القائمة الرئيسية

التمويل المناخي عالق. هل يمكن للتأمين أن يفتح الطريق؟

التمويل المناخي عالق. هل يمكن للتأمين أن يفتح الطريق؟
ملخص المقال

إن الفجوة بين رأس المال المتاح والاحتياجات الفعلية تؤكد حقيقة واضحة مفادها أن مستقبل التمويل المناخي يعتمد على إطلاق مشاركة أكبر من القطاع الخاص.

ملخص: تناقش هذه المقالة حالة الجمود التي يعاني منها التمويل المناخي، خاصة في الاقتصادات الناشئة والنامية، وتوضح أن سد فجوة التمويل يتطلب دورا أقوى للقطاع الخاص. كما تبرز أن المخاطر المتصورة غالبا ما تكون مبالغا فيها مقارنة بالواقع، مما يرفع كلفة رأس المال ويعيق الاستثمار. وتؤكد المقالة أن التأمين يمكن أن يكون رافعة استراتيجية أساسية عبر ربط قابلية التأمين بقابلية التمويل، وتقليل عدم اليقين، ودعم تصميم مشاريع مرنة وقابلة للاستثمار، بما يجعل التأمين ركيزة ثالثة محورية إلى جانب الإقراض والاستثمار لتسريع الانتقال المناخي العادل.

  • لا يزال التمويل المناخي أقل بكثير مما هو مطلوب، لا سيما في الاقتصادات الناشئة والنامية، التي تقف في الخطوط الأمامية لتداعيات تغيّر المناخ وغالبا ما تفتقر إلى الموارد المالية الكافية للاستجابة.
  • ويتطلب سد هذه الفجوة إشراك القطاع الخاص على نطاق أوسع، حيث تبقى معادلة المخاطر والعوائد العامل الحاسم في قرارات الاستثمار.
  • ويمكن للتأمين أن يؤدي دورا استراتيجيا في تمكين التمويل المناخي عبر مساعدة المستثمرين المحتملين على التعامل مع عدم اليقين وبناء مشاريع مرنة وقابلة للتمويل.

بلغ حجم التمويل المناخي 1.9 تريليون دولار في عام 2023، وهو إنجاز مهم للاستثمارات المتوافقة مع المناخ. ومع ذلك، لا يزال هذا التمويل دون المستوى المطلوب بكثير، خصوصا في الاقتصادات الناشئة والنامية، التي تحتاج بحلول عام 2030 إلى نحو 2.4 تريليون دولار سنويا لتحقيق أهداف المناخ والتنمية، منها نحو تريليون دولار من مصادر خارجية، في المقام الأول من القطاع الخاص.

إن الفجوة بين رأس المال المتاح والاحتياجات الفعلية تؤكد حقيقة واضحة مفادها أن مستقبل التمويل المناخي يعتمد على إطلاق مشاركة أكبر من القطاع الخاص.

المخاطر المتصورة تعيق الاستثمارات الخاصة
في صميم قرارات الاستثمار الخاصة تكمن معادلة المخاطر والعوائد. وفي الاقتصادات الناشئة والنامية، غالبا ما تكون هذه المعادلة مختلة بسبب التصور السائد بأن مخاطر الاستثمار أعلى بكثير مقارنة بالأسواق المتقدمة. ويعود ذلك إلى عوامل مثل عدم اليقين الاقتصادي والتنظيمي، وتقلبات العملات، وضعف البنية التحتية المالية. ورغم أن بعض هذه المخاطر موجود فعلا، فإن الكثير منها مبالغ فيه، ويعد التمييز بين المخاطر المتصورة والحقيقية أمرا أساسيا لإطلاق رأس المال الخاص نحو المشاريع المتوافقة مع المناخ والتنمية المستدامة.

تشير بيانات جديدة من قاعدة بيانات مخاطر الأسواق الناشئة العالمية، وهي أكبر مجموعة بيانات لمخاطر الائتمان في البلدان النامية، إلى جانب تحليلات حديثة لمؤسسة التمويل الدولية، إلى أن المخاطر المتصورة للتعثر في الاقتصادات الناشئة مبالغ فيها مقارنة بالواقع. فاستنادا إلى أكثر من عشرة آلاف قرض للقطاع الخاص في 169 دولة، بلغ متوسط معدلات التعثر 3.54% فقط، وهي نسبة مماثلة للشركات في الاقتصادات المتقدمة، مع معدلات استرداد تتجاوز المعايير العالمية. وحتى خلال فترات الضغط العالمي، تعثرت العديد من شركات الأسواق الناشئة بمعدلات أقل من المتوقع.

ومع ذلك، يستمر هذا الفارق في التصورات، مما يرفع تكلفة رأس المال. ولكي يستثمر القطاع الخاص على نطاق واسع، يجب أن تكون المشاريع المتوافقة مع المناخ قابلة للتمويل. وهناك ارتباط مباشر بين قابلية التأمين وقابلية التمويل، إذ إن المشروع الذي لا يمكن تأمينه نادرا ما يجذب استثمارات خاصة.

وضع التأمين في صميم نقاشات التمويل المناخي
للتأمين دور فريد وغير مستغل بالشكل الكافي في التعامل مع هذه المخاطر، سواء كمُكتتب أو كمستثمر. ويمكن للتأمين أن يكون ممكّنا استراتيجيا عبر توفير البيانات والنمذجة وتجميع المخاطر والمنتجات المبتكرة التي تساعد المستثمرين على التعامل مع عدم اليقين وبناء مسارات مشاريع مرنة وقابلة للتمويل.

غير أن نماذج التأمين التقليدية، القائمة على البيانات التاريخية، باتت تتأخر عن مواكبة المخاطر المناخية النظامية التي تتطور بوتيرة أسرع من قدرة القطاع على التكيف. وبدون تحرك حاسم، قد تصبح أجزاء من الاقتصاد غير قابلة للتأمين، مما يهدد المجتمعات وتدفقات رأس المال.

توضح لورانسـا توبيانا، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة المناخ الأوروبية:
"إذا كان الأصل أو النشاط غير قابل للتأمين، فمن المرجح أنه غير قابل للاستثمار. فالتأمين اليوم يتجاوز الحماية، إذ يعمل كمؤشر على الجاهزية المناخية والقيمة طويلة الأجل للأصول. ودور قطاع التأمين في مناخ متغير ليس مجرد مسألة تقنية أو سوقية، بل تحدٍ نظامي وسياسي يتطلب عملا جماعيا."

إن تعزيز دور التأمين أمر حاسم لحشد رأس المال الخاص وتوسيع نطاق الحلول المناخية. ومع ذلك، ومع تنامي التوقعات حول دور التأمين في مشهد التمويل المناخي، تبرز الحاجة إلى مزيد من الوضوح والتوافق بشأن ما يمكن لشركات التأمين تقديمه بشكل واقعي.

القدرات الفريدة لشركات التأمين في تقليل مخاطر التمويل المناخي
شركات التأمين ليست مجرد مزودي تغطية للخسائر، بل هي مستثمرون طويلو الأجل، وعوامل استقرار للنظام، ومديرو مخاطر. وتمنحها خبراتها في نمذجة المخاطر، والتقييم الهندسي، وتحليل الكوارث، وتخصيص رأس المال طويل الأجل، موقعا فريدا لتحويل عدم اليقين إلى رؤى مالية.

وتسمح هذه القدرات لشركات التأمين بأن تكون جسرا بين قابلية التأمين وقابلية التمويل، عبر المساهمة في تصميم المشاريع بطرق تقلل عدم اليقين وتعزز جاهزيتها للاستثمار. وفي الوقت نفسه، تعمل شركات التأمين ضمن متطلبات ملاءة ورقابة حذرة تحدد كيفية مشاركتها في هياكل الاستثمار. ويبدأ النهج الأكثر فاعلية بفهم أوضح للقدرات المحددة التي يمكن للتأمين توظيفها في التمويل المناخي.

كيف ندمج شركات التأمين في آليات التمويل المناخي؟
هناك عدة خطوات عملية لتعزيز دمج شركات التأمين في آليات التمويل المناخي:

1. البناء بشكل أفضل منذ البداية عبر إشراك التأمين مبكرا
يعد إشراك شركات التأمين في مراحل مبكرة من تصميم المشاريع، وليس بعد تأمين التمويل، أمرا أساسيا. فخبراتها وبياناتها المناخية تساعد على تحديد المخاطر قبل أن تصبح مكلفة، كما أن إشارات الطلب الواضحة من المناقصات والإرشادات الاستثمارية تشجع على تصميم مرن ومدروس للمخاطر. ويسهم التعاون المبكر في تقليص فجوات التصور، وخفض تكاليف التمويل، وبناء مسارات مشاريع قوية في الأسواق الناشئة.

2. تحويل المعرفة بالمخاطر إلى تدفقات رأسمالية عبر البيانات والسياسات
تحد القيود التنظيمية ونقص البيانات من مشاركة شركات التأمين بشكل كامل. ويتطلب تجاوز هذه العوائق إصلاح الأطر التنظيمية بما يسمح بمشاركة التأمين في التمويل المدمج وأدوات تقليل المخاطر، مع الحفاظ على السلامة المالية، إلى جانب تحسين البيانات الاستشرافية للمخاطر المناخية وتوحيد المنهجيات وتحويل البيانات المعقدة إلى معلومات قابلة للاستخدام من قبل المستثمرين.

3. من شبكة أمان إلى محرك للنمو
ينبغي النظر إلى التأمين كعامل تمكيني استباقي للمرونة والاستقرار، لا مجرد أداة لما بعد الأزمات. ويتطلب ذلك ابتكار نماذج قابلة للتوسع، وقياس عوائد المرونة، والحفاظ على قابلية التأمين كمنفعة عامة ضرورية للاستقرار الاقتصادي في ظل تصاعد المخاطر المناخية.

الطريق إلى الأمام للتمويل المناخي
ينبغي دمج التأمين كـ"الركيزة الثالثة" للتمويل المناخي إلى جانب الإقراض والاستثمار، من أجل حشد رأس المال الخاص، وتوسيع الحيز المالي في الدول النامية، وتسريع الانتقال العادل والمرن. ويمكن للنشر الاستراتيجي لأدوات التأمين الحالية أن يزيد تدفقات الاستثمار المتوافقة مع اتفاق باريس بنسبة تصل إلى 40%.

لكن الانتقال من الطموح إلى التنفيذ يتطلب اختبار الشراكات، وإثبات النماذج القابلة للتوسع، وترسيخ المرونة في صميم قرارات الاستثمار. ويعد التعاون بين شركات التأمين والمستثمرين ووكالات التصنيف الائتماني وصناع السياسات أمرا أساسيا لتحويل الطموحات إلى تدفقات رأسمالية ملموسة تدعم انتقالا عادلا وقادرا على الصمود.

المصدر

مقالات ذات صلة