، أصبحت المخاطر السيبرانية في المدار مصدر قلق حيوي على الأرض.
وسلط تقريرنا الصادر في مايو بعنوان تأمين تقنيات الفضاء: لماذا يجب علينا معالجة المخاطر السيبرانية في المدار الضوء على نقاط الضعف الفريدة في البنية التحتية للأقمار الصناعية. فعلى عكس الخوادم الموجودة على الأرض، لا يمكن الوصول إلى القمر الصناعي المخترق بسهولة أو إصلاحه ماديا. كما أن العديد من الأقمار الصناعية العاملة حاليا تعتمد على تقنيات قديمة تحتوي على بيانات اعتماد مدمجة، ما يجعلها أهدافا سهلة للقراصنة المعاصرين.
وقد برزت خطورة هذا التحدي بشكل واضح مع اختراق وكالة الفضاء البولندية (POLSA) في وقت سابق من هذا العام، وهو ما اضطرها إلى فصل الشبكة لاحتواء الهجوم.
ومع تزايد اعتمادنا على الفضاء في مجالات تمتد من الزراعة إلى الملاحة، أصبح تأمين هذا “المشهد المجزأ” الذي يجمع بين تقنيات قديمة ومشغلين جدد من القطاع الخاص أولوية قصوى للدفاع العالمي.
4. جدار الحماية البشري: لماذا يظل الإنسان عنصرا أساسيا
على الرغم من هيمنة عناوين الذكاء الاصطناعي، لا يزال نقص الكفاءات يمثل نقطة الضعف الأكبر في هذا القطاع. فقد استمر العجز العالمي في المتخصصين في الأمن السيبراني، لكن النقاش في عام 2025 انتقل من مجرد “سد الشواغر” إلى “تنويع المهارات”.
ووفقا لتقرير التوقعات العالمية للأمن السيبراني 2025، لا تمتلك سوى 14% من المؤسسات الكفاءات السيبرانية المناسبة، في حين اتسعت فجوة المهارات بنسبة 8% منذ عام 2024.
وفي مايو، قدمت الورقة البيضاء للمنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان تنمية المواهب السيبرانية من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص نموذجا للتعاون بين الحكومات والشركات والمنظمات الدولية لمعالجة فجوات المهارات. كما شدد خمسة خبراء في تحليل نُشر في أكتوبر على ضرورة دمج الأمن في كامل القوى العاملة، مع التركيز على التنوع، لأن “وجهات النظر الضيقة تنتج دفاعات هشة”.
وقد تبنت هذا الطرح كونفيدنس ستافلي، مؤسسة والمديرة التنفيذية لمؤسسة CyberSafe، التي تحدثت إلى المنتدى عن أهمية تدريب النساء في مجال الأمن السيبراني وسبل تقديم الدعم السيبراني للشركات الصغيرة.
ومن خلال إتاحة مسارات أوضح للفئات غير الممثلة بشكل كاف، بما في ذلك النساء، يمكن للقطاع تعزيز صموده وتصحيح اختلالاته الهيكلية.
5. التوقعات المستقبلية: طريق معقد في الأفق
حدد إصدار التوقعات العالمية للأمن السيبراني 2025 في يناير ملامح العام، محذرا من “اتساع فجوة عدم المساواة السيبرانية” بين المؤسسات القادرة على تحقيق الصمود وتلك التي تتخلف عن الركب.
وأشار التقرير إلى أن المؤسسات الصغيرة تواجه صعوبة متزايدة في مواكبة التحديات، حيث يرى 71% من قادة الأمن السيبراني أن هذه المؤسسات وصلت بالفعل إلى “نقطة تحول حرجة لم تعد قادرة عندها على حماية نفسها بشكل كاف أمام التعقيد المتزايد للمخاطر السيبرانية”.
ومع ذلك، كما أظهرت التجربة في المملكة المتحدة هذا العام من خلال هجمات مكلفة استهدفت شركتي جاكوار لاند روفر وسلسلة متاجر ماركس آند سبنسر، فإن المؤسسات الكبرى بدورها مطالبة بالبقاء في حالة تأهب دائم.
ومع التطلع إلى عام 2026، تتمثل مهمة القادة في النظر إلى الأمن السيبراني ليس كتكلفة تقنية معلومات، بل كممكن استراتيجي. ففي عالم تتصاعد فيه تهديدات الذكاء الاصطناعي ومخاطر الفضاء، لم يعد الصمود السيبراني يقتصر على حماية البيانات فحسب، بل أصبح مرتبطا بحماية أسلوب حياتنا نفسه.
