- تعيد النماذج الكمية الضخمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تعريف الطريقة التي يتم بها اكتشاف العلاجات الجديدة، من خلال تقليص الزمن والتكلفة والمخاطر عبر قطاع الصناعات الدوائية الحيوية.
- وقد أسهم تعاون بين مؤسسة بحثية وشركة تكنولوجية في تسريع أبحاث الأمراض التنكسية العصبية من سنوات إلى أشهر، ما يمهّد الطريق لتحقيق اختراقات أسرع.
- كما يمكن لاستخدام هذه النماذج أن يوفر مليارات الدولارات في البحث والتطوير، ويقلل الاعتماد على التجارب على الحيوانات، ويوسع الوصول إلى علاجات للأمراض النادرة والمعقدة.
حتى مع أحدث التقنيات والمناهج العلمية المتاحة اليوم، يستغرق تطوير علاج دوائي جديد من الفكرة إلى العيادة في المتوسط نحو 10 سنوات، وتصل تكلفته إلى أكثر من 2.5 مليار دولار، مع فشل نحو 90% من المرشحين خلال المراحل ما قبل السريرية والسريرية.
وتكون هذه المؤشرات أكثر سوءا في حالة الأمراض التي لا تزال بيولوجيتها غير مفهومة بشكل كاف، أو تلك التي لا تعكس فيها نماذج الحيوانات النتائج البشرية بدقة. ونتيجة لذلك، يواجه المرضى فترات انتظار طويلة لابتكارات غالبا لا تصل إليهم، بينما يتراجع الاستثمار في الاضطرابات النادرة أو المعقدة بسبب ارتفاع المخاطر وضعف العوائد المتوقعة.
أما الأدوية التي تحصل على الموافقة، فغالبا ما تُطرح بأسعار مرتفعة للغاية، إذ يسعى المصنعون إلى تعويض خسائرهم من المشاريع غير الناجحة وإعادة بناء ميزانيات البحث والتطوير استعدادا للمبادرات المستقبلية.
وقد بدأت بالفعل منظمات أكاديمية وتجارية وغير ربحية كبرى في مجال الأبحاث الدوائية الحيوية حول العالم في توظيف النماذج الكمية الضخمة لدفع مسارات البحث في مجالات مثل الأورام، واكتشاف المؤشرات الحيوية، وغيرها من الاضطرابات صعبة العلاج.
من الواضح أن النظام الحالي معطّل وغير مستدام. هناك حاجة إلى نهج أفضل يقلل بشكل جذري من الزمن والتكلفة والمخاطر المرتبطة بتطوير العلاجات الجديدة، وهي تحديات تعود في جزء كبير منها إلى التجارب المخبرية القائمة على المحاولة والخطأ، وإلى نقص البيانات الدقيقة أو الرؤى القادرة على توجيه الاكتشافات.
وقد أظهر الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة في تسريع بعض الجوانب، إلا أن تدريب نماذج ذكاء اصطناعي لغوية على الأدبيات الحالية والبيانات التاريخية والتجارب الفاشلة لا يكفي لاكتشاف جزيئات جديدة أو مركبات غير معروفة قادرة على إحداث اختراقات علاجية للأمراض الأكثر تعقيدا.
ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى نماذج ذكاء اصطناعي جديدة قادرة على تجاوز البيانات ما قبل السريرية والأدبيات المتاحة، بما يتيح استكشافا أعمق للفضاء الكيميائي للكشف عن مرشحين جدد. يجب أن تفهم هذه النماذج طبيعة الجزيئات والبروتينات وسلوكها، حتى تتمكن من محاكاة تفاعلاتها والتنبؤ بالنتائج المحتملة دون الحاجة إلى تجارب فيزيائية طويلة ومكلفة.
كما ينبغي أن تكون قادرة على توليد بيانات جديدة من خلال هذه المحاكاة لسد فجوات المعرفة، وتوجيه التجارب، وتسريع اتخاذ القرارات السريرية بفعالية أكبر.
التصدي للتحديات المتجذرة في اكتشاف الأدوية
لطالما قاومت الأمراض التنكسية العصبية مثل باركنسون وألزهايمر تحقيق اختراقات علاجية حقيقية. ويُعد تطوير الأدوية في هذه المجالات من أكثر المهام صعوبة وكلفة في الطب الحديث، حيث تُنفق عشرات المليارات من الدولارات على تطوير الأدوية، وتمتد الجداول الزمنية غالبا لأكثر من عقد، مع تكرار الفشل في اكتشاف أدوية تبطئ أو توقف تطور المرض.
وأصبح النموذج التقليدي غير قابل للاستمرار، خاصة في ظل الاحتياجات العاجلة والمتزايدة للمرضى.
ويشير تعاون حديث بين معهد الأمراض التنكسية العصبية في جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو وشركة الحوسبة المتقدمة SandboxAQ إلى تحول جذري في هذا المجال. فمن خلال الاستفادة من فئة جديدة من الذكاء الاصطناعي تعرف بالنماذج الكمية الضخمة، لم يقتصر الأمر على تسريع جهود البحث في الجامعة، بل أعاد أيضا تعريف ما هو ممكن في تطوير العلاجات المبتكرة.
وتبرز هذه الدراسة الحالة كيف تقوم منصة AQBioSim بتحويل عملية اكتشاف الأدوية بشكل جذري، محققة سرعة وكفاءة ومعدلات نجاح غير مسبوقة.
لسنوات طويلة، أعاق نقص الأدوات الحاسوبية الفعالة وتقنيات الفحص غير الكفؤة تطوير علاجات الأمراض التنكسية العصبية. كان التقدم بطيئا ومكلفا، مع اعتماد الباحثين على فحص قسري لمئات الآلاف من المركبات، ما كان يسفر عادة عن عدد محدود من النتائج الضعيفة بعد أشهر من العمل.
ورغم التقدم في الأتمتة والمعلوماتية الحيوية، ظلت الاختناقات الأساسية في النمذجة والتنبؤ قائمة.
تحت قيادة الحائز على جائزة نوبل الدكتور ستانلي بروزينر، واجه فريق في جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو هذه التحديات نفسها. ففي عام 2024، توقّع الفريق ألا يكون علاج واعد لمرض باركنسون جاهزا للتجارب السريرية قبل عام 2031. وبعد استكشاف منصات حاسوبية تقليدية دون نجاح، توجّه الدكتور بروزينر إلى SandboxAQ بحثا عن حل قائم على الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بزيادة الإنتاجية، بل يقلل فعليا من المخاطر ويُسرّع اكتشاف الأدوية وتطويرها.
توسيع نطاق التأثير العلاجي
تمتد آثار هذه التطورات إلى ما هو أبعد من الأمراض التنكسية العصبية. فالنماذج الكمية الضخمة قابلة للتطبيق في مجالات الأورام وعلم الوراثة ومجموعة واسعة من الأمراض النادرة، ما يوفر أساسا لبناء مسارات سريعة لتطوير الأدوية حتى في ظل بيانات تجريبية محدودة أو أهداف بيولوجية معقدة.
كما يمكن أن تساعد شركات الصناعات الدوائية الحيوية على الامتثال لإرشادات إدارة الغذاء والدواء الأميركية التي صدرت مؤخرا، والتي تتجه نحو الاستغناء التدريجي عن متطلبات التجارب على الحيوانات لبعض العلاجات، مثل الأجسام المضادة وحيدة النسيلة.
ومن شأن تعميم هذه الابتكارات عبر القطاع أن يغير بشكل ملحوظ منحنى الإنتاجية. ففي عام 2025، يعمل أكثر من 6 آلاف شركة ومجموعة بحثية حول العالم في مجال اكتشاف الأدوية، وفقا لبيانات Citeline.
وقد يؤثر تسريع البحث والتطوير لعلاجات جديدة لمرض ألزهايمر في عشرات الملايين من الأشخاص المصابين به، مع توقع أن يصل عددهم إلى 78 مليون شخص بحلول عام 2030.
وبالمثل، أظهرت دراسة العبء العالمي للأمراض لعام 2021 أن 11.8 مليون شخص حول العالم كانوا مصابين بمرض باركنسون. وتشير دراسة نُشرت في مارس 2025 عن مجموعة BMJ إلى أن العدد قد يرتفع إلى أكثر من 25 مليون شخص بحلول عام 2050، بزيادة قدرها 112% مقارنة بعام 2021.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن التقدم في الفحص والتحسين الحاسوبيين، المعتمدين على النمذجة والمحاكاة، يمكن أن يوفر مليارات الدولارات سنويا من إنفاق البحث والتطوير غير الفعّال والقائم على المخاطر، ما يتيح استثمارات أكبر في علاجات الأمراض الصعبة أو النادرة، بما في ذلك تلك التي تؤثر على فئات صغيرة أو مهمشة.
في جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو، أصبح بإمكان الباحثين الآن تحليل ملايين الجزيئات شهريا، ما يمكّن فرق العمل المتكاملة من التقدم في أبحاث أمراض تتراوح بين ألزهايمر وباركنسون، وصولا إلى بروتينات مطوية بشكل غير طبيعي تم توصيفها حديثا.
كما بدأت بالفعل مؤسسات أكاديمية وتجارية وغير ربحية كبرى في أنحاء العالم في الاستفادة من النماذج الكمية الضخمة لدفع مسارات البحث في مجالات الأورام، واكتشاف المؤشرات الحيوية، وغيرها من الاضطرابات صعبة العلاج.
نحو مستقبل صحي أفضل
يمثل التعاون بين جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو وSandboxAQ دليلا ملموسا على قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي الكمية، متعددة التخصصات والقائمة على الفيزياء، على إحداث تحول جذري في ممارسات اكتشاف الأدوية الراسخة منذ عقود، وفتح آفاق جديدة للابتكار والاختراقات السريرية على نطاق واسع.
ويقدم هذا النهج للباحثين وقادة الصناعة خارطة طريق لتجاوز العقبات المزمنة، وعلى رأسها ارتفاع التكلفة والمخاطر، ونقص البيانات، وارتفاع معدلات الفشل السريري، بما يمهّد الطريق لعلاجات تحوّلية وتخفيف المعاناة عن ملايين المرضى حول العالم.
